أثارت الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية مؤخرا لضبط أداء سوق صرف العملات جدلا واسع النطاق وسط المسئولين والمصرفيين وخبراء الاقتصاد حول عدة قضايا في مقدمتها سعر الفائدة على الجنيه وظاهرة الدولرة وربط الجنيه بسلة عملات حلا للأزمات الدولارية المتلاحقة، وحماية للعملة الوطنية من تدهور قيمتها..فضلا عن تشجيع حائزي الدولار على ضخ مدخراتهم البالغة نحو 2 مليار دولار في سوق الصرف..وكذا تحريض المودعين على تحويل إيداعاتهم بالدولار البالغة 56 مليار دولار تدريجيا لصالح الجنيه. فعلى صعيد سعر الفائدة على الجنيه استبعد البنك المركزي المصري وبعض المصرفيين زيادة سعر الفائدة حاليا حتى لا يحدث هروب للإستثمارات الأجنبية. وأكدوا أن آلية الصرف الجديدة نجحت في تخفيف الضغط على الدولار وتقليل الطلب عليه دون حاجة لرفع سعر الفائدة على العملة المحلية..بينما شدد آخرون على زيادة سعر الفائدة واعتبروها خطوة ضرورية للحيلولة دون عودة ظاهرة الدولرة وكذلك لجعل العملة الوطنية مخزنا حقيقيا للقيمة علاوة على أشعار المواطن أن الحكومة جادة في الدفاع عن العملة المحلية. وقال مستشار البنك المركزي محمد البربري أنه لا يؤيد رفع سعر الفائدة على الجنيه المصري بدعوى تشجيع تحول حائزي النقد الأجنبي للعملة المحلية..مشيرا إلى أن الاقبال على العملة المحلية في حد ذاته هدف يستحق السعي لتحقيقه إلا أن هناك أمرين يجب أخذهما في الاعتبار أولهما أن الفارق الحالي في سعر الفائدة على الجنيه المصري وعلى الدولار الأمريكي كبير ويتراوح مابين 7% و8% وهو فارق كاف لجذب المدخرات المحلية خاصة في ضوء نجاح الإجراءات الجديدة في وضع حد لزيادة الدولار غير المبررة أمام الجنيه..الأمر الثاني - حسبما يقول البربري - أنه يجب مراعاة جانب الاستثمار الأجنبي والنشاط الاقتصادي حيث أن زيادة سعر الفائدة على الجنيه ستكون مصحوبة بزيادة مماثلة على فائدة الاقراض مما يزيد من تكلفة النشاط الاقتصادي ويؤثر سلبا على تدفق الاستثمارات الأجنبية. ومن جهته حذر محمود عبد العزيز رئيس إتحاد المصارف العربية والمصرية السابق ورئيس البنك التجاري الدولي من زيادة الفائدة على الجنيه حتى لا تهرب الاستثمارات الأجنبية..موضحا أن الوقت الحالي غير مناسب لاتخاذ هذا الإجراء نظرا لأن الفائدة حاليا تعتبر مرتفعة حيث تبلغ في المتوسط 10%، كما أن حجم الودائع لدى البنوك المصرية مرتفع ويقدر بنحو 285 مليار جنيه الأمر الذي يؤكد وجود سيولة كبيرة لدى الجهاز المصرفي. واستبعد محمود عبد العزيز وجود أية مخاوف لعودة ظاهرة تحويل المودعين لمدخراتهم من الجنيه إلى الدولار والمعروفة باسم (الدولرة) نظرا لإرتفاع الفارق بين الفائدة على الدولار والجنيه..مؤكدا ان الإجراءات الأخيرة المتعلقة بسوق الصرف أدت إلى استقرار وضبط الأسواق وبالتالي فإنه لا يوجد ما يدعو لرفع الفائدة بدعوى تخفيف الضغط على الدولار مشيرا إلى مؤشرات إيجابية لدعم الصرف في مقدمتها تحقيق فائض من الدولار لدى شركات الصرافة وقيام تلك الشركات ببيع فوائضها للبنوك..وكذا قيام البنك المركزي بضخ نحو 150 مليون دولار حتى الآن للبنوك لتلبية احتياجات العملاء والقضاء على الطلبات المعلقة وإزالة الأسباب التي كانت تؤدي إلى وجود سوق سوداء للدولار فضلا عن بدء حركة الإنتربنك في التفاعل بين البنوك بعضها البعض لتلبية احتياجاتها من النقد الأجنبي الأمر الذي يعني ان البنوك بدأت في توفير فوائض وأن الألية الجديدة بصدد العمل ذاتيا..علاوة على نمو المدخرات بالعملة الوطنية وبدء تحول المدخرات بالعملات الأجنبية إلى الجنيه للاستفادة بفارق الفائدة وتصل قيمة هذه المدخرات 56 مليار دولار. إلى ذلك فإن خبراء الاقتصاد والمصرفيين المؤيدين لرفع سعر الفائدة على الجنيه يؤكدون أن هذه الزيادة ضرورة لمنع عودة الدولرة مرة أخرة وأن هذه الخطوة سيكون معها الجنيه المصري هو مخزن القيمة..كما ستزداد معدلات الإدخار الأمر الذي يقلل من الحاجة إلى الاقتراض الخارجي. وحسبما يرى الخبير الاقتصادي الدكتور منير هنري فإن تحريك سعر الفائدة على الجنيه مؤقتا ضرورة حتى يدرك المواطن المصري أن المدى بين سعر الفائدة على الدولار ومثيله على الجنيه بات واسعا بشكل أكثر وضوحا. وكذا حتى يشعر أن الحكومة جادة في حماية العملة الوطنية. وأشار الدكتور منير إلى إمكانية خفض الفائدة على الجنيه مرة أخرى بعد تحقيق الهدف من زيادتها..مؤكدا أن رفع سعر الفائدة على الجنيه من شأنه إمتصاص الفائض المعروض من النقود وإزالة مخاطر التضخم التي من المتوقع أن تصاحب تطبيق نظام الصرف الجديد خاصة بعد زيادة الأسعار بنسب تتراوح بين 5% و8% نتيجة الإنخفاض الأخير لقيمة الجنيه أمام الدولار بنحو 6.2%. وأيد نائب رئيس بنك الاسكندرية السابق حسن أبو حلاوة رفع سعر الفائدة على الجنيه حتى يكون السعر جاذبا للإدخار المحلي وبأوعية جاذبة للإدخار لترتفع المدخرات من 17 إلى 25 وتكون قادرة على تحقيق معدل النمو الاقتصادي الوارد في موازنة الدولة للعام المالي 2001/2002.واشترط أبو حلاوة دراسة السوق ومعرفة مدى الاحتياج للسيولة والسرعة المطلوبة لضخ هذه السيولة أو سحبها قبل إتخاذ أي قرار في هذا الشأن..كما أشار إلى إمكانية تحمل الاقتصاد المصري لزيادة تكلفة التمويل مقابل القضاء نهائيا على الدولرة عن طريق الاستفادة من رفع سعر الفائدة على الجنيه. وتوقع مسئولون رسميون ومصرفيون مصريون ضخ 2 مليار دولار تمثل مدخرات خارج الجهاز المصرفي في سوق الصرف خلال الأسابيع القليلة المقبلة وذلك بعد نجاح الترتيبات الجديدة لسعر الصرف في الوصول إلى سعر يشجع حائزي الدولار على طرح ما بحوزتهم من مدخرات دولارية للبيع خاصة في ضوء المؤشرات التي ترجح زيادة المعروض من الدولار مقابل إنحسار الطلب عليه وبالتالي إنخفاض أسعاره..واشار المصرفيون إلى أن الإجراءات الجديدة لضبط أداء المعاملات في سوق الصرف وضعت حدا لتصاعد أسعار الدولار وقضت على السوق وحددت هامشا معقولا لتحرك الأسعار مما شجع الأفراد على بيع ما لديهم من دولارات مدخرة بعد أن أكدت الأيام الماضية نجاح هذه الآلية في تحقيق معظم أهدافها وبات الاحتفاظ بالدولار لا معني له..من جهة أخرى يعتزم البنك المركزي المصري إتخاذ خطوات فعليا تجاه فك إرتباط الجنيه بالدولار وربطه بسلة عملات في مقدمتها اليورو والين قبل نهاية العام الحالي وذلك للحد من الأزمات الدولارية المتلاحقة التي كلفت الخزانة المصرية نحو 7 مليارات دولار من احتياطي النقد الأجنبي..علاوة على خفض قيمة الجنيه بنحو 30% في أقل من 14 شهرا..