تقول دراسة صدرت مؤخرا ان دول المجلس كانت تنظر في السابق الى مشكلة تراجع الإيرادات النفطية على أنها مشكلة تدفق نقدي عابرة لذلك تعاملت معها من خلال إلغاء أو تأجيل تنفيذ بعض مشاريع البنية الأساسية والسحب من الاحتياطات الخارجية أو ما تبقى منها، وتأخير تسديد المستحقات للمقاولين والاقتراض من الأسواق الداخلية لتمويل العجز. وقد أدى هذا إلى ارتفاع العجز في ميزانيات هذه الدول إذ بلغ العجز المجمع للموازنات دول مجلس التعاون الست 19.8 مليار دولار في عام 1993 انخفض بعدها إلى 3.9 مليارات دولار في عام 1997 ثم ارتفع ثانية إلى 15.9 مليار دولار في عام 1998. وباستثناء عامي 1996 و1997 فإن مجموع عجوزات موازنات الدول الخليجية كنسبة من إجمالي الناتج المحلي لهذه الدول جاءت في حدود 6% سنويا خلال الفترة 1995 ـ 2000 ورافق عجز الموازنة هذا عجز في الحسابات الجارية لمعظم دول المجلس. إن إجراءات خفض الإنفاق العام خلال السنوات القليلة الماضية رغم أهميتها للحد من تراكم العجز في الموازنات العامة وارتفاع الدين الخارجي والداخلي لبعض دول المنظمة، إلا أنها ركزت بصفة أساسية على تخفيض الإنفاق الرأسمالي على المشاريع بدلا من تقليص مخصصات التسلح والمصروفات الجارية التي تشمل الرواتب والأجور وفاتورة خدمة الدين ولقد انخفضت مخصصات النفقات الرأسمالية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من متوسط قدره 23% في الفترة من 1981 الى 1985 إلى 15% خلال الفترة 1986 ـ 1990 ثم إلى 8% للفترة 1991 ـ 1998. لقد أثبتت هذه التوجهات عدم سلامتها في السابق، وبات واضحا أن دول المجلس عليها المضي قدما في الإصلاحات الاقتصادية بغض النظر عن حالة أسواق النفط، بل ان الارتفاع الحالي في الأسعار يجب أن يكون حافزاً للتسريع في تنفيذ هذه الإصلاحات كونها ستتمكن من تنفيذها بصيغ أكبر مرونة. لقد ادى الارتفاع الهائل في الايرادات النفطية الى اضطلاع الحكومة بدور اكبر ومسئوليات اوسع مما هو عليه الحال في البلدان النامية، وشكلت بالتالي السياسات الحكومية المختلفة والمالية منها على وجه الخصوص حجر الزاوية في توزيع واستخدام الموارد على مختلف النشاطات الاقتصادية والاجتماعية. كما شهدت العقود الثلاثة الماضية انتقال جزء كبير من العوائد النفطية الى القطاع الخاص، وذلك من خلال الاساليب التي انتهجتها الحكومات لاعادة توزيع الثروة سواء اخذت هذه شكل توزيع الاراضي او التوسع في التسهيلات المصرفية بفوائد منخفضة ، او التوظيف الحكومي.. الخ وازدادت بالتالي مشاركة القطاع الخاص، وان كانت بصورة محدودة، في النشاطات الاقتصادية. وبسبب هذا الدور الكبير للدولة في الاقتصاد الوطني، والتي اصر البعض بتسميته بدولة الرفاهية التي تكونت خلال العقود القليلة الماضية، ادت الى انتهاج المجتمع الى نمط استهلاكي غير منتج. فعلى سبيل المثال كانت ولا تزال السلع الكمالية والترفيهية تمثل نسبة كبيرة من اجمالي الواردات. اضافة الى ذلك دور الدولة ساهم في تحفيز المجتمع لاستخدام الآخرين لاداء مختلف الاعمال والخدمات، الامر الذي ادى الى استقدام العمالة الوافدة وخاصة الخدم من الخارج، وقد ساعد ذلك في انخفاض الانتاجية العامة. اضافة الى ان الادخار كان شبه منعدم حيث كان من الامكان تحويل الفائض الى استثمارات ضخمة. وستدل على ذلك بأن مؤشر ربط الانفاق العام بالناتج القومي لا يتجاوز في المتوسط 3020 من الحجم الكلي في الدول المتقدمة بينما في الخليج قد يصل الى معدل 6050 خلال الفترة 74 الى 1999 وهذه نسبة خطيرة جدا، وستؤثر بمرور الزمن في اداء الانتاج المحلي للاقتصاد الوطني. وبسبب اعتماد المجتمع الخليجي على الدولة اصبحت الدولة عاجزة عن تقليص بند الرواتب والاجور من دون أي يتسبب ذلك في انعكاسات اقتصادية وسياسية كبيرة. ونجد ان جميع الابواب الاخرى في الميزانية قابلة للتقليص ولكن هذا البند يتراكم وليس هناك قدرة على ايقاف تراكمه السنوي بشكل حاسم. وقد ادى هذا الى البطالة المقنعة التي تصل في بعض دول الخليج الى اكثر من 80 الف موظف. وكل هذا يمثل عبأ على الدولة. لقد لجأت دول مجلس التعاون الخليجي الى استخدام