الفكرة التي أعرضها في هذا المقال، وأرجو أن يتسع صدر القادة العرب والمسئولين عن التعاون الاقتصادي العربي للإطلاع عليها، والتنبيه بدراستها عن طريق المؤسسات العربية المختصة، هذه الفكرة تقوم على إنشاء مناطق اقتصادية حرة للعرب داخل المنطقة العربية، يسكنها المستثمرون العرب من الخارج والداخل، ويتولون كل ما يتعلق بإدارتها، ولا تكون لها علاقة تبعية سياسية بالحكومات العربية التابع لها أراضي هذه المناطق، إلا بالنسبة لسداد الإيجار المستحق عليها وفي تشغيل العاملين المحليين، وفي الأمن والأمان والضمان، وهو ما يحقق الإنفتاح العربي ويقود عملا إلى السوق العربية المشتركة. إن الإنفتاح العربي الفعلي بين الدول العربية أصبح ضروريا في ضوء الظروف الدولية الراهنة، على الأقل بالنسبة للمستثمرين العرب الذين هجروا وهاجروا من الدول العربية، وعلى أن يتم بموجب خطة مدروسة بعيدا عن الروتين الحكومي والبيروقراطية الإدارية، وذلك إذا أردنا أن نتجه عملا إلى تعاون اقتصادي عربي جاد يحقق التكامل الاقتصادي العربي والسوق العربية المشتركة. ولا شك أنه من أهم المزايا الملموسة التي يمكن أن تجذب المستثمرين العرب هو إنشاء مناطق اقتصادية حرة تخصص للعرب (المستثمرين ورجال الأعمال) وتقام داخل المنطقة العربية في الدول العربية التي توجد فيها عوامل الإنتاج المطلوبة، وعلى أن يتم البحث عن وسائل وطرق جديدة لتنفيذها، وبموجبها يمكن أن تنشأ منطقة اقتصادية خاصة لأبناء الخليج، ومنطقة أخرى لعرب شمال أفريقيا، وأخرى لمناطق الشام، وأيضا منطقة لمصر والسودان. تنشأ هذه المنطقة وفقا لأنظمة محددة وبالشكل والمواصفات التالية: ـ بالشكل العربي المناسب لاقامتهم من طرق وشوارع ومبان ونواد وأماكن اللهو والترف والمنتزهات، وحتى بالنسبة لأجهزة الخدمات التي يمكن تحديدها بالشكل الذي يناسبهم كالمستشفيات، وعيادات الأطباء، والمدارس ومراكز الإسعاف ومراكز الشرطة والنظافة والرياضة والمواصلات الداخلية والخارجية والفنادق والمساكن والأماكن السكنية وكافة النواحي التي تلزم لاقامتهم الإقامة المناسبة التي لا تشعرهم بالغربة وتبعدهم عن أي مشاكل ميدانية وحتى سياسية. ـ في أماكن محددة لاقامة المصانع والشركات والمحلات التجارية والأسواق وأماكن إصلاح المعدات والماكينات وحتى السيارات الملاكي وسيارات النقل، وأماكن الشحن والتفريغ في الموانئ إن وجدت، وكذلك المصارف ومحطات السكك الحديدية، وهي الأماكن التي يقضون فيها أكثر أوقاتهم في العمل والإنتاج المطلوب بالإتفاق مع هيئات استثمار داخلية يمثلون فيها أو في التصدير والاستيراد أو في الاعداد الصناعي وللسلع والخدمات والمنتجات الأخرى بالمنطقة. ـ المعاملة مع السلطات المحلية في الدولة المقام بها المنطقة يتعين أن تكون في ضوء نظام موضوع لهذا الغرض وفي أضيق الحدود حتى تبتعد المنطقة عن الروتين والبيروقراطية وبحيث يتضمن مجلس إدارة المنطقة ممثلين للمقيمين فيها وللسلطة المحلية. ـ الاستفادة من المنطقة يتعين أن تمتد إلى الطرفين: الدولة والمستثمرين فيها، فالدولة تحصل على إيجار من مجلس إدارة المنطقة يتناسب مع موقعها ومدى بعدها أو قربها عن العمران، ومع مساحتها، كما تستفيد الدولة من فرص العمالة التي توفرها هذه المناطق للعمال المحليين، من التعامل التجاري معها حيث يتعين أن يكون الأولوية للدولة الأم استيرادا وتصديرا ونقلاً ومروراً.. الخ، أما