وجدنا في الحلقة الماضية ان جوهر الملكية في الاسلام قائم على فكرة الاستخلاف، والمالك الأصيل للمال كله والكون.. هو الله عز وجل.. وما الناس الا مستخلفين على هذا المال ليؤدوا به رسالة سامية وهي عمران الارض ونشر الدعوة الاسلامية الى كافة شعوب البشرية. ليعم الرخاء والسلام والطمأنينة.. وقد اوردنا مثالاً على نظرية الاستخلاف هذه.. مما قام به الخليفة عمر (رضي الله عنه) والصحابة حول ترك أرض العراق لأصحابها وعدم توزيعها على المحاربين وفرض ضريبة الخراج عليها.. واليوم نكمل الصورة الاستخلافية حيث سار المسلمون في فتح الاندلس على سنة تختلف عن سنة عمر وهي تقسيم الارض الزراعية بين فلاحيها الذين كانوا محرومين من تملك الارض في عهد (الفزيغوت) وكما يذكر المرحوم الدكتور مصطفى صادق السباعي في كتابه (اشتراكية الاسلام) نقلاً عن المستشرق المعروف (دوزي) في كتابه (تاريخ الاندلس).. لقد انقذ الاسلام الطبقات الدنيا من الاوربيين العبيد واقنان الارض وحررهم من سلطة الاقطاعيين الاقوياء الذين كانوا يعتبرون الفلاحين ليسوا عبيداً لهم وحسب بل وعبيداً للارض.. ويضيف هذا المستشرق المنصف قائلا «لقد كان الفتح العربي الاسلامي حسنة لاسبانيا، فقد حقق ثورة اجتماعية ذات اهمية بالغة، فأزال سلطة الطبقات ذات الامتيازات وسلطة النبلاء المسحوقة من الفقراء، ووزعت الاراضي بين عدد كبير من أفراد هذه الطبقات المستغلة. وبذا يكون الاقتصاد الاسلامي أول من عرف الاصلاح الزراعي بمفهومه العام في التاريخ وأول من وزع الاراضي على العاملين بها قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنا تقريبا. ويذكر مستشرق آخر هو ليفي بروفاتسال في كتابه (اسبانيا المسلمة في القرن العاشر) ان الازدهار الزراعي الذي أصاب اسبانيا بعد الفتح الاسلامي يعود الى التقسيم الكبير لملكية الارض. ونضيف نحن.. بأن الفائض الاقتصادي الذي جمعته اسبانيا خلال فترة الحكم الاسلامي كان كبيراً جداً لدرجة ان اسبانيا ولفترة طويلة بعد انتهاء هذا الحكم بقيت اغنى دولة أوروبية وربما اقواها ايضا. ان الاسطول الاسباني (الارفادا) لم يكن ليقهر ابداً.. اما الاستكشافات الجغرافية والفتوحات الكولونيالية الاسبانية أكثر من ان تعد أو تقيم من ناحية حجم نفقاتها أو ضخامة مواردها.. من رحلة ماجلان الى حملة كريستوفر كولومبس الى ماركوس.. ان أول من نزل على البر الأمريكي وبدأ باستعمار تلك الاراضي هم الاسبان.. نقول لولا هذا الفائض الاقتصادي الضخم والذي تراكم في اسبانيا طيلة قرون عدة من الحكم الاسلامي لما استطاعت اسبانيا ان تحرز هذه الانتصارات الجغرافية والاقتصادية وحتى العسكرية. والمبدأ الآخر الذي يقره الاسلام ويحيل به الملكية الخاصة الى ملكية عامة هو ان يلغي فيه الملكية الفردية نهائيا.. انطلاقاً من ان بعض الأموال يجب ان تكون وان تبقى اموالاً عامة لاخاصة لضرورتها للجماعة مثل الماء والكلأ والحمى «تخصيص بعض الاراضي للمنافع العامة مثل اراضي الخيل والابل آنذاك وما شابه». ويقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار وفي رواية اخرى. الناس شركاء في اربع: الماء والكلأ والنار والملح.. وانطلاقاً من هذا المبدأ، ونظراً لاختلاف الحياة الاجتماعية باختلاف البيئات والعصور.. ولان الاسلام بجوهره دين التطور ودين التنظيم الاجتماعي الشامل الذي يساير ويواكب مسيرة الحياة وبأشكالها المختلفة.. فان بعض الأئمة المسلمين كالامام مالك رحمه الله قاسوا ذلك وسحبوه على سواه من الكثير من الثروات التي تتوافر فيها هذه الصفات واعتبروا ان جميع ما يوجد في باطن الارض من معادن ـ صلبة او سائلة ـ هو ملك خالص للامة ويتفق الامام الشافعي في كتابه (الام) مع هذا الرأي، اذ يقول (ومثل هذا كل عين ظاهرة كنفط او قار او كبريت او حجارة ظاهرة في غير ملك لاحد ـ فليس لاحد ان يحتجزها ولا لسلطان ان يمنعها لنفسه. لنقارن موقف الاسلام من ملكية هذه الثروات الدفينة. مع ما يقرره القانون الامريكي في التملك. حيث ان الفرد الامريكي المالك للارض يملك ما في باطنها وما في سطحها بل وما في اعلاها! فالمعادن الامريكية كلها ومن ضمنها النفط والغاز هي ملك للافراد وليس للامة!!. ونظريا يستطيع المواطن الامريكي ملكية الهواء لو قدر له ذلك. لنقارن بين هذا الغلو في الحق الفردي وبين حق الاستخلاف الاسلامي!! من هذا التوضيح السابق لمفهوم الاستخلاف يمكننا ان نستنتج ان للاستخلاف صوراً او اشكالاً ثلاثة هي: ـ الاستخلاف الفردي الخاص.. ويكون ذلك حقاً للفرد او لافراد العائلة من بعده.. وهنا يزاول المالك (الوكيل) حق الانتفاع من الملك وقد يكون له حق الحيازة (تفويض او توكيل شخص آخر بدلاً عنه) شريطة ممارسة النشاط الاقتصادي كما هو الحال في احياء الاراضي.. (اراضي الموات) والثاني: استخلاف الجماعة الخاص، كما يريد ان يسميه د. فاضل الحرب في مؤلفه (الفكر الاقتصادي العربي الاسلامي) ويعني به تنظيم النشاط الاقتصادي بشكل مشترك بين شخصين او اكثر. سواء بالعمل او بالمال والعمل. كل حسب طبيعة النشاط الاقتصادي.. ومن امثلته شركات المضاربة والمزارعة والمساقاة.. وهذه الشركات كما يذكر د. الحرب انها بديلة عن الشركات المساهمة والواقع ان الاسلام لا يعارض الشركات المساهمة من حيث المبدأ. لا بل انه يشجعها. ولكن بعد ان يحترس من بعض عيوبها. وهذا ما سنتطرق له مستقبلاً ان شاء الله، وشركات المساهمة ولو ان منبتها عربي.. الا انه فيها من الايجابيات الكثير.. ولربما اهم ميزة فيها انها سمحت لصغار المدخرين والمستثمرين ان ينتفعوا باموالهم دون عناء يذكر منهم. وبالتالي فانها ساهمت مساهمة فعالة في محاربة الاكتناز تلك الظاهرة التي يشجبها القرآن الكريم بعنف ويدينها من منطلق ديني واقتصادي على السواء. والنوع الثالث من الاستخلاف هو استخلاف الامة بكاملها وهو ما يمكن ان نطلق عليه الاستخلاف الاجتماعي ومنه تتولى الدولة الاسلامية مهمة القيام بالعملية الاقتصادية وبكافة مراحلها او تعهد بذلك العمل إلى اي فرد او مجموعة من افراد المجتمع. والمبدأ الاخير الذي يوجبه الاسلام بعد اقراره حق الملكية الخاص هو جعل حق التملك وطرق اكتساب الثروة بالطرق الشرعية. ويفرق الاسلام بين الحلال والحرام.. الحلال هو كل ما اباحه الدين واقرته الشريعة خدمة للفرد كاسمى قيمة حضارية وانسانية في عرف الاسلام وللمجتمع الذي تقع مصلحته فوق الجميع.. والحرام هو ما نهت عنه الشريعة الاسلامية لانه يضر بمصلحة الفرد والمجموع على حد سواء.. ولكن ما هي طرق الحلال المشروعة والتي يبيح الاسلام للانسان ان يحصل من خلالها على المال وبالتالي التملك؟ هذا ما سنجيب عليه في الحلقات المقبلة ان شاء الله.