الاحتياطي بعد تراجع اسعار النفط. ومن المنظور الاقتصادي فان استخدام الاحتياطي من العملات الناجمة عن تصدير النفط يعد بمثابة الاسراع في استنزاف الثروة النفطية. فلو استمر تراجع النفط لفترة اطول بعض الشيء من تلك التي تعودنا عليها، ربما لعدة سنوات ، فاننا سوف نستنزف الاحتياطي ومن ثم ستأتي المصاعب الكبيرة. لهذا فنحن بحاجة لسياسات هيكلية تسهم في تطوير العلاقة بين الموازنة العامة والاقتصاديات الخليجية بحيث تضعف من تأثير تقلبات اسعار النفط على اداء هده الاقتصاديات. ومن المهم ان توضع هذه السياسات ضمن اطار عام ونعني بذلك بتحديد هدف او اهداف اقتصادية استراتيجية نهدف الى تحقيقها على المدى البعيد. ان كثيراً من المؤشرات الاقتصادية الراهنة لا تبشر بمستقبل زاهر وثابت لاسعار النفط في المستقبل البعيد حيث من المتوقع ان تستمر ضغوط الدول المستهلكة في سن ضرائب مباشرة على النفط لسد العجوزات في ميزانيات الانفاق لدى الدول الصناعية والنامية ناهيك عن تأثيرات بروتوكول كيوتو في الحد من استهلاك النفط بحلول عام 2010 والذي يقدر الشيخ أحمد زكي يماني رئيس مركز الدراسات العالمية للطاقة بمعدل 4.5 ملايين برميل يوميا. ونتيجة لهذا البروتوكول يتوقع ان يخسر النفط موقعه التنافسي بما لا يقل عن 2.5 دولار للبرميل في عام 2005 وحوالي 6 دولارات للبرميل بحلول 2010 وذلك عن طريق سن ضرائب من قبل الدول الصناعية المستهلكة على المنتجات النفطية لتقليل الآثار البيئية الضارة الناتجه عن احتراق هذا الوقود. ولكي ندرك بصورة أوضح أهمية النفط في حياتنا الاقتصادية والاجتماعية راهنا ومستقبلا، يمكننا ان نلاحظ بداية أن هناك علاقة مباشرة بين تحقيق الدخل الريعي من النفط ودرجة الاستقرار الاجتماعي. في نظم الاقتصاد الريعي لا تحتاج الدولة الى الافراد حيث تقوم الدولة بتحمل الحد الادنى من الانفاق على مواطنيها دون الحاجة الى مشاركتهم المباشرة في تحمل الاعباء الضريبية. وفق هذه المعادلة امكن للدول المنتجة تحقيق نوع من الاستقرار الاجتماعي والسياسي بين مواطنيها الا ان ذلك لا يعني في الحقيقة تحقيق اقتصاد وطني معتمد على نفسه. الدكتور مارفن زونيس استاذ الاقتصاد السياسي الدولي من جامعة شيكاغو اشار في دراسة الى ان انخفاض اسعار النفط سيؤدي الى الاخلال في عملية المساومة الاجتماعية في الدول المنتجة للنفط. الامر الذي قد يهدد عملية الاستقرار السياسي الذي تمتعت بها هذه المنطقة منذ مطلع السبعينات من هذا القرن. ويستطرد مارفن زونيس في سياق الكلام بأن الدول المنتجة للنفط لم تتمكن حتى الآن من تحقيق مجتمعات اقتصادية قادرة على الاستمرار او حتى طبقة متوسطة فاعلة تساهم في تطوير مجتمعاتها بالقدر الذي تمكنت فيه من خلق عدد غير قليل من الاثرياء. تجدر الاشارة الى ان مجموع الموجودات البنكية في العالم العربي تقل عن موجودات بنك تشيس منهاتن على سبيل المثال. فدول الخليج العربية المنتجة للنفط بلغ عدد سكانها بحلول عام 1998 ما يقارب الـ 25 مليون نسمة ويقدر ناتجها الاجمالي بحوالي 235 مليار دولار. للملاحظة هذا الدخل يقل عن سويسرا والتي يصل عدد سكانها الى 6 ملايين نسمة ولا تنتج نفطا البته. أن اعتماد استراتيجيات التنمية سوف يبقى على الموارد البشرية والطبيعية المتوفرة بدول المجلس وكذلك الموقع الجغرافي المتميز. ولكن في ظل المنافسة الشديدة من قبل الدول المختلفة اقليميا ودوليا، هل يمكن اعتبار هذه العوامل كميزة نسبية تتمتع بها دول المجلس مع الدول المنافسة؟ خاصة وان هذه الدول تتمتع بموارد طبيعية هائلة وبنفقات عالية على التعليم والتدريب. لذلك لابد من مواصلة تطوير مناهج التعليم والادارة، حيث ان نظام التعليم هو الذي يصنع ويخلق جهاز الادارة، وجهاز الادارة، في الوقت نفسه، هو الذي يطور جهاز التعليم. كذلك ضرورة الانفتاح على التقدم العلمي والتكنولوجي وتأهيل المؤسسات الانتاجية الوطنية تأهيلا كاملا من حيث الانتاج والترويج والتمويل والاستثمارات وتأهيل القطاع الخاص ليكون قادرا على تطوير الاداء الاقتصادي وتبني الاساليب الحديثة ومواصلة نهج التكامل الاقتصادي بين الدول الخليجية والعربية.