نستكمل في هذه الحلقة ما كنا قد بدأناه في الحلقة الماضية عما يعرف بنمور آسيا وعن الادعاءات القائلة بالمعجزة الاقتصادية التي حققتها هذه الدول من خلال ما حققته من تنمية ونمو اقتصادي، وسوف نناقش ونفند في هذه الحلقة ما بقي من ادعاءات تدعم وتؤكد وجود عملية تنمية اقتصادية في هذا الجزء من العالم هي أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها غير مسبوقة، ومن ضمن ما سيتم مناقشته في هذا السياق هو دور كل من الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي في مساعدة الدول الأكثر تضررا من أزمة 97 في الخروج والتخلص من آثار تلك الأزمة الاقتصادية التي تعتبر بكل المقاييس الأسوأ منذ الكساد العظيم الذي ضرب قلاع الرأسمالية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا في مطلع الماضي. وبالنسبة للإدعاء الرابع فيقول ان كل الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي قاما وبصورة فعالة بتقديم مختلف أشكال المساعدات من استشارات فتية ومعونات وقروض مالية لدول شرق آسيا التي كانت الأكثر تضررا من الأزمة وذلك لتعجيل خروجها وتخلصها من آثار تلك الأزمة ومن ثم إعادة تأهيلها اقتصاديا لتلعب دورها التي كانت تؤديه في الاقتصاد العالمي. واذا ما اردنا ان نرد على الادعاء الرابع فلا شك إن الولايات المتحدة شاركت مع صندوق النقد الدولي في مساعدة دول شرق آسيا في الخروج من الأزمة الاقتصادية ولكن التساؤل الذي يطرح نفسة في هذا المقام هو ما الذي نتج وسينتج عن مثل هذه المساعدة؟ في رأيي الشخصي أن أبرز ما يمكن أن ينتج عن هذه المساعدة المشروطة هو تكريس السيطرة الاقتصادية والسياسية للقوى الرأسمالية الإمبريالية المتمثلة في الولايات المتحدة واليابان, فعلى سبيل المثال وبعد أن ضربت الأزمة كوريا الجنوبية كان هناك العديد من جولات المشاورات من قبل المسئولين الأمريكيين والأوروبيين واليابانيين وذلك في محاولة لاحتواء الأزمة وتخفيف حدتها، وقد توصل مختلف الأطراف إلى ضرورة وجود تدخل خارجي لمساعدة الحكومة الكورية في إدارة الأزمة، وقد تم الاتفاق على أن يقوم صندوق النقد الدولي بهذا التدخل, لكن الحكومة الكورية رفضت في البداية أي تدخل لصندوق النقد الدولي وذلك لإدراكها أن الوصفات العلاجية التي تقدمها هذه المنظمة المالية الدولية غالبا ما تؤدى إلى فقد الحكومات السيطرة على السياسات المالية والاقتصادية لبلادها إضافة إلى أنها تجبر الحكومات المحلية على فرض سياسات مالية تقشفية لا تحظى بأي دعم شعبي مما قد يؤدي إلى إضرابات سياسية داخلية تجعل الأزمة أكثر تعقيدا، ونتيجة لهذه الرفض الكوري تم إرسال مسئولين أمريكيين كبار إلى سئول للقاء وزير المالية الكوري الجديد )ليم تشانج ييل( وبعد ساعات من اجتماع المسئولين الأمريكيين مع ليم أعلن الوزير الكوري أن بلادة سوف تطلب المساعدة من كل من المصرف المركزي الأمريكي والياباني , وفي بداية شهر ديسمبر وافقت كوريا على شروط أكبر عملية يقوم بها صندوق النقد الدولي والتي كانت عبارة عن قرض لكوريا بقيمة 55 مليار دولار وهذا الرقم يفوق مبلغ 17 ملياراً المعروض على تايلاند و 40 ملياراً التي خصصت لإندونيسيا وكذلك المساعدة التي قدمها الصندوق للمكسيك في عام 1994 والذي بلغ 48 مليار دولار , لقد شدد الرئيس الأمريكي الأسبق بل كلينتون على أن الوضع الاقتصادي في بلادة مرتبط بشكل وثيق بالتنمية والنمو الاقتصادي في شرق آسيا كما نوه إلى أن فتح الأسواق العالمية هو محور السياسة الخارجية لبلاده، والجدير بالذكر أن التجارة الأمريكية مع دول شرق آسيا بدون اليابان لم يتجاوز 300 مليار دولار فقط في عام 1996، كما أوضحت الولايات المتحدة أن مصالحها في مساعدة دول شرق آسيا في الخروج من محنتها يتعدى كونها مجرد شريك تجاري فقط، فقد صرح وزير الخزانة الأمريكي روبرت روبن أن هذه الدول أي دول شرق آسيا ليست مجرد أسواق للصادرات الأمريكية بل هي إضافة إلى ذلك تلعب دوراً مهماً في دعم الجهود الأمريكية للترويج للتنمية والسلام والازدهار في مختلف أصقاع العالم. وهو ما يعني من وجهة النظر الإمبريالية أن الولايات المتحدة تتطلع من وراء ذلك إلى إحكام قبضتها وضمان سيطرتها السياسية والاقتصادية على المنطقة، وعندما ضربت الأزمة كوريا عبرت الولايات المتحدة الأمريكية عن قلقها ورغبتها في ضمان الاستقرار الداخلي في بلد تحتفظ فيه بأكثر من سبعة وثلاثين ألف جندي متمركزين قرب حدودها مع كوريا الشمالية، وخلف مشهد المساعدة الأمريكية واليابانية لكوريا يوجد سباق محموم بين هذين العملاقين الاقتصاديين للحصول على مركز أقوى وجني فائدة اكبر من الأزمة الاقتصادية التي تعصف بمجمل دول المنطقة، وقد قال بعض المسئولين في الحكومة الأمريكية بصراحة أن أحد الأهداف التي تتوخاها حكومتهم من خلال تدخلها في هذه الأزمة هو إرسال رسالة واضحة للآسيويين لتعريفهم بأن الولايات المتحدة مهتمة بشكل كبير بالاستقرار الاقتصادي للمنطقة. وبقول آخر أكثر صراحة جعل الآسيويين يعون من هو السيد الذي يحكم ويتحكم في الاقتصاد العالمي، ان الطريقة التي عرضت بها صفقة صندوق النقد الدولي على كوريا الجنوبية تؤكد بصورة قاطعة الدور الذي لعبته الولايات المتحدة لتكريس سيطرتها على اقتصاد المنطقة، وفي مقابل المال الذي حصلت وستحصل علية فإن على كوريا خفض الإنفاق العام وفتح أسواقها بصورة اكبر للسلع والمستثمرين الأجانب، كما أن على كوريا الجنوبية أيضا الموافقة على اتخاذ خطوات جدية من أجل جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وإلغاء بعض الحواجز الجمركية وغير الجمركية في وجه التجارة أي السلع القادمة من الغرب، وقد أعلن المسئولون الأمريكيون أنهم متأكدون من أن المصارف الأمريكية وغيرها من المصارف الأجنبية الأخرى سوف تكون لديها الرغبة في شراء أو الاندماج مع المصارف الكورية التي تعاني من متاعب من جراء الأزمة الاقتصادية، من ناحية أخرى فإن سوق الأوراق المالية الكورية قد شهدت تحسنت نتيجة بعض التقارير التي تقول بأن الصفقة التي عقدتها الحكومة الكورية مع صندوق النقد الدولي تتضمن رفع نسبة الملكية الأجنبية للشركات الكورية في البداية من 26% إلى 50% ومن ثم إلى 55% بحلول العام التالي، وقد عبرت الإذاعة الرسمية في كوريا عن هذا الوضع بقولها ان فتح السوق المالية الكورية بصورة مطلقة سوف يؤدي إلى سيطرة رأس المال الأجنبي على الإدارة والأرباح للشركات الكورية ومن ثم السيطرة على الاقتصاد الكوري ككل. ـ الإدعاء الخامس: إن نمور آسيا سوف تخرج أقوى من هذه الأزمة إن هي طبقت خطة الولايات المتحدة وصندوق