كلنا نعرف ان جامعة الدول العربية «جاءت بديلا» عن مشروع «الولايات العربية المتحدة» الذي اعده القوميون العرب وكافحوا طويلا من اجل تحقيقه، قبل انشاء الجامعة، وبعد انشائها، وقد ساعد التجمع الاستعماري الذي كان يحكم البلاد العربية في الاربعينات، بالاشتراك مع القادة الذين تخرجوا في عهد الاستعمار وساروا على هداه وبموجب توجهاته، ساعد هذا التجمع الكبير على فشل المشروع الاتحادي وانجاح فكرة جامعة الدول العربية. وقبل الدخول في تفاصيل التصورات التي اقترحها كعلاج لما انزلقت اليه جامعة الدول العربية وعدم تحقيقها لاية اهداف تنتظرها الشعوب العربية، اتساءل ـ هل كان من الممكن ان تقوم اسرائيل بالعربدة التي تقوم بها حالياً ضد العرب وبالتنكيل ضد الفلسطينيين العزل، وعلى مسمع ومرأى من كل دول العالم؟ لو كانت اقامة دولة عربية موحدة او متحدة في نطاق فكرة الولايات العربية المتحدة قد تحققت ذلك الوقت كبديل عن جامعة الدول العربية؟ ان ميراث العرب الحالي في مجال التعاون الذي يتمثل في جامعة الدول العربية وفي المنظمات التابعة لها والمنبثقة عنها، والذي لم يتحرك نحو اقامة تنظيم اقليمي وحدوي حتى في المجال الاقتصادي فقط، هذا الميراث كان من الضعف بحيث جعل دولة مثل اسرائيل تهدد وتتوعد بل وتضرب وتنفذ ما تهدد به، دون اي رد ايجابي عدا الانتفاضة الفلسطينية، بعد ان اصبح من المتصور الجميع ان الدول العربية، وليس فلسطين وحدها، يقطنها شعب عربي اعزل، بالرغم من الاموال والثروات والبشر الذين يعيشون فيها، في وحدات منعزلة ومنفصلة سياسة وتنظيماً وفكراً!!. لقد بنيت جامعة الدول العربية على غرار منظمة الامم المتحدة وبنيت المنظمات العربية المشتركة على غرار المنظمات الدولية!! وعلى سبيل المثال بني صندوق النقد العربي على غرار صندوق النقد الدولي، بني صندوق الانماء العربي على غرار البنك الدولي والهيئات التابعة له ـ هيئة التمويل الدولية، هيئة التنمية الدولية، اي ان المخططين لقيام جامعة الدول العربية، لم يتصوروا ان العالم العربي هو جزء من الكرة الارضية، وربما اعتقدوا انه عالم يعيش بمفرده بعيدا عن الاقاليم الدولية الاخرى!!. لقد تصوروا ان صندوق النقد العربي يمكن ان يقوم في النطاق العربي بالاهداف التي يقوم بها صندوق النقد الدولي لكافة دول العالم، فالصندوق الدولي على سبيل المثال يقوم بتنظيم السلوك النقدي الدولي في مجالات سعر الصرف والرقابة على النقد والعلاقات النقدية الدولية، كما ان صندوق النقد العربي يقوم بذلك ولكن على المستوى العربي فقط، وهو وضع غريب لانه ليس هناك نظام نقدي عربي منفصل عن النظام النقدي الدولي. قد يكون هناك قواعد نقدية مختلفة في كل دولة ولكن ليس هناك نظام دولي ولا نظام اقليمي، لأن النظام الدولي يغطي كل دول العالم الاعضاء فيه، والدول العربية جميعها اعضاء في صندوق النقد الدولي، كما ان كل دول العالم اعضاء فيه، وقد يكون هناك تنظيم نقدي عربي لا يصل إلى مستوى نظام دولي الا اذا كانت الدول العربية تعيش في عزلة بعيدا عن الانظمة الدولية والعالمية، وهو ما لم يفكر فيه المخططون العرب. ان ذلك حقاً يثير الضحك خصوصاً اذا دخلنا في تفاصيل منظمات عربية متخصصة اخرى لها تقريباً نفس الاسم الذي يطلق على المنظمات الدولية، من بينها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ومنظمة العمل العربية والمنظمة العربية للتنمية الزراعية والاتحاد البريدي العربي والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار والمؤسسة العربية للاتصالات الفضائية والمنظمة العربية للتنمية الصناعية وكلها منظمات تعمل على غرار المنظمات الدولية التي تغطي كافة دول العالم ولا تستثني منها الدول العربية. وكان يمكن ان تكون هذه المنظمات فروعاً للمنظمات الدولية المنتشرة في جميع انحاء العالم. بذلك فإن المطلوب في الواقع هو اعادة هيكلة جامعة الدول العربية من جذورها، واعادة تنظيمها بحيث تتحول إلى كيان عربي واحد يندمج فيه كل المنظمات العربية المتخصصة التابعة لها والمنبثقة عنها والهيئات والاتحادات العاملة في العمل العربي المشترك، وبذلك تتحول إلى وضع يقترب مما كانت عليه «الهيئة الاوروبية» وقت انشائها وبالسلطات التي منحت لها باعتبارها جسداً تنظيمياً يتمتع بدرجة من الاستقلال عن الحكومات المحلية الاعضاء. وعلى ان يكون لهذا الكيان المقترح رئيس يتفق عليه في اجتماع القمة، وعلى ان ينقسم هذا الكيان إلى قطاعين: ـ قطاع سياسي وعسكري يبحث في المشاكل التي تنشأ بين الدول العربية ويحدد السياسة العربية الخارجية للمجموعة العربية ويعالج النزاع الذي قد ينشأ في المجالات العسكرية المشتركة بين بعض الدول العربية او بينها وبين الخارج، وذلك بما يمكن تنظيمه في جيش عربي موحد يقترب في ادارته من جيش حلف الاطلنطي والجيش الاوروبي المقترح وعلى ان يؤدي مهامه بتعليمات من رئيس الكيان العربي الجديد، ويكون من اختصاص هذا القطاع ايضا انشاء محكمة عدل عربية وبرلمان عربي مشترك واي مجالات اخرى غير اقتصادية. ـ قطاع اقتصادي واجتماعي يكون من مهامه الاساسية انشاء منطقة التجارة الحرة التي تتحول بعدها إلى سوق عربية مشتركة ثم إلى اتحاد اقتصادي عربي يصل إلى المستوى الذي وصلت اليه الدول الاوروبية حيث لا حواجز ولا قيود على الحدود مع فتح الاستثمارات والعمل والانتقالات بين الافراد وفقاً للتنظيم الذي يتم الاتفاق عليه بين الدول الاعضاء، وكذلك انشاء المشروعات الصناعية والزراعية الكبرى التي تغطي المنطقة العربية بالكامل وترفع المستوى المعيشي في الاقاليم العربية الفقيرة. ـ مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية