وقفنا في الحلقتين الماضيتين على الفلسفة الاقتصادية الاسلامية ووجدنا انها تتميز بخمس مزايا اساسية.. اولها: انها تجاري الميول الطبيعية والفطرية للانسان، ثم انها تربط بين جمع المال وانفاقه في اوجه شرعية وللصالح العام، وتلاحظ مصلحة الفرد وتحقق مصلحة الجماعة ثم انها فلسفة وسطية. والوسطية ليست وسطاً حسابيا من ظاهرتين أو وسطاً جغرافيا بين مكانين، انما وسط فلسفي تجمع وتوحد بين العناصر الايجابية في الظواهر المتناقضه. كما انها فلسفة ليست مادية اطلاقاً ولامثالية تماما. واخيراً فانها فلسفة مرهفة الحس. ونظرا لاننا نوهنا في الحلقة الأخيرة الماضية على ان هنالك امثلة كثيرة على ذلك الحس المرهف، لكننا لم نقدم مثلاً واحداً ـ نظراً لضيق الفراغ ـ فنرى ان الواجب يقتضي منا ان نذكر بعضاً من هذه الامثله قبل الدخول في الموضوع الجديد. فهذا ابوبكر الصديق (رضي الله عنه) يقابل المسلمين الذين امتنعوا عن اداء الزكاة بعد وفاة الرسول (ص) فيعترض بعض الصحابه بحجة ان القتال واجب ضد المشركين الذين ينكرون وجود الله ورسوله فقط. فيرد بجملته التاريخية (والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه.. والله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة).. فالزكاة حق المال.. كما ان قتال المرتدين من قبل الخليقة الأول ذي القلب الرقيق كان نتيجة لذلك الاحساس المرهف.. وهذا علي بن ابي طالب (رضي الله عنه) والتي ذكرت عنه أكثر من دراسة اجنبية جادة في العلوم العسكرية والاستراتيجية قائلة: بان كثيراً من المعارك والقادة الحديثين والمعاصرين جديرة بالدراسة والتدريس. الا ان خطط خالد بن الوليد في مراحل التكتيك والعمليات الاستراتيجية جديرة بالتطبيق. ولربما يعد خالد القائد العسكري الوحيد في التاريخ الذي لم يهزم قط وحينما وصله الامر بالعزل عن القيادة لم يضغن ولم تأخذه العزة.. بل ينسحب من الميدان كقائد ويبقى فيه جنديا يقاتل بنفس الهمة والعزيمة رغبة في الاستشهاد ونصرة دين الله.. لقد كان عزله من قبل الخليفة عمر (رضي الله عنه) نتيجة لهذه الحساسية المرهفة في الاسلام. ولقد اصبح اليوم في العلوم الاقتصادية ومن الامور المتعارف عليها. ان الوقائع والحقائق الاقتصادية هي القاعدة التي يصاغ منها جوهر الفكر الاقتصادي.. ان الموقف من ملكية وسائل الثروة بالمفهوم الاسلامي (ملكية وسائل الانتاج) تحدد طبيعة النظام الاقتصادي السائد بالاضافة الى اشكال توزيع الناتج بين الافراد.. كذلك سنتحرى موقف الاسلام من هذين المبدأين الاساسين: شكل الملكية ونظم توزيع الثروة والدخل فهما الكفيلان بتحديد هوية النظام الاقتصادي اولاً ومن ثم استنتاج الافكار الاقتصادية التي قد تشكل مدرسة فكرية متكاملة، ثانيا: الملكية في الاسلام: تعني الملكية في الفقه الاسلامي علاقة شرعية بين الانسان والاشياء، تجعله مختصاً فيها اختصاصاً يمنع غيره عنها بحيث يمكنه التصرف فيها عند تحقيق اهليته للتصرف بالطرق الشرعية وفي الحدود التي بينها الشرع، ان الاسلام يقر حق الملكية الخاصة أو الفردية للمال، لكنها ليست كشكل الملكية في النظام الرأسمالي ملكية مطلقة في جوانبها المادية والقانونية وانما ملكية استخلافيه وبوسائل التملك المشروعة. أول مبدأ يقره الاسلام متجاوباً مع حق الملكية، هو ان الفرد اشبه ما يكون بالوكيل على المال الذي هو تحت تصرفه وهو وكيل عن الجماعة وحيازته للمال انما هي وظيفة أكثر منها ملكية.. وان المال في عمومه حق للمجتمع اصلاً، والمجتمع مستخلف فيه عن الله عز وجل الذي لا مالك لشيء سواه «آمنوا بالله ورسوله وانفقوا مما جعلكم مستخلفين» (الحديد 7)، وفي آية كريمة اخرى «وآتوهم من مال الله الذي آتاكم». (النور 33). وفي اية ثالثة «والله يؤتي ملكه من يشاء» البقرة 247 وهذه الآيات الكريمة وغيرها كثير تشير مما لا يقبل الجدل بان المال ليس من مالك له الا الله وما الناس الا وسطاء مستحدثين ووكلاء عليه. وما دام الانسان (فردا او جماعة) ليس بالمالك وانما هو مستخلف لذاته وانما بعباده.. فإن ذلك يعني بالضرورة تسخير حق التملك في الصالح العام اصلاً.. وعندئذ تغدو الملكية وظيفة اجتماعية اكثر منها حقاً مطلقاً.. وهذه الوظيفة تناط بالفرد او المجموعة لحكم شرعي من الدولة (الخليفة او الامام) ويترتب على ذلك كله الا وهي ان المجتمع يستطيع وله الحق في تحديد اسلوب الانتاج والادارة وطرق التوزيع وكل ما يتعلق بالمال موضوع البحث ولكن دائماً وابداً ضمن الاطر الشرعية. هذا من جهة ومن جهة اخرى فإن المستخلف يمارس مهمة الانتفاع بالمال او الملكية فانما يتم ذلك بتفويض من المالك الاصيل وباشرافه وضمن الحدود المرسومة له شرعاً.. ولفرض توضيح مبدأ الاستخلاف في الارض نضع المثلين التاليين من الامثلة الاقتصادية التطبيقية. لما فتحت العراق والشام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) اختلف الصحابة في تقسيم الاراضي الزراعية في تلك البلاد، ايقسمونها على الفاتحين؟ (بحسب المبدأ القرآني الذي يقول بتقسيم الغنائم على المحاربين بنسبة الاموال المنقولة وغير المنقولة لهم. وقد قسم الرسول (صلي الله عليه وسلم) ايام معركة بني النضير الارض على المحاربين). ام يتركوها بايدي اصحابها؟ واستقر الامر على الرأي الثاني فبقيت الارض في ايدي اصحابها ومسحت من جديد وقدرت عليها ضريبة الخراج. ان تفاصيل اختلاف وجهات نظر المسلمين حول تقسيم ارض السواد (العراق) وتركها مثيرة، فقد شاور عمر (رضي الله عنه) اصحابه بهذا الامر، وكان رأي عبدالرحمن بن عوف وبلال بن رباح ان يقتسم ارض العراق على المحاربين. اما رأي عمر ومعه بعض اصحابه امثال علي وعثمان رضوان الله عليهم ان يتركها ومكثوا بذلك اياماً حتى قال عمر (رضي الله عنه) قد وجدت حجة في تركها وألا افسخه وهي قوله عز وجل «للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم واموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً». فتلا ذلك عليهم حتى وصل إلى قوله تعالي. «والذين جاءوا من بعدهم». فقال كيف اقسمه عليكم وادع من يأتي بغير قسم فاجمع على تركة وجمع خراجه. كان واضحاً من هذا الجدل والحجج المتبادلة بين الطرفين ان انصار قسمة الارض يقفون إلى جانب الفرد بينما يقف عمر وعلي وعثمان إلى جانب مجموع الأمة باجيالها الحاضرة والمستقبلة. ومن الجدير بالذكر فإن الدوافع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وقبلها السند الشرعي هي التي كانت حاسمة في اتخاذ عمر ذلك الموقف الاقتصادي الاجتماعي المتقدم. فالجيوش العربية الاسلامية المتقدمة لاكمال فتح العراق والشام ومصر بحاجة إلى تعبئة وتجهيز. وهذا بالطبع يتطلب موارد مادية ومالية تحت تصرف قيادة مركزية.. وبالمقابل فإن وزعت الاراضي على المحاربين لاستكانوا للراحة والهدوء ولربما تحولوا من محاربين إلى ملاك متخمين وحكام اداريين بالاضافة إلى تفادي نشوء ظاهرة الاحتكار او تركز الارض بايدي جماعة قليلة من السكان. يترتب على مبدأ الاستخلاف نتائج طبيعية في حفظ هذا الحق لصاحبه وصيانته وحمايته من السرقة والنهب والاختلاس، ويضع الاسلام الحدود الرادعة لكفالة هذا الحق. كما يترتب عليه نتائج قانونية كحق التصرف في المال بالبيع او الاجارة او الهبة او الرهن او الوصية إلى آخر حقوق التصرف الحلال والذي لا يقصر بمصالح الآخرين او مصالح الأمة. ولابد من التنويه انه في نطاق الحدود للتصرفات بالمال التي سنها الاسلام ولم يفرق في هذا الحق بين الذكر والانثى «للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن» ـ النساء 32. في حين ان المرأة الاوروبية في العصور الوسطى لم يكن لها ذمة مالية اولاً ثم لم يكن بمقدورها التصرف باموال زوجها عند غيابه حتى ولو ماتت جوعاً. ولوقت قريب وفي بعض الاماكن من اوروبا.. فإن الولد البكر او الاكبر هو وحده الذي يورث ثروة ابيه حتى اليوم!!