النقد بكل دقة. ـ الرد على الإدعاء الخامس: ان الإجراءات التي يفرضها صندوق النقد الدولي في مثل هذه الحالات غالبا ما تؤدي إلى مشكلات اقتصادية اكبر إضافة إلى عدم الاستقرار السياسي نتيجة المعاناة التي تفرضها مثل هذه الإجراءات على الطبقتين المتوسطة والفقيرة، ولكن في المقابل يشير عدد ليس بالقليل من الخبراء الاقتصاديين وخبراء المالية إلى ان الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالاقتصاد المكسيكي على أنها الدرس الذي يجب أن يعمم على مختلف دول العالم الثالث إذ أن المعاناة المؤقتة التي عادة ما تنتج عن إجراءات الصندوق تتمخض عنها في النهاية مكاسب طويلة الأجل، والحقيقة التي وعتها المكسيك والتي يجب أن تعيها نمور آسيا هي أن تحت السيطرة الإمبريالية الرأسمالية فإن المعاناة المؤقتة من إجراءات صندوق النقد الدولي سوف تنتج عنها معاناة اكبر وطويلة الأجل، وهذا هو بالضبط ما دفع رئيس الوزراء الماليزي والاقتصادي المحنك مهاتير محمد إلى رفض تدخل الصندوق في الاقتصاد الماليزي بالرغم مما عاناه ومازال يعانيه من متاعب جمة، ففي حالة المكسيك أجبر الصندوق الحكومة المكسيكية على وضع برنامج إصلاحي صارم أدى إلى معاناة شديدة للسواد الأعظم من المكسيكيين، وبعد سنتين من الأزمة وبالرغم من إتباع الحكومة المكسيكية الحرفي لبرنامج صندوق النقد انخفض مستوى المعيشة بنسبة كبيرة بلغت عشرين في المائة وفقد الكثير من العمال خاصة في قطاع الصناعة جزءاً كبيراً من أجورهم وكانت الطبقة الوسطى الأكثر تضررا إذ تقلصت هذه الطبقة بشكل كبير وأنضم عدد كبير من أفراد الطبقة الوسطى إلى الطبقة الفقيرة التي تضم أصلا السواد الأعظم من المكسيكيين، والآن في كوريا لا تزال نتائج الإصلاحات التي أوصى بها صندوق النقد غير واضحة على الوضع الاقتصادي في كوريا ولكن ما توفر من أرقام حتى الآن يشير إلى أن مستوى البطالة في ازدياد مستمر وهو على أقل تقدير ضعف معدل عام 97 كما أن عدد حالات إفلاس الشركات يعتبر مرتفعاً جدا وهو نفسه ما أشار اليه الرئيس الكوري في ذلك الوقت كيم يونج سام في خطاب تلفزيوني قائلا: علينا من الآن فصاعدا تحمل ألم يحفر العظام, والوضع في بقية دول شرق آسيا التي سعت في طلب مساعدة صندوق النقد الدولي مثل تايلاند وإندونيسيا والفلبين ليس بأقل سوءا عنه في كوريا الجنوبية, إذ أن هذه الدول الثلاث ملتزمة بتسديد مبالغ تصل إلى مائة مليار دولار هي قروض مصدرها صندوق النقد الدولي إضافة إلى الولايات المتحدة واليابان, الوسيلة الوحيدة المتوفرة لهذه الدول لتتمكن من الوفاء بالتزاماتها تجاه دائنيها هي خفض الإنفاق العام إلى أدنى حد وفرض المزيد من الضرائب إضافة إلى الالتزام بالسياسات المفروضة عليها من قبل الإمبريالية الرأسمالية الولايات المتحدة واليابان شاءت ذلك أم لم تشأ، وهو ما يعني المزيد من المتاعب الاقتصادية والسياسية والأمنية، وفي النهاية فأن الدرس المهم الذي يجب استيعابه من انهيار اقتصاديات دول شرق آسيا وهو أن نموذج نمور آسيا لا يعتبر بأي حال من الأحوال الحل الأمثل للمشكلات الاقتصادية التي تعاني منها الدول النامية والدول الأقل نموا الراغبة في تحقيق الازدهار كما أن هذا النموذج لا يعطي الجواب الشافي لمعاناة السواد الأعظم من الناس في العالم الثالث.