وقفنا في الحلقة الماضية على بعض ملامح الفلسفة الاقتصادية الاسلامية.. الخاصة بمحاربة الاستغلال والظلم. ووجدنا ان كل الانظمة الاجتماعية الوضعية ـ نشدد على كلمة كل ـ تعد جائرة في جوهرها لانها تقوم او ينتج عنها الاستغلال والظلم. واليوم نتابع مجريات ومعطيات هذه الفلسفة مع التركيز على جوانبها الاقتصادية. الاسلام كما يذكر سيد قطب (رحمه الله) في كتابه (العدالة الاجتماعية في الاسلام) لا يحصر العبادة في اقامة الشعائر، وانما هي الحياة كلها يتوجه الانسان بكل نشاط فيها إلى الله عز وجل «اعمل لدنياك كأنك تعيش ابداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً». العمل المقترن بالعلم. والاسلام يفرض العلم على الناس جميعاً «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» ولم يعرف التاريخ الاسلامي اطلاقاً تلك الاضطهادات الخطيرة لرجال العلم والفكر والتي اغرقت اوروبا قروناً عديدة في العصور الوسطى. يسير الاسلام في سياسته الاقتصادية سواء السياسة العامة او السياسات الاقتصادية المتخصصة.. على هدى فلسفته العامة التي تقوم على ركيزتين اثنتين هما: ملاحظة مصلحة الفرد وتحقيق مصلحة الجماعة. فلا يقف في وجه الفطرة الانسانية ولا يعيق سنن الحياة ولا نواميس الطبيعة الاصلية وغاياتها السامية العليا.. ولكي يحقق هدفه في سياساته هذه فإنه يطبق وسيلتين متلازمتين ومتوازيتن ومكملتين هما التشريع والتوجيه: فيبلغ بالتوجيه ترغيب الناس على انفاق المال بالطرق المقررة شرعاً ويحثهم على ذلك، فالترغيب بالجنة والترهيب بالنار هما احدى وسائل ذلك التوجيه ويهدف بالتشريع تحقيق الاهداف العملية الكفيلة بتحقيق مجتمع صالح قابل للتطور والنماء باستمرار ان سياسة الاسلام الاقتصادية بوسائلها هذه تشكل في الواقع استراتيجية اقتصادية حديثة بكل ما تحمله الكلمة من معان وطروحات. فالاستراتيجية اليوم بالمفهوم الحديث تعني الخطة العامة المؤدية إلى الظفر النهائي في مرحلة معينة من مراحل التاريخ. وعناصر الاستراتيجية هنا ثلاثة: الهدف والوسائل ويربط بينهما المنهاج. وفي الاسلام الهدف هو (المجتمع الصالح الذي يتطور وينمو باستمرار) والوسائل (التشريع والترغيب) والمنهاج.. عمل واجراءات الفرد والمجتمع بأطر شرعية محكمة وواضحة واستخدام كل الوسائل المتوفرة. مادية وغير مادية ـ في المجتمع بطرق علمية واقتصادية ايضاً. ان جوهر الفلسفة الاقتصادية الاسلامية ـ ينبع من جوهر الفلسفة الاسلامية العامة. القائمة على الوسطية «وكذلك جعلناكم امة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً». (البقرة 143). كما يقول الاستاذ محمد عمارة في كتابه (ازمة الفكر الاسلامي المعاصر) فإن الوسطية في المنظور القرآني هي صيغة رئيسية وجامعة للأمة الاسلامية.. بل انها ارادة الله لهذه الامة.. وتعني رفض الانحياز إلى طرف ضد طرف آخر او قطب من اقطاب الظاهرة دون القطب الآخر فإنها ليست التوسط المعزول عن الطرفين بل انها موقف جديد وثالث، لكنه لا يغاير قطبي الظاهرة المدروسة وانما يجمع ـ بالنظرة الشاملة ـ كل ما يمكن جمعه ويؤلف كل ما يمكن تأليفه. انها العدل والتوازن بين القطبين انها الحق بين باطلين والعدل بين ظلمين.. والاعتدال والتوازن بين تطرفين وعلوين.. فالكرم توازن وعدل بين الشح والاسراف والشجاعة وسط بين الجبن والتهور فيها من تأني الجبان ومن اقدام المتهور. واذا اردنا ان نستعير التعابير الفلسفية الاكثر عمقاً ودلالة.. وبالاخص الفلسفات الجدلية ـ الديالكتيكية ـ بدءاً بفلسفة هيراقليطس عند اليونان القدماء حوالي 500 ق.م ومروراً بعلم الكلام عند فلاسفة الاسلام وبالاخص فلسفة الامامين الكبيرين الغزالي وابن رشد وانتهاء بالفلاسفة في العصر الحديث من امثال بيكون وهيفل وقورياخ.. نصل إلى نتيجة مفادها ان الفلسفة الاسلامية.. حين تجمع وتؤلف بين العناصر المتناقضة والمتضادة.. فانها تقوم على اعادة وتركيب ومزج الافكار المتناقضة مزجاً علمياً مرموقاً لتصل إلى حالة التوازن والاستقرار فكل ظاهرة بحسب تعبير غالبية الفلاسفة تحمل في طياتها عوامل فنائها.. بمعنى انها ستموت حكماً.. لتحل محلها ظاهرة اخرى والظاهرة الجديدة.. في البداية تنمو لتتصادم مع الظاهرة القديمة وتقضي عليها.. ثم تبقي الظاهرة الجديدة التي ولدت من التصادم.. هي الاخرى تحمل عوامل فنائها في داخلها وتجرى عليها ما جرى للظاهرة الاولى.. ونتيجة لهذه التفاعلات تتبدل الحياة.. وتنتقل من طور لآخر. ولكن مع كل تفاعل تموت عناصر ايجابية كثيرة.. وتخلق عناصر سلبية جديدة في حين انه في الفلسفة الاسلامية.. لا تموت العناصر الايجابية في الظاهرة القديمة.. وانما تستمر لتشكل مع العناصر الايجابية الجديدة وحدة متكاملة.. فعلى سبيل المثال في نطاق نظام الاسلام الاقتصادي يتوسط بين حرية الفرد المطلقة او شبه المطلقة كما هو الحال في النظام الرأسمالي. وبين الغاء حرية الفرد الاقتصادية تماماً او بشكل شبه كامل كما هوا لحال في الانظمة الاشتراكية.. فهو يدافع عن حرية الفرد لتكون محفزاً للنشاط الاقتصادي ولتكون اداة فعالة في التقدم والعمران. وبنفس الوقت يدافع عن مصلحة الجماعة والمجتمع.. حينما تشتط المصلحة الفردية.. او ينجم عنها آثار ضاره بالمصلحة العامة. فإذن الاسلام يتوسط هذين النظامين (لا توسطاً حسابيا اوجغرافيا او قياسياً وانما توسط فلسفي جامع في نموذجه ما يمكن جمعه وتأليفه من عناصر ايجابية في كلا النظامين المتناقضين والقاصرين ايضاً.. ليجعل نموذجه عادلاً ومتوازناً دائماً.. ومتطوراً باستمرار.. وهذه ميزة الوسطية الاسلامية والوسطية في الاسلام تنسحب على كل فعاليات الحياة من سياسية واجتماعية وثقافية وفكرية.. ومرة اخرى فالوسطية الاسلامية ترفض الفلسفة المادية التي تستند عليها المدارس البورجوازية والرأسمالية والاشتراكية كما انها لا تقبل الفلسفات المثالية على علاقتها.. انها بالتحليل النهائي فلسفة مثالية موضوعية.. وفي رأينا انها تجمع ايضاً مزايا الفلسفتين المتناقضتين وتضيف عليهما روقناً اسلامياً جديداً قائداً للتطور والتقدم وباستمرار. واخيراً فإن فلسفة الاسلام مرهفة الحس، فالتربية الاسلامية تخلق وجداناً يقظاً وضميراً حياً يعمل دون رقابة لانه يخشى الله ويخاف من غضبه ومعصيته، ويخاف من ظلم العباد. لان الظلم والاستغلال لا وجود لهما في قاموس الحياة الاسلامية لان الاسلام ربط بين فناء الامم والجور. وديمومتها والعدل بغض النظر عن معتقداتها او دينها. «دولة العدل مع الكفر تدوم ودولة الظلم مع الاسلام لا تدوم». وهناك العديد من الامثلة التي لا تعد ولا تحصى على ذلك الحس المرهف وذلك الشعور الشفاف والحساس. ان الدارس والمتتبع للفكر الاقتصادي الاسلامي خاصة للأسس وقواعد هذا الدين الحنيف عامة. يصل إلى نتيجة مفادها ان النظام الاقتصادي الاسلامي. هو نظام خاص بل وخاص للغاية وسط منظومة هائلة من الانظمة الاقتصادية والاجتماعية المتناقضة والمتعثرة عبر التاريخ الطويل. وان التطبيقات الاسلامية في عصر الاسلام الذهبي ـ عصر الخلافة الراشدة ـ خير شاهد على ذلك.. ولما كان تصنيف وتقويم المذاهب الاقتصادية يستند بالدرجة الاولى على جملة معايير اساسية وموضوعية كشكل الملكية وشكل ادارة الانتاج وكيفية توزيع الناتج بين فئات المجتمع المختلفة. فيبدو ان البحث لاثبات جدارة المدرسة الاقتصادية الاسلامية يتطلب بالدرجة الاساسية الحديث عن تطبيقات اسلامية محددة وهذا ما سنعالجه ان شاء الله في الحلقات المقبلة. استاذ اقتصاد جامعي