المارك الالماني ـ الفرنك الفرنسي والبلجيكي.. وعملات أخرى عريقة لاثنتي عشرة دولة تمثل دول الاتحاد الاوروبي سوف تصبح بحلول موعد اول العام 2002 اثراً بعد عين وستدخل هذه العملات التي كثيراً ما اكتنزها الاوروبيون واعتادوا ان يتداولوها يومياً متاحف التاريخ الاوروبي ليحل محلها عملة جديدة موحدة لدول الاتحاد وهي عملة «اليورو». وهكذا ومع مطلع العام الجديد وبدلاً من ان يطلب الطفل الفرنسي او الالماني او غيره من دول الاتحاد الاوروبي المصروف اليومي من والديه بالعملة التي اعتاد عليها منذ نشأته سوف يطلب منه مصروفه باليورو. انها حقاً نقلة كبيرة بكل المقاييس في تغيير ذلك الارتباط الوثيق بين الفرد وعملته التي يفتخر بها دوماً ولكن هكذا استطاع الاوروبيون ان يتغلبوا على كل ذلك وان يمثلوا كياناً اقتصادياً واحداً يواجهون به مخاطر الكيانات الاخرى وليجعلوا من عملتهم الجديدة درعاً واقية لهم امام تقلبات العملات العالمية الاخرى. ولم يعد امام دول منطقة اليورو إلا بضعة اشهر لانهاء انتاج عشرات المليارات من الاوراق النقدية والقطع المعدنية التي ستحل قريباً محل 12 عملة اوروبية، في عملية لا سابق لها في تاريخ النقد، وقد تسربت تقارير وتفاصيل قليلة جداً حول التقدم الذي حققته حتى الآن الجهود الجبارة للاتحاد الاقتصادي والنقدي. وقد اكد احد المسئولين المكلفين بالاشراف على الملف في البنك المركزي الاوروبي ان عملية الانتاج تتقدم وفقاً للخطة الزمنية المحددة، فيما قال متحدث باسم البنك انه ليس هناك ما يقلق بشأن تأخير محتمل. وحتى الآن طبع بنك فرنسا نحو 500 مليون ورقة من اصل 2.5 مليار، وفي الواقع منذ شهر يوليو 1999 كلفت دول منطقة اليورو إلى جانب اليونان انتاج الاوراق النقدية والقطع المعدنية التي تحتاجها. وتحتل حصة فرنسا المرتبة الثانية في الاهمية بعد المانيا 4.3 مليارات ورقة، بينما منحت لوكسمبورج الحصة الاصغر وهي 46 مليوناً، وفي المجموع يفترض ان تكون 14.54 مليار ورقة جاهزة قبل نهاية اغسطس الجاري لانه اذا كانت عملية الانتقال النقدية تبدأ رسمياً في الاول من يناير المقبل فإن مرحلة مد المصارف بالعملات يجب ان تبدأ في سبتمبر على اقل تقدير. وفي الوقت نفسه يجب ان تخرج 50.1 مليار قطعة معدنية من المصانع، اي ما يعادل حمولة 50 الف شاحنة، حسبما ذكر مسئول في البنك المركزي الاوروبي. ويتولى هذا الامر في فرنسا مصنع بيساك قرب (بوردو) وقد تم (صك) اكثر من ثلثي حصتها حتى الآن. وخلافاً للاوراق النقدية التي ستحمل الرسم نفسه في كل البلدان، سيكون للقطع المعدنية وجه ينفرد به كل بلد بشعاراته وهو امر تقرر عام 1997 استجابة للمطالب القومية للدول الاعضاء. واثارت لامركزية طبع العملة الاوروبية الجديدة مخاوف من تطابقها ومخاطر تزويرها، ويؤكد البنك المركزي الاوروبي ان كل شيء جاهز، فقد شكل فريق تقني في البنك لمراقبة تطابق القطع الورقية من نوعية الورق إلى الحبر والشكل وكذلك القطع النقدية المعدنية في مختلف اماكن اصدارها. ومن حيث المبدأ طبعت العملات الورقية بناء على آخر ما تم التوصل اليه في مجال مكافحة التزوير. وقال متحدث باسم المصرف المركزي الاوروبي ان العملة الورقية المصنوعة من الياف القطن مما يجعلها نسيجاً متميزاً واوراقها تحمل اليافاً لامعة وهي اسلاك لا يمكن صنع مثلها بسهولة مع خيط امني واشرطة معدنية خاصة، وهناك سمات اخرى لتمييزها مازالت سرية وسيكشف عنها في وقت لاحق. وبقت مشكلة نقل هذه العملات التي تطالب المصارف الالمانية السلطات الحكومية بتغطية نفقاتها، حتى انها طالبت ايضا بدعم من الجيش، لكن الحكومة اعتمدث الوضوح والبنك المركزي الاوروبي اصدر رداً قاطعاً بقوله ان نظام اليورو لن يغطي نفقات النقل والتخزين والتوزيع. ويفترض ان تلبي اول سلسلة من القطع الورقية احتياجات المنطقة لثمانية اعوام تقريباً لأن ثلث ما سيتم انتاجه اي 4.5 مليارات ورقة سيحتفظ به كاحتياطي، لكن مسئولاً في المصرف قال ان معدل عمر العملة الورقية لا يزيد عن عام ونصف وعلينا ان نفكر من الآن بالسلسلة المقبلة، وحتى الآن لم يقرر نظام اليورو ما اذا كان سيستمر في استخدام مطابع كل الدول المشتركة او ما اذا كان المصرف المركزي الاوروبي سيعلن مناقصة ليبقى على افضلها فقط، مما اثار قلق بعض مواقع الانتاج مثل فرع بنك فرنسا في شاماليير. ومن جانب آخر تصاعدت مخاوف المستثمرين والمؤسسات المالية الأوروبية مع اقتراب العد التنازلي النهائي لبدء التعامل باليورو في الاثنتى عشرة دولة في منطقة اليورو في ضوء ارتفاع معدلات التضخم والتذبذب في قيمة اليورو والمخاوف النفسية من الغاء العملات الوطنية تمهيدا للتعامل باليورو في بداية العام المقبل. ويتخوف مستثمرون أوروبيون من ظهور حالة من التشويش والفوضى في أعقاب بدء التعامل باليورو نقديا والغاء عملات اثنتى عشرة دولة منها عملات قوية مثل المارك الالماني والفرنك الفرنسي. وكانت مؤسسات مالية أوروبية قد طالبت البنك المركزي الأوروبي بخفض الفائدة عل اليورو للتغلب على الآثار السلبية لارتفاع معدلات التضخم وتراجع معدلات الانفاق الاستهلاكي في عدد من دول اليورو الرئيسية مثل المانيا وهولندا وفرنسا. ويخشى المسئولون بالبنك المركزي الأوروبي تلاشي ثقة المستهلكين الأوروبيين في حالة حدوث أي قصور في السياسات المالية بشأن اليورو أو وجود نقص في العملة الجديدة مشيرين الى ان ثقة المستهلكين تعتبر حجر الزاوية في نجاح العملة الأوروبية الموحدة واقناع الدول الاخرى بالاتحاد الأوروبي مثل بريطانيا على تبني اليورو. ويرى مستثمرون أوروبيون ان البنك المركزي الأوروبي لايقلل من أهمية التحديات التي تواجه الدول الاعضاء في منطقة اليورو مشيرين الى تراجع النمو الاقتصادي وتزايد معدلات التضخم وانخفاض معدلات الطلب. وقال فريسو كوبيز مسئول الشئون الأوروبية بمؤسسة «رويال هولند بامستردام» لقد طالبنا مسئولي البنك المركزي الأوروبي بترك مكاتبهم والنزول الى الشارع لاستطلاع رأي المواطنين الأوروبيين في دول منطقة اليورو والعمل على تبديد مخاوفهم بشأن العملة الأوروبية الموحدة». وأضاف كوبيز ان آراء المستهلكين وشركات البيع بالتجزئة في دول منطقة اليورو يجب اخذها في الاعتبار لان الطرفين سيتحملان اعباء التعامل بالعملة الموحدة في المراحل الأولى من عملية التحول الى العملة النقدية الموحدة. ويعرب المسئولون بالبنك المركزي الاوروبي عن تفاؤلهم بشأن بدء التعامل باليورو في المؤسسات والاسواق الاوروبية بسهولة ويسر دون مشاكل لدعم الاقتصاديات الاوروبية وتعزيز التبادل التجاري وزيادة الاستثمارات البينية. ومن المتوقع استمرار دول منطقة اليورو «باستثناء المانيا» في التعامل بالعملات الوطنية بجانب اليورو في الفترة من اول يناير حتى 28 فبراير 2002. وكانت الحكومة الالمانية قد اعلنت وقف التعامل بالمارك بحلول 31 ديسمبر 2001 لبدء التعامل باليورو في محاولة لدعم العملة الاوروبية الموحدة. وسوف تستمر البنوك الاوروبية في استبدال العملات القديمة مقابل اليورو حتى نهاية العام المقبل. واشار عدد من المؤسسات الاقتصادية الاوروبية إلى ان البنك المركزي الاوروبي لا يتفهم احتياجاتهم النقدية حيث سيتحتم على شركات ومحلات البيع بالتجزئة الاحتفاظ بكميات كبيرة من عملة اليورو لتغيير العملات القديمة المتداولة. وتخشى مؤسسات البيع بالتجزئة اضطرارها إلى اغلاق متاجرها خلال مناسبات هامة مثل اعياد الميلاد والكريسماس بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات العملات من اليورو. وقال انتي هيونونين مدير ادارة البنكنوت بالبنك المركزي الاوروبي ان المشكلة تكمن في اننا لا نعرف حتى الآن رد فعل المتعاملين والذي يبلغ عددهم 300 مليون شخص في 12 دولة تجاه اليورو مشيرا إلى ان البنك المركزي يواجه تحديا كبيرا يتمثل في عملية نقل آلاف الاطنان من العملة الجديدة إلى الدول الاعضاء في منطقة اليورو خلال فترة زمنية قصيرة بالاضافة إلى التعامل بالعملات القديمة باستثناء المارك الالماني لمدة شهرين تقريبا. ويتخوف عدد من المستثمرين الاوروبيين بشأن خطط البنك المركزي الاوروبي المتخبطة والتي تتعلق بالسماح للبنوك وشركات البيع بالتجزئة بتخزين كميات كبيرة من اليورو سواء العملات الورقية او المعدنية قبل اطلاقها للتداول بالاسواق رسميا في اول يناير 2002. ويرى مسئولون بالبنك المركزي ان الخطط تهدف إلى تحقيق الاعباء الامنية والتي تستلزمها عملية نقل كميات هائلة من اليورو ولاسيما في الدول التي لا يتوافر فيها عدد كاف من الشاحنات المدرعة إلى الاستعانة بالشاحنات العسكرية التي تمتلكها جيوشها لنقل مئات الاطنان من اليورو سواء الورقية او المعدنية. ومن ناحية اخرى يرفض فيم ديوسينبرج رئيس البنك المركزي الاوروبي تزويد المستهلكين باليورو قبل الاول من يناير المقبل مشيرا إلى ان تلك الخطوة ستنعكس سلبا على الاقتصاديات الاوروبية التي تعاني من متاعب اقتصادية حقيقية كمعدلات التضخم المالية. إعـداد: مصـطـفـى عبـدالعـظـيـم