الصدمة التي حلت بالاسواق المالية العالمية جراء العمليات المدمرة التي وقعت في الولايات المتحدة امس الاول لم تلق بظلالها على الاقتصاد الامريكي الذي يعاني بصعوبة على الصمود رغم تباطئه المفاجيء فحسب بل القت بسحبها المعتمة ايضا على الاقتصاد العالمي الذي يبدو انه دخل هو الآخر في دوامة الركود. ويرى المحللون الاقتصاديون ان تلك الصدمة قد يكون لها آثار ضخمة على الاقتصاد العالمي الهش. في الوقت نفسه سارع عدد من الحكومات الاوروبية والآسيوية باتخاذ اجراءات وقائية وبذل الجهود في محاولة منها لتهدئة الاسواق سواء بمطالبة المصارف المركزية بضخ المزيد من السيولة النقدية او احداث خفوضات اخرى باسعار الفائدة. وهوت أسواق الاسهم في مختلف انحاء العالم وقفزت اسعار النفط بشدة عقب الهجمات بطائرات مخطوفة على مركز التجارة العالمي في نيويورك وعلى مبنى وزارة الدفاع الامريكية في واشنطن. وحول المستثمرون المذهولون من تطورات الاحداث المتلاحقة استثماراتهم الى الملاذ الامن في مثل هذه الظروف وهو السندات الحكومية مع انتشار حالة من الغموض في الاسواق العالمية. وقال ماتس كينوول كبير خبراء الاقتصاد الدولي في بنك هاندلزبانكن السويدي هذا قد يطلق شرارة الكساد. وقال وليام مكدونو رئيس بنك نيويورك الاحتياطي في تصريحات في سويسرا ان البنك المركزي الامريكي سيوفر السيولة التي تحتاج اليها الاسواق المالية حسبما يقتضي الحال. وقال: «بكل تأكيد جانب من اجراءاتنا يتمثل في توفير تلك السيولة الضرورية». وفي واشنطن اكد مجلس الاحتياطي الاتحادي «البنك المركزي» انه مفتوح والعمل به يسير كالمعتاد وانه مستعد لتقديم السيولة المطلوبة. ويقول خبراء ان أسعار النفط التي ارتفعت بشدة عام 1999 من الاسباب الرئيسية في بدء التباطؤ الاقتصادي العالمي في أواخر العام الماضي وقال محللون انهم يتابعون بقلق ارتفاعها الذي بلغ أمس الاول عشرة في المئة في الاسواق العالمية لتتجاوز 31 دولارا. وقال دوجلاس مكوليامز رئيس مركز ابحاث الاقتصاد والاعمال في لندن «لا نعرف الى متى ستظل أسعار النفط مرتفعة لكن من الواضح ان هذا الامر لا يبشر بالخير بالنسبة للنمو الاقتصادي». ومن المحتمل ان يؤدي انخفاض أسعار الاسهم اذا استمرت في هذا الاتجاه الى انخفاض ثقة المستهلكين مما يدفع بدوره الى تراجع معدلات الانفاق على الاقل في الولايات المتحدة وبريطانيا. فقد استمر انفاق المستهلكين بمعدلات مرتفعة في البلدين رغم تراجع معدلات النمو في قطاعات الصناعات التحويلية فيهما. وقال محللون انه لولا ثبات انفاق المستهلكين بفضل تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة لكان الاقتصاد العالمي يعاني الان من كساد شديد. وقال كيريت شاه رئيس ادارة الابحاث ببنك سانوا انترناشيونال الياباني في لندن ان الهجمات «تزيد من فرصة حدوث كساد عالمي تتصدره الولايات المتحدة وربما تفتح الباب امام مزيد من خفض أسعار الفائدة». وكان مجلس الاحتياطي الاتحادي «البنك المركزي الامريكي» قد خفض أسعار الفائدة عدة مرات منذ بداية العام في محاولة لانعاش الاقتصادي والحيلولة دون انزلاقه الى الكساد. وقال جوستاف هورن كبير الاقتصاديين في معهد دي.اي.دبليو في برلين انه يتوقع ان تهدأ الاسواق بعد رد الفعل الاولي الذي أعقب الصدمة. واظهرت أحدث البيانات ان الاقتصاد الامريكي نما بنسبة 0.2% فقط في الربع الثاني من العام ويخشى المحللون ان تدفعه اثار الهجمات الى الانكماش. وقال دانييل كاي من مؤسسة كابيتال ايكونوميكس الاستشارية في لندن «هذه الاحداث تأتي في وقت بدأ فيه العديد من الناس يتحدثون عن دخول الولايات المتحدة مرحلة انتعاش. ولا بد انها ستؤجل اي حديث عن الانتعاش ثلاثة أو ستة اشهر». وكان روبرت برجفيست كبير المحللين في مؤسسة اس.اي.بي للعمليات المصرفية الاستثمارية في ستكهولم اكثر تشاؤما اذ قال ان الهجمات قد «تؤدي الى كساد في الولايات المتحدة بسبب الشكوك المتنامية التي ستؤثر على الاستثمارات واسعار الاسهم والتي ستؤثر بدورها على الاسر الامريكية». من جهة اخرى قال بنك جولدمان ساكس الاستثماري امس ان تلك الهجمات قلبت استراتيجيته بشان الاسهم الاوروبية «رأسا على عقب» نظرا لانها ستؤدي الى تفاقم التباطؤ الاقتصادي. وقال البنك في مذكرة بشأن استراتيجيته في اوروبا ان الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة سيكون لها على الارجح تأثير سلبي على ثقة المستهلكين والاعمال مما يفاقم التباطؤ الاقتصادي ويؤخر الانتعاش. واضاف ان القطاعات التي يرجح ان تكون الاكثر تضررا عقب الهجمات هي شركات الطيران وشركات التجزئة والفنادق وصناعات الترفيه. وقال ان العودة الى التركيز على الانتعاش الاقتصادي ستتوقف على مدى التحرك بنشاط لتيسير الائتمان خلال الاسابيع القليلة المقبلة وخفض اسعار النفط وهو ما قد يسهله استخدام الاحتياطي النفطي الاستراتيجي «الامريكي» اذا انقطعت الامدادات. وقد رفض رئيس البنك المركزى الأوروبى فيم دوزنبرج التكهن بالتأثيرات الاقتصادية للهجمات الارهابية التى تعرضت لها أمس الاول الولايات المتحدة الأمريكية. وقال دوزنبرج فى كلمة له أمام اللجنة الاقتصادية والنقدية بالبرلمان الأوروبى فى بروكسل ان مجلس محافظى البنك سيجتمع اليوم من أجل تبادل الرأى حول تأثير أحداث الأمس على الأوضاع الاقتصادية والنقدية فى العالم على الأمد الطويل . واعترف فى الوقت نفسه بأن الصدمة الخارجية الناتجة عن هذه الأحداث الاستثنائية وغير العادية التى تعرض لها النظام الاقتصادى العالمى يمكن أن يكون لها أى تأثير على الأمد البعيد. وأشار دوزنبرج الى أن البنك المركزى الأوروبى على اتصال دائم مع البنوك المركزية الرئيسية فى كافة أنحاء العالم بما فى ذلك البنك الاحتياطى الأمريكى. وأكد معارضته لأية تحركات متسرعة بالنسبة لتغيير معدل الفائدة من جانب البنك المركزى الأوروبى موكدا أن أية اتجاه لخفض الفائدة سيتسبب فى حالة من الذعر فى الأسواق العالمية. وطالب بالانتظار وتوخى الحذر. موضحا أن البنوك المركزية فى منطقة اليورو مستعدة للتدخل فى أية لحظة من أجل ضمان نشاط طبيعى فى الأسواق المالية بما فى ذلك مساندة الولايات المتحدة الأمريكية. ونوه بأن التوجه الحالى للبنك المركز الأوروبى سيسمح بضمان رجوع معدل التضخم فى منطقة اليورو الى أقل من 2% فى بداية عام 2002. ويرى الخبراء ان الهجمات على مركز التجارة العالمى فى نيويورك وعلى مقر وزارة الدفاع الامريكية تسببت فى حدوث حالة من عدم الثقة فى الاقتصاد الامريكى. ويقول اقتصاديون انهم لايستطيعون الان تقدير حجم الضرر الاقتصادى الذى أصاب الولايات المتحدة الا ان بعضهم يتوقع أن تقوم واشنطن باتخاذ اجراءات قوية قد تصل الى حد القيام بعمل عسكرى من أجل اعادة الثقة فى اقتصاد أغنى دولة فى العالم. وقال الاقتصادى هانز ريديكر من مؤسسة «بى ان بى باريباس» ان الولايات المتحدة قد تستغرق شهورا للقيام بعمل ما ولكنها ستكون جاهزة للرد من أجل بناء الثقة فى اقتصادها ومن المؤكد انها ستقوم بضربة عسكرية. وأضاف ان تأثير الضربة التى تلقتها الولايات المتحدة سيصل الى اوربا واليابان والاقتصاد العالمى الا ان تقدير حجم الضرر سيكون صعبا فى الفترة الحالية وهو مادفع نيك بارسونز وهو احد كبار الاستراتيجيين فى بانك كوميرز فى لندن الى القول بأن الكل يتمنى ان يعلم تبعات ماحدث. وأشار بارسونز الى أن الاقتصاديين يحاولون استيعاب المسألة التى تتجاوز حدود المكسب والخسارة. ويرى هانز ريديكر ايضا ان ماحدث لن يؤثر فحسب على ثقة المستثمرين ولكن ايضا على ثقة المستهلكين. اعداد: مصطفى عبد العظيم