لم تكن علاقة الدول الغربية مع دول العالم الثالث عامة ومع دولنا العربية والخليجية خاصة قائمة على أساس التكافؤ في المنافع والمصالح، أو التوازن فيهما وانما كانت ومازالت دوماً قائمة على أساس عدم مراعاة مصالح دولنا، ومهما حاولت تلك الدول ان تبدي تجاوباً أو تعاوناً فان ذلك لايعدو عن كونه للتسويق الاعلاني، أو لتهدئة النفوس وترضيتها كليا والسنوات الماضية كانت خير شاهد على ذلك.. وكانت للأزمات التي تعرضت لها المنطقة العربية عامة والخليجية خاصة والتي كانت بفعل وتخطيط الدول الغربية خير دليل وحينما نقرأ الماضي نستطيع ان نقرأ الحاضر، وبالتالي سوف نتمكن من استقراء المستقبل. لنبدأ بالماضي، ففيما مضى كانت منطقة الخليج العربي ولاسيما منطقة دول مجلس التعاون (حالياً) تشكل أهمية استراتيجية كبرى للغرب، وخاصة الاقتصادية، ولم تكن هذه الأهمية نابعة من كونها منطقة تمتلك ثلث احتياطي النفط العالمي، وانما كانت تلك الاهمية تعود الى الفترة التي سبقت الاكتشافات النفطية وذلك إبان الانتداب البريطاني على المنطقة، حيث كانت الصراعات بين الدول الاستعمارية على مناطق النفوذ مشتعلة. وكانت العلاقة بين الدول الغربية وامارات ساحل عمان تحديداً غير متكافئة، فالاتفاقيات الاقتصادية التي وقعتها تلك الامارات خلال الفترة من 1806 ـ 1971 فيها من الجور والظلم الكثير لحكومات وشعوب تلك الامارات، وكان لتلك الاتفاقيات آثار سلبية واضحة سواء على صعيد الاوضاع الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية وذلك عندما كبلت هذه الاتفاقيات حكومات وشعوب المنطقة عن التحرك نحو تحقيق الاستقلال أو حتى التنمية، وضربت كل محاولات التحرر، وحدت هذه الاتفاقيات من حركة النشاط التجاري، وفرضت بريطانيا (الدولة العظمى) آنذاك هيمنتها الاقتصادية الشاملة على المنطقة ومنعت حكوماتها من تحقيق آمال شعوبها في الاستقلال والتنمية. وحينما بدأت المحاولات الأولى للاكتشافات النفطية في ايران عام 1872، ثم العراق في 1914 شهدت المنطقة صراعاً بين الشركات الأمريكية والشركات البريطانية في منطقة الخليج ولاسيما حينما سعت الشركات الأمريكية للتوسع في منطقة الخليج والشرق الأوسط من خلال سعيها للحصول على امتيازات التنقيب عن النفط في المنطقة مما أحدث خلافات واضحة مع الشركات الانجليزية خلال فترة العشرينيات، وللحد من نشاط الشركات الأمريكية خاصة بعد الاكتشافات النفطية بشكل تجاري في منطقة الخليج سعت بريطانيا من خلال وضعها في منطقة الخليج بانشاء شركة نفط انجليزية لتعمل في الخليج. وفي الامارات تحديداً تقاسمت الشركات العالمية السبع المسماه (الاخوات السبع) مناطق الامتياز في الامارات، وكانت الاتفاقيات التي وقعها حكام الامارات آنذاك تتصف بأنها اتفاقيات احتكارية لان توقيعها جاء تحت ضغط البوارج الحربية البريطانية، كما ان هذه الاتفاقيات لم تكن تتماشى مع روح العصر أو تراعي حقوق ابناء المنطقة، بل ان الشركات استفادت من كل الامتيازات بما فيها الاعفاءات الضريبية، كما ان هذه الاتفاقيات قد شملت كافة المنطاق البحرية والبرية، وكانت مدة هذه الاتفاقيات تصل الى 75 سنة، وانها لم تترك مجالاً للامارات بالدخول كشريك في رأس مال الشركات صاحبة الامتياز. ومع دخول دول المنطقة لمنظمة (الاوبك)، والغاء هذه الاتفاقيات ودخول شركات غربية ومنها الأمريكية والفرنسية الى سوق الاكتشافات النفطية، وعمليات الانتاج والتصدير والتسويق فان الصراع استمر على هذه المناطق لأهميتها خاصة وانها حسبما يرد في تقارير غربية انها تملك ثلثي احتياطي النفط العالمي حسبما اشرنا، فضلا عن وجود كميات ضخمة من الغاز الطبيعي ولاسيما في دولة قطر التي تعتبر ثاني دولة في العالم. الحاضـر ان القراءة الصحيحة لحقيقة العلاقة بين منطقتنا ودول الغرب تشكل أهمية اساسية في تحديد هذه العلاقة في وقتنا الحالي وذلك لبيان ومعرفة الاسباب الداعية لدول الغرب بهذه المنطقة، فلم تعد أهمية منطقة الخليج كدول نفطية فحسب كما كان عليه الأمر في المرحلة الأولى، انما أصبحت هذه المنطقة من أهم الأسواق العالمية للسلع والمنتجات والبضائع الغربية خاصة والشرقية اذ تحولت هذه المنطقة الى سوق استهلاكية تتدفق اليها السلع من الأسواق الغربية خاصة، وكانت هذه الدول الغربية تسعى لتحقيق أهداف عديدة من تحويل هذه المنطقة الى منطقة استهلاكية تتسم بالنزعة الاستهلاكية الكبيرة، ويدمن شعوبها للسلع والمنتجات الغربية أو تلك التي تصنعها شركات غربية متواجدة في الشرق، ومن تلك الاهداف الحيلولة دون تحقيق هذه المنطقة لاستقلالها الاقتصادي، ولما كانت هذه المنطقة تملك تراكماً ماليا بحكم الطفرة النفطية وحجم كبير من الايرادات المالية فان الدول الغربية سعت الى تحجيم هذه المنطقة وشعوبها حتى لاتتمكن من صياغة اقتصادياتها وتحقيق تنميتها من خلال ما تملكه من تراكم رأسمالي ضخم، ثم عملت على تدفق الايرادات النفطية الى أسواقها لتستقر في مصارف وشركات أوروبا وأمريكا ثم لعزل هذه المنطقة عن باقي اجزاء الوطن العربي لعلم دول الغرب بان قيام أي مشروع اقتصادي عربي كالسوق العربية المشتركة يعني تهديد مباشر لمصالح الغرب في المنطقة العربية خاصة وان وطننا العربي يمتلك كل مقومات النهضة الاقتصادية العربية سواء امكانيات طبيعية (زراعية وصناعية وسياحية) أو بشرية فاذا اضيفت الى تلك الامكانيات رأس المال العربي من منطقة الخليج فان موازين القوى الاقتصادية ليس في المنطقة فحسب وانما في العالم سوف تختلف كليا خاصة في اطار الصراع العربي (الاسرائيلي). ومن هنا فإن تركيز دول الغرب على منطقة الخليج من اجل تحقيق أهداف استراتيجية طويلة المدى، ولذا فانه من الطبيعي ان يشهد الميزان التجاري بين دول منطقة الخليج والدول الغربية لصالح الاخرى خاصة اذا ما تم استبعاد الصادرات النفطية الى دول الغرب من هذا الميزان. ونؤكد هنا على أهمية منطقة الخليج عامة ودول (التعاون) خاصة والتي تتميز بكثافة سكانية محدودة بالنسبة لدول الغرب، فان دول (التعاون) أصبحت دولاً مصدرة لرأس المال اضافة لكونها مصدرة للبترول الخام، فالارقام تشير الى ان هناك أكثر من 1.3 تريليون دولار أمريكي مستقرة في هيئة ودائع واستثمارات طويلة المدى في اقتصاديات دول الغرب، وقد سعت هذه الاخيرة الى استمرار تدفق المزيد من رؤوس الاموال الخليجية الى أسواقها سواء بتقديم تسهيلات واغراءات لرأس المال الخليجي، أو من خلال افتعال الخلافات والمشاكل والحروب فيما بين دول الخليج، ولعل ازمة الخليج الأولى (الحرب العراقية، الايرانية) ثم ازمة الخليج الثانية (غزو القوات العراقية للكويت) لهما دليل كبير على ما تسعى اليه دول الغرب من أهداف استراتيجية، ومنها تصدير السلاح لدول المنطقة نظير ثروات وعوائد النفط ومن منطلق حرصها على استمرار تدفق النفط على هيئته الأولية دون تصنيع وبالحجم وبالسعر المحددين من قبلها، وضرورة قيام دول الخليج بشراء احتياجاتها السلعية من الأسواق الأوروبية والأمريكية، أو من شركات غربية تعمل في الشرق.