تتواجد عملية غسيل الأموال بمختلف أنواعها في كل الدول تقريباً. وهي تقوم على نقل أو تحويل الأموال لإخفاء مصدرها غير الشرعي أو الاجرامي، فنجدها بالتالي حيث للمجرمين والاجرام تواجد، أي في معظم الأماكن. وليس هناك أي بلد بمنأى عنها وكثيراً ما تشكل البلدان التي تعاني من مشاكل قانونية أو أمنية، والتي تشهد الحروب أو حيث معدل الجرائم مرتفع مصدراً مهماً للأموال غير القانونية، لكن ذلك لا يعني ان غسيل هذه الأموال محصور بهذه البلدان فقط. على العكس يسعى المجرمون في تلك البلدان الى نقل أموالهم بأسرع ما يمكن الى بيئة أكثر ثقة، حيث باستطاعتهم الاحتفاظ بها وتوزيعها واستثمارها. لكن البلدان التي تتمتع بأوضاع سياسية واقتصادية مستقرة نسبياً كالولايات المتحدة وبريطانيا هي أيضاً عرضة للجريمة، وبالتالي تشكل مصدراً مهماً للأموال غير الشرعية. فمشكلة تبييض الأموال هي اذن مشكلة عالمية. وقد أسست في أوائل العقد المنصرم هيئة تابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD تدعى «حركة القوة العاملة المالية» (FATF) لمكافحة تبييض الأموال. وتضم هذه الهيئة الدول الاعضاء في منظمة OECD وبلدان الاتحاد الأوروبي، الى جانب تركيا وبعض البلدان الآسيوية مثل سنغافورة وهونج كونج وضعت الدول الأعضاء في هيئة FAFT مجموعة من المعايير والممارسات المشتركة للوقاية والحد من عمليات غسيل الأموال، عرفت باسم «40 توصية» (سيتم تنقيحها قريباً)، كما ان لدى الهيئة قوانين تدين المساعدة على غسيل الأموال وتعتبرها جريمة جنائية، مما يفرض على المصارف والمؤسسات المالية تقديم التقارير المناسبة الى السلطات والمؤسسات القانونية المختصة عند الاشتباه بأي عملية غسيل للأموال. وذلك كي تمنع مبيضي الأموال من الاستفادة من الخدمات التي تقدمها هذه المصارف والمؤسسات، عبر خدمة التعرف على الزبائن، ومراجعة الحسابات، وتدريب الموظفين. وفيما يختص بقطاع المصارف، تكمن أحد أهم مميزات هذه القوانين في أنها لاتدين المساعدة على غسيل الأموال فقط، بل أيضاً التخلف عن تطبيق الانظمة والقوانين المناسبة للوقاية من هذه المحاولات. كما انها تقوم بمقاضاة موظفي المصارف (وليس فقط المؤسسات التي يعملون فيها) إذا تخلفوا عن التقيد بهذه القوانين. وفي تقرير له حول الظاهرة أشار تيم باركمان وهو الذي كان يشغل حتى وقت قريب منصب الرئيس الاقليمي للإدارة القانونية لبنكي ستاندرد تشارترد وجرندليز لمنطقة الخليج والشرق الأوسط وجنوب آسيا أشار الى ان مجلس الشيوخ الأمريكي، قدر مجموع الأموال غير الشرعية التي تم تمريرها عبر النظام المالي العالمي بحوالي 500 مليار أو تريليون دولار سنوياً. وفي جميع الأحوال يصل المبلغ الى مليارات عدة على الأقل في كل عملية، وهي نسبة تفوق الدخل القومي في العديد من البلدان الصناعية. ويقول انه ليس واثقا من قيمة الأموال المبيضة في الشرق الأوسط ولا أرغب في التخمين. ولكن نظراً للأسباب المذكورة آنفاً في الفقرة (1) وفي الفقرة (3) التي تلي، لاشك ان عمليات تبييض الأموال تجري في المنطقة. ويوضح انه في منطقة الشرق الأوسط، هنالك عوامل كثيرة تجعل من البلدان التابعة لمنظمة التعاون والتطور الاقتصادي مستهدفة من قبل مبيضي الأموال، فهي تتمتع بأوضاع سياسية واقتصادية مستقرة نسبياً، وقد وظفت حكوماتها الكثير من الوقت والأموال لتطوير قطاعاتها المالية والمصرفية. تذكر انك لو كنت تقوم بتبييض الأموال لرغبت في نظام مالي موثوق تماماً كالزبائن الصادقين، وفي التأمين على أموالك (كي لا تتم سرقتها من حسابك على سبيل المثال)، والتقيد بتعليماتك، وتوفر إمكانية الاختيار بين مجموعة واسعة من الخدمات والمؤسسات المالية (المحلية والاجنبية) لتطبيق وتنفيذ مشاريعك وخطتك وفق أحدث التقنيات. على العموم تتوفر كل هذه القدرات والتسهيلات اليوم في الخليج العربي للزبائن ذوي النية الحسنة، وبالتالي لمبيضي الأموال أيضا، إلا اذا قامت المصارف باتخاذ الاحتياطات اللازمة. بالاضافة الى ذلك، هناك الأموال البترولية التي يمكن تحويلها بحرية تامة، الى جانب غياب أنظمة ضرائبية واضحة، وتوفر توقيت مناسب يسمح لك خلال النهار بالاتصال بأوروبا وبلدان الشرق الأقصى، وبلدان أمريكا الشرقية لاحقا، وهي ميزة تجذب مبيضي الأموال. أخيراً تقع البلدان التابعة لمنظمة التعاون والتطور الاقتصادية على مقربة من جنوب بلدان الاتحاد السوفييتي السابق التي تشهد اضطرابات سياسية واقتصادية عديدة، وحيث نسبة الجرائم مرتفعة جداً في الوقت الحالي، وبخاصة تلك التي تقوم بها بعض المنظمات الاجرامية المنظمة. على الرغم من انخفاض معدل الجريمة نسبياً في الامارات، التي تتمتع بأوضاع اجتماعية مستقرة، هناك احتمال بوجود عمليات لتبييض الأموال في المنطقة ويؤكد انه من الصعب تحديد المؤسسات الاكثر عرضة للتورط في عمليات تبيض الاموال، فالمؤسسات المالية وغير المالية على انواعها معرضة لهذا الخطر، وتلك هي الحال في كافة الدول. ان محلات الصرافة والمجوهرات هي الاكثر عرضة للتداول الاموال غير الشرعية وبخاصة النقدية منها، كذلك الامر بالنسبة إلى المصارف التي تقوم بفتح اعتمادات وحسابات، وبيع سلع مالية متعددة. كما قد تخاطر المصارف وشركات الاستثمار والتأمين باستلام، وتحويل، ونقل اموال غير شرعية مبيضة، من وإلى بعضها البعض ومن مؤسسات بلاد ما وراء البحار. حتى ان الشركات ذات النية الحسنة التي تبحث فقط عن مستثمرين، هي عرضة للتعامل بالاموال غير الشرعية التي تم تبييضها عبر النظام المالي المستثمر فيها، وذلك لتوفير صفة قانونية لايرادات المجرمين. وقد يمتد تبيض الاموال مثل الكرمة اينما كان، لذا يجب قطعه من الجذور قبل ان يسيطر على الحديقة باكملها. وقد اصدر مصرف الامارات المركزي في 14 من نوفمبر من العام الماضي تعميماً رقم 24/2000 يتضمن مجموعة من الاحكام وزع على كافة المصارف والصرافين والشركات المالية وغيرها من المؤسسات المالية العاملة في الامارات، وعلى مديريها وموظفيها. كما ويطبق هذا القانون على المؤسسات المالية الفرعية التابعة للامارات في بلاد ما وراء البحار التي لا تملك قوانين ملائمة لمكافحة تبييض الاموال. تنص احكام هذا القانون على ما يلي: ـ على المؤسسات المالية ابلاغ وحدة مكافحة تبيض الاموال والحالات المشبوهة التابعة للمصرف المركزي عند الاشتباه بأي عملية لتبييض الاموال. ويعاقب كل من يتخلف عن التبليغ وفقاً للانظمة والقوانين السارية المفعول. ـ على المؤسسات المالية تعيين موظف مساعد يتعاون مع المصرف المركزي لحفظ هذه التقارير والابلاغ عن الحالات المشتبه بها. ـ على المؤسسات المالية التعرف على زبائنها المعتمدين (وغيرهم من الذين يقومون بايداع وتحويل وسحب اموال نقدية تتعدى قيمتها مبلغا معيناً) والاحتفاظ بالوثائق الخاصة بهم. ـ على المؤسسات المالية ايضاً وضع انظمة ملائمة