العديد من الدوائر والهيئات الاقتصادية العالمية تشيد بتطور مناخ الاستثمار والحرية الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي، واذا كانت هذه الدول قد تبوأت على مدى عدة سنوات متتالية مراكز متقدمة من حيث درجة التحرر الاقتصادي على المستوى العالمي. هذه التوجهات يجب ان يكون هدفها اولا واخيرا بناء اقتصادات وطنيه سليمة قائمة على دعائم متينة ومستقرة، وقادرة على التكيف والتأقلم مع تيارات وضغوط العولمة. واذا كانت هناك بعض الملاحظات والتخوفات في خصوص افرازات عولمة الاقتصاد، فان ذلك امر مشروع، حتى ان افرازات العولمة بكل ابعادها وتأثيراتها لم تتشكل بعد، وان اندماج اقتصاديات العالم وتكاملها خلال السنوات المقبلة لاشك يثير العديد من الملاحظات والهواجس. وهناك عنصر مهم في تشجيع الاستثمارات بشكل عام والاستثمارات الاجنبية بشكل خاص هو سياسة أية دولة في مجال استقطاب هذه الاستثمارات. ان دول مجلس التعاون الخليجي تعتبر محطة جيدة لاستقطاب الاستثمارات الاجنبية لما لها من قوانين وامكانيات في البنى التحتية يؤهلها ان تكون لهذا القدر من المستوى. كما ان سياسات هذه الدول وتشريعاتها الجديدة في مجال الاقتصاد والتجارة والعقار والتملك تنسجم مع التوجهات والقوانين الدولية التي تعني بتشجيع وحماية الاستثمارات الاجنبية. كما ان التوقيت والمناخ الاستثماري عنصران اساسيان في ذلك، بالنسبة للتوقيت، والاستجابة لرغبات الناس والتحرك لملاءمة القرارات التي تم وضعها ويتطلع رجال الاعمال الى اصدارها وبالسرعة المطلوبة لا لكي تنام في ادارج الدولة. اما بالنسبة للمناخ الاستثماري فانها متشعبة ومهمة في آن واحد فان الاستقرار السياسي والاستقرار الأمني والقوانين والتشريعات التي تتبناها العديد من دول المجلس والبنى التحتية والعمالة المدربة والفنية الماهرة وكذلك العلاقات مع الدول المجاورة عناصر مهمة لجذب الاستثمارات الاجنبية. كما لابد ان نأخذ بالاعتبار ان أي مستثمر اجنبي لا ينظر الى ان أي بلد خليجي كدولة منعزلة بل يفكر بمنطقة الخليج كدولة واحدة او ككتلة او مجموعة واحدة، خصوصا المشاريع الصناعية التي تهتم بتسويق البضائع قبل انتاجها، ومن هنا تأتي اهمية تعزيز وزيادة حجم المشروعات المشتركة بين دول المجلس. وعندما ننتقل للحديث عن القطاع الخاص ، يمكن القول ان هذا القطاع يتخوف من تداعيات الانضمام الى منظمة التجارة العالمية وينظر الى تبعات والتزامات ذلك بكثير من التخوف، ولكن اذا اخذنا في الاعتبار امكانيات هذا القطاع، والبوادر المشجعة في عملية جذب الاستثمارات في ظل مقومات تحقيق المزيد من الانفتاح والحرية الاقتصادية ، فاننا نخلص الى ان القطاع الخاص يجب ان يكون على استعداد لاستثمار هذه المستجدات بشكل ايجابي، فالعولمة التي تتمثل في فتح الاسواق، وحرية التجارة، وتحركات رؤوس الاموال والاستثمارات يمكن استثمارها بما يخدم نمو وتطور هذا القطاع. ان دول المجلس تدخل الالفية الثالثة بآمال كبيرة نحو استقطاب مزيد من الاستثمارات الاجنبية وهي تسعى للاستعداد لذلك باتخاذ العديد من الاجراءات الانفتاحية. ولكن المطلوب تحديد طبيعة الاستثمارات المطلوب ضخها في الاقتصاد الوطني باعتبار ان ذلك يرسم صورة اكثر وضوحا للطريق الذي سيسلكه ذلك الاقتصاد خلال السنوات المقبلة ويضع المستثمر الاجنبي عن قرب امام التوجهات والاولويات في السياسة الاقتصادية . ويجب ان ننوه هنا ان هناك نوعين من الاستثمارات، الاول يتعلق بالاستثمارات المباشرة كتشييد المصانع والمجمعات التجارية والعقارية وفتح فروع للشركات الاجنبية وهو استثمار بعيد المدى يتم التوجه اليه ليبقى فترة طويلة من الزمن وسلبياته اقل. اما النوع الثاني من الاستثمار فانه يأتي في شكل محافظ استثمارية أي موجودات غير ملموسة مثل شراء الاسهم والسندات وشراء العملة المحلية، وهو استثمار قصير المدى وذو سيولة عالية ويتم التخلص منه بسرعة عند الازمات كما حدث في دول جنوب شرق اسيا حيث باع المستثمرون الاجانب استثماراتهم عندما شعروا بالازمة الامر الذي تسبب في انهيار بورصات تلك الدول وتأثر اقتصادياتها الى حد كبير. ان نوعي الاستثمار الاول والثاني مهمان بالنسبة للدول النامية فالاول ينقل التكنولوجيا والمعرفة بينما يبقى دور الثاني هاما بالنسبة لتمويل مشاريع التنمية ودفع عجلة الاقتصاد الى الامام مع ان طبيعة هذا النوع من الاستثمار تبدو حساسة جدا بالنسبة للمتغيرات الداخلية كما سبق وان اشرنا بالنسبة لدول جنوب شرق آسيا. ولكي تحدد دول المجلس أي من الاستثمارات تريد استقطابها لابد ان تحدد الوجهة التي سوف تسير اليها اقتصادياتها، فهل نحن نريد اقتصادا سياحيا؟ صناعيا، خدماتيا، فاذا كانت الاولوية للسياحة فاننا سنعمل على استقطاب الاستثمارات السياحية ونوفر عوامل الجذب اللازمة في هذا الشأن، بل ونتجه لتحديد نوعية السياحة المطلوبة فهل هي عائلية، ثقافية، عالمية؟ اذن اننا قبل كل شيء نحدد طبيعة الوجهة او الطريق الذي سوف يسلكه اقتصادنا خلال 25 سنة مثلا لان المستثمر الاجنبي خاصة الذي يريد ان يضع استثمارات بعيدة المدى يريد ان يعرف طبيعة التوجهات والاولويات التي تتجه اليها السياسة الاقتصادية، فان كان المستثمر صناعيا والبلد تأخذ بالخيار الصناعي فانه يتساءل عن طبيعة الصناعة التي تركز عليها الدول.. هل هي خفيفة، متوسطة، ثقيلة؟ وهنا توجه الدعوة لرجال الاعمال الخليجيين لتأسيس مشاريع مشتركة مع المستثمرين الاجانب لان ذلك من شأنه ان يسهل عملية جذب رأس المال الاجنبي. ان التفكير في استقطاب الاستثمارات مجدية من الناحية الاقتصادية مع العمل الدؤوب لتوفير الحوافز والتسهيلات اللازمة في هذا الشأن بما فيها تقديم بعض التضحيات فاقامة منطقة الجبيل الصناعية بالسعودية استلزم منح اسعار خاصة في تلك المنطقة لاغراء المستثمرين، واعتقد ان الدول النامية بشكل تحتاج بتقديم المزيد من التضحيات. والمزايا والتسهيلات لاستقطاب راس المال الاجنبي. كما ان مؤسسات القطاع الخاص في منطقة الخليج بحاجة للاستثمار المشترك مع الشركات الاجنبية بهدف الاستفادة من خبرتها وتقنيتها المتقدمة. ان الصناعات التصديرية يجب ان تعطي الاولوية بالنسبة لمستقبل التنمية، اذ ان السوق الخليجي لا يستوعب صناعات الانتاج الكبير، وبالتالي فان طبيعة الاستثمارات الاجنبية التي تجدر بدول المجلس ان تضعها بعين الاعتبار يجب ان ترتكز على التصدير الى الاسواق العالمية خاصة وان تلك الاسواق ستصبح اكثر تحررا بعد تنفيذ متطلبات منظمة التجارة العالمية. كما انه من المفيد الاستفادة من منتجات بعض الصناعات الكبيرة القائمة في دول المنطقة ومحاولة اشراك رأس المال الاجنبي في استثماراتها الجديدة. فصناعة الالمنيوم الخام مثلا يتم تصدير جزء كبير منها الى الخارج دون العمل على تحويل ولو 50 منها في صورة منتجات نهائية غير مشروعات تحويلية في تلك الصناعة، فالمانيا تنتج ايضا الالمنيوم الخام لكن تدفقاتها النقدية من الالمنيوم تتضاعف عشر مرات من خلال الصناعات التحتية للالمنيوم التي تخلق ايضا فرص عمل جديدة، وهذا ما نأمل ان تلتفت اليه دول المنطقة وتعمل على استغلاله في صورة مشروعات مشتركة مع المستثمرين الاجانب ولكن مرة اخرى نقول يجب ان تتجه تلك المشروعات للتصدير العالمي. ونلاحظ انه في الوقت الذي تتمتع فيه عدد من دول المنطقة بدور رائد في مجال الخدمات المالية الدولية وتمويل مشروعات كبيرة خارج بلدانها عن طريق الوحدات المصرفية الخارجية فان المصارف التجارية الوطنية لم تأخذ حتى الان دورها القيادي في تمويل المشاريع الكبرى او الحيوية، واذا كانت بعض الدول قد اتاحت الفرصة امام المشاركة الاجنبية في مصارفها فان دول اخرى التي تتمتع بنظام مصرفي متطور وبملاءة رأسمالية في مصارفها التجارية تتلاءم مع معايير لجنة بازل يمكنها السماح لرؤوس الاموال الاجنبية ان تساهم في البنوك الوطنية بالشكل الذي يعزز قدرة تلك البنوك على تمويل المشاريع المختلفة سواء تلك التي يقف وراءها الاستثمار الاجنبي بالكامل او بالمشاركة مع راس المال الوطني.