فضلا عن عدم استقرار التعاملات في سوق الصرف وعودة ظاهرة السوق السوداء مرة أخرى بعد إختفاء دام أكثر من 10 سنوات. ورصد رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب ورئيس بنك مصر إكستربور عبد الله طايل عدة مؤشرات تؤكد ضخ مدخرات الأفراد الدولارية في سوق الصرف في مقدمتها إنحسار الطلب على الدولار كنتيجة مباشرة لترشيد الاستيراد موضحا أن البنوك المصرية باتت قادرة بمساندة البنك المركزي في تلبية كافة طلبات العملاء..وأن بعض هذه البنوك حققت فائض طرحته للبيع أمام البنوك الأخرى لتغطية احتياجاتها دون اللجوء للبنك المركزي..فضلا عن أن حجم طلبات فتح الاعتمادات بالبنوك والتي قدرت قبل بداية النظام الجديد بنحو 1.2مليار دولار لم تكن حقيقية حيث تقلصت إلى حوالي الربع خاصة مع قيام الكثير من المستوردين بإعادة النظر في طلباتهم الاستيرادية نتيجة إرتفاع أسعار الدولار وبالتالي زيادة تكلفة الاستيراد وعدم ملاءمتها للأوضاع الراهنة في الأسواق المصرية..وأضاف أن إنحسار الواردات المتوقع وزيادة الصادرات..وكذا إرتفاع الإيرادات التي من المنتظر أن تحققها قطاعات السياحة وبالبترول وقناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج ستدفع حائزي الدولار على التخلص من مدخراتهم قبل أن يتراجع الدولار نتيجة زيادة المعروض مقابل الطلب. إلى ذلك فإن توجه وزارة الاقتصاد المصرية في ضبط التعاملات بالدولار داخل الجهات والقطاعات المصرية وتكريس الاعتماد على الجنيه المصري في هذه التعاملات سيساهم بفاعلية في زيادة المعروض من الدولار يخفف كثيرا من الضغط في الطلب على الدولار حيث ستضطر المدارس والمستشفيات وقطاعات أخرى إلى التخلي عن شرط التعامل بالدولار بعد أن كانت ترفض مطلقا التعامل بالجنيه المصري. وحسبما يرى الخبير المصرفي الدكتور محسن الخضيري فإن التخلص من هذا العبء سيقلل من ملاحقة الدولار ويعظم من قيمة الجنيه ويحدث توازنا في العرض والطلب الأمر الذي يوفر الدولار أمام المتعاملين به بشكل دائم وفي أي وقت وبسعر عادل دون معاناه أو لجوء لسوق سوداء..فضلا عن منع المضاربة على الدولار أو التفكير في محاولة إكتنازه حيث أن من يفكر في ذلك لن يجني من وراء عمله هذه أي أرباح منتظرة بل أن تعرضه للخسارة أمر وارد جدا. وأكد خبراء مصرفيون أن فك الإرتباط بين الجنيه والدولار وتكوين سلة عملات حسب الأوزان النسبية لهذه العملات في هيكل التجارة الخارجية بات مطلبا ملحا لاسيما وأن تنويع العملات المؤثرة على الجنيه يؤدي إلى تقليل المخاطر..واعتبر رئيس بنك الدلتا الدولي على نجم أن إرتفاع اليورو أمام الدولار وتحسن الميزان التجاري المصري مع الإتحاد الأوروبي من شأنه أن يعجل بفك الإرتباط مع الدولار وتكوين سلة عملاقة تضم اليورو والين والدولار مؤكدا أن هذا النظام سيقلل من المشاكل التي يسببها الربط بالدولار وحده.. وأضاف أن البنك المركزي لديه دراسة جاهزة بالفعل لربط الجنيه باليورو والدولار والين بأوزان ترجيحية تتناسب مع المعاملات التجارية والمالية لشركاء مصر الذين يتعاملون بالعملات الثلاث..وتباع أن هذا النظام يتميز باعطاء قدر عال من الثبات في التعاملات التجارية ويسهل رسم حفظ الدولة للتعاملات الخارجية بشكل مستقر وغير عشوائي فلا تصبح مهددة بزيادة مفاجئة في وارداتها. القاهرة ـ يوسف شاكر: