يمثل صندوق النقد الدولي في أذهان الكثيرين، فيما عدا نخبة من المشتغلين في مجال المال والاقتصاد، كيانا دولياً غامضاً. وهناك لبس كبير حول سبب وجود الصندوق وأهدافه، إذ يتصور بعض المراقبين ان الهدف من وجود الصندوق هو تقديم اعانات مالية لدعم التنمية الاقتصادية في البلدان الفقيرة، وهم في ذلك يخلطون بينه وبين البنك الدولي أو غيره من مؤسسات المعونة. ويتصور البعض الاخر انه مصرف مركزي دولي يتحكم في عمليات خلق النقود على الصعيد العالمي، كما يتصور آخرون ان الصندوق مؤسسة سياسية قوية النفوذ ورافضة للسياسات المالية، وتبشر بتقويمها، وتلزم أعضاءها الى حد ما باتباع مسار التقشف الاقتصادي. لكن حقيقة الصندوق بعيدة عن كل هذه التصورات، اذ ان الصندوق ليس مصرفا للتنمية ولا مصرفا مركزيا عاميا ولا وكالة دولية قادرة أو راغبة في إجبار اعضائها على انتهاج أي سبيل. فالصندوق بالاحرى مؤسسة تعاونية انضمت الى عضويتها طوعا مجموعة من البلدان تقدر بنحو 180 بلدا، إدراكا منها لمزايا التشاور مع البلدان الاخرى في اطار هذا المحفل الدولي من اجل الحفاظ على استقرار نظام شراء وبيع عملاتها لكي تتمكن من تسوية المدفوعات بالنقد الاجنبي فيما بينها في يسر ودون ابطاء. ويرى اعضاء الصندوق ان قيام كل بلد عضو بالاعلان عن نواياه وسياساته التي تؤثر على المدفوعات المقدمة من الحكومة والمقيمين في بلد ما الى الحكومة والمقيمين في بلد آخر بدلا من احاطتها بالكتمان، هو أمر يخدم صالح الجميع. وترى البلدان الاعضاء ايضا ان تعديل تلك السياسات من حين لآخر (عن طريق خفض قيمة العملة مثلا)، اذا اجمعت البلدان الاخرى الاعضاء على ان يخدم الصالح العام، هو تعديل يساعد على تنمية التجارة الدولية وخلق فرص عمل مجزية في اقتصاد عالمي نام. ويقدم الصندوق قروضا للبلدان الاعضاء التي تواجه صعوبات في الوفاء بالتزاماتها المالية العضاء آخرين، شريطة قيامها بتنفيذ الاصلاحات الاقتصادية اللازمة للتغلب على هذه الصعوبات، بما يحقق صالحها وصالح كافة الاعضاء الاخرين. وعلى عكس التصور الشائع، لا يتمتع صندوق النقد الدولي بأي سلطة فعلية على السياسات الاقتصادية الداخلية لاعضائه، فلا يستطيع الصندوق مثلا ان يجبر أحد الاعضاء على زيادة الانفاق على المدارس والمستشفيات أو خفض مشترياته من الطائرات الحربية، لكنه يستطيع حث الاعضاء على استخدام ما لديهم من موارد محدودة بأفضل شكل ممكن، عن طريق الكف عن إهدار الموارد في نفقات عسكرية لا طائل من ورائها، أو من خلال زيادة الانفاق على البيئة. وبإمكان الاعضاء تجاهل مثل هذه المشورة التي تستهدف الصالح العام ـ وهو ما يحدث غالبا للأسف، وحينئذ لا يبقى أمام الصندوق إلا ان يحاول بالمنطق السليم إقناع العضو المعني بالمزايا المحلية والدولية لتبني السياسات التي يستحسنها الاعضاء الآخرون كمجموعة. فلا محل إذن لاجبار الاعضاء على اتباع سياسات معينة، لان صلاحيات الصندوق تقتصر على مطالبة العضو بافشاء المعلومات والبيانات المتعلقة بسياساته المالية والنقدية، وان يتجنب قدر الامكان فرض قيود على استبدال العملة المحلية بعملات اجنبية وعلى تقديم المدفوعات لاعضاء آخرين. ولقد منحت البلدان الاعضاء للصندوق قدرا من السلطة على سياساتها الخاصة بالمدفوعات، نظرا لما لهذه السياسات من أهمية بالغة بالنسبة لتدفق الأموال بين مختلف الدول، ولان التجربة قد أثبتت ان نظام المدفوعات الحديث بالنقد الاجنبي لايمكن ان يعمل ببساطة دون وجود هيئة رقابة عالمية. فتبادل العملات دوليا هو نقطة مركزية للتعامل المالي بين الدول، وأداة لا غنى عنها بالنسبة للتجارة العالمية، ولكل عملة قيمتها بالنسبة الى العملات الاخرى، سواء كنا نتحدث عن الدولار أو الفرنك، أو عن عملة غير مألوفة بنفس القدر كعملة جامبيا (الدالاسي) أو عملة هاييتي (الجورد). وتتقلب القيمة النسبية للعملات الرئيسية في العالم، أي أسعار صرفها، تقلبا مستمرا في الوقت الحالي، وهو أمر يثير القلق أو يبعث على الاطمئنان في نفوس تجار العملة ومضاربيها، وتنشر الصحف اليومية في ركن الاخبار المالية أرقام هذه التقلبات. وقد تبدو لنا عمليات سوق النقد الاجنبي، حيث تباع العملات وتشتري (كالسلع المتداولة الاخرى، مثل القمح أو التفاح)، بعيدة عن الحياة اليومية، لكنها في الواقع تؤثر تأثيرا عميقا في حياة الناس جميعا. فعندما نسافر الى الخارج للسياحة، فإننا نتبين فجأة حقائق الصرف، ونجد لزاما علينا ان نشتري نقدا محليا قبل ان نتمكن من شراء أي شيء آخر. وشراء النقد الاجنبي حقيقة من حقائق الحياة بالنسبة للسواح، وبالنسبة ايضا للمستوردين والمصارف والحكومات والمؤسسات الاخرى التي يتعين عليها في اغلب الاحيان شراء قدر كبير للغاية من العملات الاجنبية لكي تتمكن من اجراء معاملات في الخارج. ولحسن الحظ فإن حرية تحويل العملات السائدة حالياً قد ادت إلى تيسير تبادل وتداول معظم العملات الرئيسية، وسهل ذلك بدوره بدون حرية السفر والتجارة والاستثمار خلال ربع القرن الماضي. وقد تحقق ذلك بالدرجة الاولى نتيجة لتعاون البلدان الاعضاء مع الصندوق على الغاء القيود المفروضة على شراء وبيع عملاتها الوطنية. ان الاطمئنان إلى امكانية تحويل عملة إلى اخرى عند الطلب في الوقت الحالي يجعل من الصعب تصور الظروف التي كان التحويل فيها متعذرا. والواقع ان اهم الاسباب التي جعلت المجتمع الدولي يقرر منذ 50 عاما بحث مشاكل عدم امكانية تحويل العملات ومشاكل الصرف ذات الصلة في اطار محفل مشترك، هو انتشار هذه المشاكل على نطاق واسع. وكان هذا المحفل المشترك هو صندوق النقد الدولي. نشأة الصندوق ظهرت الحاجة الماسة إلى اتشاء منظمة كصندوق النقد الدولي خلال حقبة الكساد الكبير الذي دمر الاقتصاد العالمي خلال الثلاثينات بصورة بالغة. ويدرك هذه الفترة من الصور الفوتوغرافية المؤثرة للمزارع التي تغطيها الرمال، والطوابير الطويلة للعاطلين عن العمل الذين ينتظرون دورهم في الحصول على طعام مجاني. وقد أدى الكساد الكبير الى آثار مدمرة على مختلف أوجه الحياة الاقتصادية، فأفلست آلاف المصارف وأفلس معها آلاف المودعين، وهبطت أسعار المنتجات الزراعية الى مستوى يقل عن تكلفة الانتاج، كما تدهورت أسعار الأراضي بشدة، وتحولت المزارع المهجورة الى أراض قفار، وتوقفت المصانع، وتجمدت السفن في الموانيء لعدم وجود البضائع التي تتطلب النقل، وهام عشرات الملايين من العمال على وجوههم في الشوارع بحثا عن وظائف لا وجود لها. وقد عقدت مؤتمرات دولية عديدة خلال الثلاثينيات لمعالجة المشاكل النقدية الدولية ولكنها باءت بالفشل. وبات واضحا ان الحلول الجزئية والمؤقتة لن تكفي، وان الحل الملائم هو البحث عن سبيل للتعاون بين كافة الدول، وعلى نطاق لم يسبق له مثيل، لانشاء نظام نقدي دولي جديدة ومؤسسة دولية لمتابعته. وكان من حسن الحظ ان تواجد مفكران اقتصاديان مشهود لهما بالجرأة والاصالة، هما هاري دكستر وايت الامريكي وجون مينارد كينز الانجليزي، وكانا يناديان في نفس الوقت تقريبا، أي في مطلع الاربعينيات، باقامة نظام دولي تعاوني لا تشرف عليه مؤتمرات دولية متقطعة، بل تتولاه منظمة تعاونية دائمة. وهذا النظام الذي يستجيب لمطالب العصر، سوف يشجع حرية تحويل عملة الى أخرى، ويحدد قيمة واضحة لا لبس فيها لكل عملة من العملات، بالاضافة الى الغاء القيود والممارسات التي جمدت حركة التجارة والاستثمار خلال الثلاثينيات، ومنها التخفيض التنافسي لقيمة العملات. وبعد مفاوضات عديدة في اطار ظروف الحرب الصعبة، قبل المجتمع الدولي انشاء نظام جديد وتأسيس منظمة للاشراف عليه، فتمت المفاوضات النهائية بشأن انشاء صندوق النقد الدولي بين مندوبي 44 بلدا اجتمعوا في يوليو 1944 في بريتون وودز في ولاية نيوهامشاير بالولايات المتحدة. وفي مايو 1946 بدأ صندوق النقد الدولي أعماله في واشنطن عاصمة الولايات المتحدة الامريكية، وكان يضم آنذاك 39 بلدا عضوا. ويضم صندوق النقد الدولي حاليا 179 بلدا، وباب العضوية مفتوح لكل بلد يدير سياسته الخارجية ويوافق على الالتزام بالنظام الأساسي للصندوق، بما فيه من حقوق وواجبات. وجميع البلدان الكبرى أعضاء الآن في الصندوق. وقد أصبحت اقتصادات التخطيط المركزي، أي جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوروبا الشرقية أعضاء في الصندوق، وهي تقوم الآن بالتحول من نظام التخطيط المركزي الى نظام اقتصادات السوق. وبامكان أي بلد عضو ان ينسحب من النصدوق وقتما يشاء، وهو ما فعلته كوبا وتشيكوسلوفاكيا (الجمهورية التشيكية وجمهورية السلوفاك حاليا) واندونيسيا وبولندا، التي انسحبت من الصندوق في الماضي ثم أعادت النظر في قرارها فيما بعد وعاودت الانضمام اليه، باستثناء كوبا. إعـداد: مصـطـفـى عبـدالعـظيـم