بول كروجمان هو احد ابرز المفكرين الاقتصاديين في الولايات المتحدة. ففضلاً عن تاريخه كاستاذ في بعض من اعرق الجامعات والمعاهد الامريكية فإن له كتابات كثيرة ـ اغلبها حاد كالنصل ـ في نقد السياسات الاقتصادية للادارات الامريكية على اختلافها. وعقب التداعي الاخير في ارقام بورصة نيويورك الذي نجم عن ارتفاع ارقام البطالة في الولايات المتحدة اجرت «البيان» حواراً مع كروجمان بدا فيه الاقتصادي الامريكي المعروف متشائماً حول احتمالات المستقبل وذلك في خلاف واضح مع تأكيدات الرئيس بوش ومعاونيه بأن الركود الاقتصادي الراهن سينتهي بنهاية العام الحالي. وبدأ الحوار بسؤال عما اذا كان تبدل الادارة ـ من كلينتون إلى بوش ـ مسئولاً عن زيادة معدلات التباطؤ الاقتصادي ومن ثم الوصول إلى الركود الحالي، فقال كروجمان: ـ ليس تماماً. هناك بطبيعة الحال اخطاء ارتكبتها الادارة الحالية وادت إلى تفاقم المشكلة، وابرز هذه الاخطاء هو خفض الضرائب. الا ان علامات التباطؤ الاقتصادي كانت واضحة في الآونة الاخيرة للادارة الديمقراطية السابقة. ـ رغم ذلك فإن ارقام الاداء الاقتصادي في عام 2000 (اي آخر اعوام كلينتون) لم تكن سيئة كمتوسط عام. ـ غير صحيح بل ان ارقام 1998 و1999 ايضاً كانت مضلة. فقبل اسبوعين فقط اصدرت الحكومة الفيدرالية «تصحيحاً» لارقام النمو في الناتج المحلي لهذه الاعوام الثلاثة. ويخفض التصحيح الارقام التي عرفناها جميعآً بنسبة تتراوح بين 0.7% و1.2%، وهي نسبة كبيرة. ولكن كيف امكن الوقوع في هذه الاخطاء اصلاً؟ ـ المشكلة ليست في امكانية وقوع الخطأ، ولكنها في تأسيس سياسات مستقبلية تستند عليه. ان المسئولين عن سياساتنا المالية يعرفون ان اخطاء من هذا النوع هي امر وارد، فهي محصلة لعمليات حسابية معقدة تغطي مئات من مجالات النشاط الاقتصادي. ولهذا فإن هؤلاء المسئولين يعتمدون في العادة على مؤشرات اخرى كثيرة اذا كان المطلوب هو وضع اطار استراتيجي لتوقعات المستقبل. الا ان هذا لم يحدث. لقد اخفق هؤلاء المسئولون في قراءة الاتجاه العام، كما انهم اخفقوا في وضع سياسات من شأنها تخفيف وقع ما يحدث الآن. ـ كيف ذلك؟ ـ لننظر إلى ما قاله حاكم الاحتياطي الفيدرالي آلان جرينسبان حين سأله اعضاء الكونجرس عن رأيه في خطة الرئيس بوش بخفض الضرائب وذلك بعد انتخاب الرئيس مباشرة. فطبقاً لما قاله جرينسبان فإن اقتصاد الولايات المتحدة مر بفترة نمو متسارع خلال التسعينات، اي انه كان يحقق معدلات نمو تزيد في كل عام عن العام الذي سبقه. ويعني ذلك ـ حسب قول جرينسبان ـ ان من الممكن تحقيق ذلك عملياً لفترة زمنية طويلة نسبياً، وان القلق على مستقبل برامج التقاعد والتأمين الصحي والاجتماعي غير وارد. ولكن الارقام «المصححة» اثبتت ان اقتصادنا لم يكن يحقق نمواً متسارعاً خلال التسعينات، وانه اخذ يتباطأ في سنوات نهاية العقد. يمكن اذن اتهام جرينسبان اما بأنه لم يكن يعرف ان الارقام الحقيقية قد تكون اقل من الارقام المعلنة، او انه كان يعرف ذلك وهو احتمال مستبعد على اي حال، اذ ان الارجح هو ان جرينسبان صدق الارقام الرسمية رغم معرفته بأنها ارقام ذات طابع تقديري. هناك مثال آخر ورد ايضاً في شهادة جرينسبان امام الكونجرس فقد اشاد بالثورة الانتاجية التي طرأت على الاقتصاد الامريكي بسبب التطور التكنولوجي الكبير وصعود قطاع تكنولوجيا المعلومات. وهي امور في تقديره ادت إلى زيادة معدلات انتاجية العامل الواحد بنسبة كبيرة ومن ثم الدفع بالاقتصاد إلى النمو المستمر. بل ان حاكم المصرف الامريكي استشهد بمن قالوا ان فائض الميزانية سيستمر لمدة 30 عاماً مقبلة. بعد ذلك بسبعة اشهر فقط تبخر هذا الفائض.. انها اخطاء ليست هينة، ذلك ان جرينسبان انهى بشهادته اي امكانية لمعارضة برنامج الرئيس بوش بخفض الضرائب، وهو برنامج استند على ان فائض الميزانية قد أصبح حينذاك «ظاهرة دائمة». فبعد شهادة جرينسبان لم يجد معارضو برنامج الرئيس ما يستندون عليه. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز: