من واقع تشخيصنا لواقع العلاقات الاقتصادية والتجارية بين دول منطقة الخليج عامة ومجلس التعاون خاصة ودول الغرب سواء كانت في الماضي أو الحاضر يتأكد لنا ان هذه العلاقة لم تكن في يوم ما متكافئة وقائمة على أساس المصالح المشتركة، ولم تكن الدول الغربية من خلال علاقتها هذه تقدر طبيعة وحقوق المجتمع الخليجي أو شعوب هذه المنطقة، وهو ما أكدته الاتفاقيات التي أبرمتها تلك الدول مع حكومات المنطقة قبل الاكتشافات النفطية وفي ظل مرحلة الاستكشافات. واذا ما حاولنا ان نستعرض أهم سمات العلاقات الاقتصادية بين دول المجلس والدول الغربية فقد أكدت معطيات تلك العلاقات على عدم التكافؤ فيما بين دولنا ودول الغرب، واتسمت تلك العلاقة بما يلي: ـ ان العلاقة الاقتصادية والتجارية القائمة بين الطرفين تعتبر علاقة غير متوازنة وتحكمها مصالح طرف واحد، ألا وهي الدول الغربية، كما انها قائمة على أساس التبعية الاقتصادية لدول الغرب. ـ ان العلاقة الاقتصادية القائمة بين الطرفين تتسم بحرص دول الغرب على عدم منح دول المنطقة فرصة تحقيق التنمية الاقتصادية أو التحرر الاقتصادي وذلك لضمان ان تسير دول المنطقة في فلك الدول الغربية. ـ ان العلاقة الاقتصادية القائمة تتسم ايضا بضمان ابقاء الدول الخليجية مصدرة لنفطها في هيئته الأولية ودون تصنيع ومع الحرص على ان يكون هذا النفط يصدر بالسعر الذي تحدده الدول الغربية وبالحجم الذي ترغب فيه وذلك في اطار سعي دول الغرب الى ضرب أو تحجيم أي تكتل بين الدول النفطية ولذلك فمن الطبيعي ان تصبح منظمة «أوبك» وكذلك منظمة «أوابك» منظمتان تفتقران الى استقلالية القرار طالما بقيت دول الغرب ممسكة بزمام أمورهما. ـ تتسم هذه العلاقة بعدم قيام الدول الغربية بتقديم مساعدات فنية حقيقية لدول المنطقة لكي تتمكن هذه الأخيرة من تحقيق اصلاحات هيكلية وتنموية لاسيما وأن دول منطقة (التعاون) تعاني من اختلالات هيكلية حقيقية في قطاعاتها الانتاجية حيث اصيبت بالضمور وأصبح الاعتماد شبه كلي على انتاج مادة أولية قابلة للنضوب الا وهو النفط الأمر الذي يعني تهديداً واضحاً وصريحاً لمستقبل اقتصاديات هذه المنطقة، فيما أصبح قطاعها الخارجي يعتمد على النفط الخام في صادراتها وأصبح الميزان التجاري يعاني من عجز كبير ومزمن ايضا ويعاني أيضا من حالة التذبذب المستمر بسبب التذبذب في أسعار النفط وحجم الطلب عليه. اما القطاع المالي فقد أصبحت موازنات الدول الخليجية تعاني من عجز متزايد دون ان تعمل هذه الدول على تحقيق اصلاحات هيكلية فيها ودون ان تعمل دول الغرب وكذلك المنظمات الدولية التي تسير في فلكها على ارشادها بضرورة معالجة هذا العجز وتحقيق اصلاحات مالية سواء في السياسات أو الانفاق المتزايد. كذلك تعاني الأسواق المالية والنقدية والمصرفية بدول الخليج وخاصة دول المجلس من مشاكل حقيقية وتتسم بأنها أسواق هشة وضعيفة ومعرضة دوما لهزات بفعل العوامل الداخلية أو بفعل العوامل الخارجية ولكن دول الغرب المرتبطة بالأسواق الخليجية تتابع تفاعلات هذه الأسواق عن كثب ليس من اجل تقديم المشورة أو المساعدة، وانما من اجل مراقبة حركة رؤوس الاموال واقتناص الفرص وتوجيه السيولة نحو أسواق غربية لخدمة اقتصاداتها. لقد تزايدت أهمية منطقة الخليج الاقتصادية والاستراتيجية مع مردود الزمن واحتدام الصراع بين دول الشرق ودول الغرب خاصة بعد ان دخلت دول الشرق كطرف في هذا الصراع بسبب تزايد مصالحها مع دول الخليج وقد وضح هذا الصراع اثر أزمة الخليج الثانية (اغسطس 1995) حينما نشطت كل دول الشرق والغرب في مواقفها المتباينة تجاه الازمة بسبب تباين مصالحها، واخذ الصراع شكلاً آخر يتسم بالصراع على العقود التي سعت شركات الدول لابرامها مع دول المنطقة وخاصة مع الكويت بعد تحريرها، ثم صراع حول تصدير السلاح لدول المنطقة وبسبب الازمات تلك أصبحت المنطقة من أسخن المناطق في العالم، وعلى الرغم من الوجود الأمريكي الكثيف في المنطقة إلا ان هناك صراعاً غير معلن بين دول الغرب حول مصالحها الاستراتيجية، وأصبحت منطقة الخليج تشكل محوراً اساسياً في استراتيجيات دول الشرق والغرب. وعلى الرغم من سعي دول الغرب والشرق لتعميق حضورها في المنطقة إلا ان مواقف الدول الغربية تعتبر سلبية وتؤكد حقيقة اللغة المستخدمة من قبلها في مخاطبة الدول الخليجية والتي لاتراعى فيها مصالح حكومات وشعوب المنطقة، وللتدليل على ذلك نوضح ما يلي: ـ موقف الدول الاوروبية من دول مجلس التعاون حينما سعت إلى فرض ضريبة تسمى (ضريبة الكربون) على صادرات دول الخليج من المنتجات النفطية متذرعة بأن تلك المنتجات تسبب تلوثاً بيئياً في دولها!!. وعلى الرغم من محاولات دول الخليج (مجلس التعاون) للوصول إلى صيغة تفاهم، الا ان كل تلك المحاولات قد باءت بالفشل بسبب الموقف السلبي للدول الاوروبية والرافض مناقشة الامر مع دول المجلس الراغبة بفتح اسواق الدول العربية امام منتجاتها البتروكيماوية لاسيما وان دول المجلس لها ميزة نسبية في انتاج وتصدير البتروكيماويات وفيما دول اوروبا ترفض نفاياتها السامة ومنها النفايات النووية إلى بعض الدول الغربية بغرض هذه الضريبة قد جاء لحماية منتجاتها من منافسة منتجات خليجية في اسواق اوروبا، ثم تحجيم النشاط الانتاجي الخليجي!! لم يكن موقف دول اوروبا الغربية من صادرات دول المجلس من البتروكيماويات الوحيد، وانما تبعه موقف سلبي آخر تمثل في فرض ضريبة على صادرات كل من البحرين ودبي من الالمنيوم حيث تتميز هذه الصناعات بالميزة النسبية ومازال الخلاف يشتد بين البحرين والامارات والدول الاوروبية ولم تكن هذه الضريبة الا من اجل تحجيم صادرات الدولتين من الالمنيوم وللحيلولة دون منافسة منتجات الالمنيوم الخليجية للمنتجات الاوروبية!!. وكذلك هناك خلاف قائم بين بين دول اوروبية وسلطنة عمان حينما سعت تلك الدول إلى منع استيراد الاسماك العمانية في موقف يؤكد لغة مخاطبة الغرب لدول الخليج. وكذلك هو الحال بالنسبة لصادرات الامارات من الادوية اذ مازال الخلاف قائما بين الامارات والدول الاوروبية على تصدير الامارات لادوية جلفار وهذا موقف يؤكد حقيقة السياسة الغربية تجاه دول المجلس. وهكذا الامر بالنسبة للخلاف الذي استمر طويلاً بين الامارات والولايات المتحدة حينما قلصت الولايات المتحدة حصة الامارات من صادرات المنسوجات إلى اسواق امريكا واخيراً جاء فشل اجتماع المنامة الذي يضم وفداً اوروبياً ووفداً من دول المجلس لدراسة اقامة منطقة للتجارة بين الطرفين، وما كان حرص الوفد الاوروبي على افشال هذا الاجتماع الا تأكيد على رفض الدول العربية فتح حوار تعاون بين الطرفين اذا كان الطرفان يستفيدان من هذا التعاون!!