لحفظ السجلات، تسهل اعادة مراجعة المعلومات الاساسية وتسمح بحفظ السجلات لمدة 5 سنوات بعد اغلاق حساب ما. ـ على المؤسسات المالية ان تدخل على انظمتها المصرفية والالكترونية برامج خاصة لمراقبة الصفقات والمعاملات التي تقوم بها، والتعرف على غير العادية منها ووضعها قيد التحقيق. ـ على المؤسسات المالية اجراء التدريبات الضرورية الخاصة بكل المسائل المتعلقة بتبييض الاموال لكافة موظفيها (وبخاصة المسئولين عن استلام الاموال النقدية، او مراجعة الحسابات). ـ لا يجوز للمؤسسات المالية رفض التحويلات المالية المشبوهة التي تصل من بلاد ما وراء البحار واغلاق حساب مشتبه به ما رفض اتباع تعليماته قبل الحصول اولاً على موافقة المصرف المركزي. ـ كما يتضمن القانون مجموعة واسعة من امثلة ونماذج وعمليات حسابية يجب على المصارف ان تحذر منها (نذكر منها على سبيل المثال نقلاً مفاجئاً او غير متوقع لكمية كبيرة من الاموال إلى حساب ما، كمية كبيرة من الايداعات النقدية الصغيرة وغير المبررة، تتبعها حوالة ضخمة وغير مبررة ايضاً. كما ينص على العديد من الطرق التي يجب اتباعها للحفاظ على بعض المعلومات المعينة (كتفاصيل خاصة للتعرف على صاحب الاموال، ومصادر المبالغ النقدية المستعملة لشراء سبائك ذهبية، او بوليصة تأمين الخ..). لقد حرر هذا القانون المفصل وفقاً لتوصيات هيئة القوة العاملة المالية. اذ ترغب كافة المصارف في معظم الدول بما فيها الامارات بلا شك، في المزيد من الحماية الرسمية من الملاحقات القانونية التي قد تواجهها من جراء التبليغ عن بعض الحالات المشبوهة، وذلك بهدف مكافحة تبييض الاموال وتماشيا مع القوانين، فيتضح بعدها ان هذه الحالات لا تتسم بصفة غير شرعية. يشهد الكثير من الحالات عن تورط العديد من المصارف في عمليات لتبيض الاموال عمدا أو عن غير قصد، فقد اتهم مصرف «بي سي سي اي» BCCI بتورطه في عمليات تبييض اموال على مختلف الاصعدة عالميا، إلى جانب مؤسسات قام موظفوها بعمليات غير مبررة، منها قضية مصرف نيويورك Bank of New York الذي زعم قيام احد موظفيه «لوسي ادواردز» بتسهيل تمرير مليارات الدولارات عبر المصرف لصالح المافيا الروسية، ولاتزال الدعوى القانونية في هذه القضية جارية، في الواقع رفع اصحاب اسهم هذا المصرف دعوى قضائية على مديريه، تصل تعويضاتها إلى مليارات الدولارات، زاعمين ان هؤلاء قد فشلوا في منع مبيضي الاموال من استغلال المصرف ومسببين بالتالي افلاسه، كما شهد مصرف سيتي بنك في التسعينيات العديد من «الفضائح» المتعلقة بعمليات تبييض الاموال «لاسيما قضية ساليناس» التي تورط فيها شقيق الرئيس السابق لمكسيكو، كما قامت السلطة المالية «المنظم الجديد لبريطانيا» بانتقاد حوالي 16 مصرفا بريطانيا لايداعهم اموالا غير شرعية تخص الرئيس النيجيري السابق «ساني أباشا» والعديد من افراد عائلته. والحكاية نفسها تتكرر عادة، ليس ان المصارف تشارك عمدا في عمليات تبيض الاموال، بل انها اما قد فشلت في اتخاذ الترتيبات اللازمة لمراقبة هذه العمليات والتعرف عليها وايقافها، أو انها وبعد اتخاذ هذه الترتيبات قد فشلت في تنفيذها وتطبيقها، وهنا يأتي دور ادارة فعالية قد يتم توفير افضل اجهزة المراقبة واتخاذ كافة الاجراءات الضرورية، ولكن ان لم تقم الادارة باعلام الجميع انها تتوقع منهم اتباع هذه الاجراءات وتطبيقها، فعلى الارجح انهم لن يفعلوا ذلك من تلقاء انفسهم.