المستثمرين فإن استفادتهم تتمثل في حرية معاملاتهم وعدم فرض أية قيود عليها إلا لأغراض الأمن أو الصحة العامة وأن يكون لاقامتهم بالمنطقة أوضاع خاصة ومتميزة لا تجعلهم ينفرون الإقامة فيها أوضاع تقترب من أوضاع بلادهم الأصلية. يقوم مجلس الإدارة بالإشتراك مع الحكومة، في البداية، بوضع وصياغة الأنظمة العامة للمنطقة والقواعد التي تسري عليها وعلى المقيمين بالمنطقة وإجبارهم والتزاماتهم تجاه المنطقة وتجاه الدولة، وأن يكون ذلك في لوائح محددة توزع على كل المستثمرين والعاملين في المنطقة وعلى كل الدول التي تشكلها. ـ البنوك العاملة في المنطقة يمكن أن تنقسم إلى مايلي: ـ فروع بنوك محلية للبنوك التي تستطيع فتح فروع لها بناء على موافقة من البنك المركزي التابع للدولة، ويفضل أن تكون هذه الفروع خارج لوائح البنوك المحلية سواء في معاملة العاملين أو في التعامل مع العملاء أو حتى في الأنشطة التي تقوم بها، مع تقديم أقصى ما تستطيع من خدمات مالية. ـ فروع بنوك الدولة العربية التي تنشئ المنطقة وعلى أن تحصل على تصاريح من مجلس إدارة المنطقة، ويمكن أن تسير بنفس الأنظمة التي تعودت عليها في الدول التابعة لها بالنسبة للأنشطة ومعاملة العملاء ولوائح العاملين. ـ فروع بنوك أجنبية تطلب العمل بالمنطقة ويتعين أن تعرض طلبات فتحها على مجلس إدارة المنطقة لدراسته من نواح عديدة، بالنسبة لمدى التمويل بالمنطقة، والمنافسة في الخدمات التي تقدمها وجلب تكنولوجيا مصرفية حديثة تساعد على بث تكنولوجيا فنية إلى المصانع والمشاريع والشركات الكائنة بالمنطقة. وبالتالي فإن قطاع البنوك في المنطقة يمكن أن يقوم بعمليات التمويل الرئيسي للمنطقة وعلى أن تكون هذه البنوك مسئولة عن نفسها لا تتبع البنك المركزي للدولة ولا أي بنك مركزي آخر ويمكن أن تقيم إتحاداً فيما بينها لتنسيق أعمالها وتنظيم الأنشطة التي تقوم بها. ولكي ينجح المشروع المقترح، فإنه يتطلب إنشاء مجموعة عمل لدراسة ووضع قواعده وتنظيم أعماله، وعلى أن تبتعد عن الروتين الحكومي وأن تضم هذه المجموعة المصرفيين ورجال النقد العرب الذين خرجوا من الخدمة للإحالة على المعاش أو لأي سبب آخر بعيدا عن مخالفات أو إتهامات سلوكية أثناء الخدمة المصرفية. الخبرات الفنية من رجال الصناعة ورجال الأعمال الذين لهم إنجازات معروفة في أنشطة محددة أو الذين قدموا اقتراحات عملية وتكنولوجية يمكن إن تم العمل بها أن تفيد الدول العربية. الموهوبون والجادون الذين تهتم بهم الدولة والذين قضوا عشر سنوات على الأقل في الخدمة العملية في ميادين مختلفة وبجداره بارزة. المستثمرون العرب في الخارج الذين لهم مشروعات خارجية استفادت منها الدول الأجنبية في ميادين صناعية أو بنكية أو مالية أو خدمية أخرى. إنها مقترحات مبدئية قد تتطلب تعديلات من رجال الاقتصاد والقانون، وقد يجرى بحثها أولا مع بعض الدول العربية التي ستشارك في تنفيذها، خاصة تلك التي أنشأت في بعض الدول العربية مدنا باسم رؤسائها كمدينة زايد ومدينة الصباح، المهم أنها في تصوري ستكون الطريق العلمي لجذب الاستثمارات العربية من الخارج التي تقدر حاليا بحوالي 800 مليار دولار أمريكي، كما أنها يمكن أن تؤدي إلى قفزة سريعة وتقدم كبير في اقتصاديات المنطقة العربية بأكملها وبالتالي إلى إنشاء السوق العربية المشتركة. ـ مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية