تناولنا في الحلقة الأولى واقع الإدارة الاقتصادية في القطاع العام سواء الشركات والمصانع التي تعود ملكيتها للحكومة الاتحادية أو الحكومات المحلية أو المؤسسات الاقتصادية العامة وحددنا أوجه الخلل في الإدارة وانعكاسات ذلك الخلل على أوضاعنا الاقتصادية، ونحاول هنا ان نحدد معالم الإدارة الاقتصادية في مؤسسات القطاع الخاص ووحداته مؤكدين على أهمية الإدارة الاقتصادية على صعيد القطاع العام أو الخاص. واذا كانت سنوات السبعينيات قد حققت الدولة فيها طفرة مادية كبيرة لم يحسن توظيفها في خدمة الاقتصاد الوطني بسبب سوء الإدارة الاقتصادية، فان الأمر لايختلف كثيرا بالنسبة للقطاع الخاص حيث استطاع هذا القطاع ان يحقق مكاسب كبيرة بسبب الطفرة المادية التي تعود اساساً الى الايرادات النفطية للدولة، وحجم الانفاق الحكومي الضخم خلال سنوات التأسيس وهنا استفاد القطاع الخاص كثيراً، وعلى الرغم من الفساد الاداري والمالي في وحدات القطاع الخاص آنذاك بسبب غياب الإدارة الاقتصادية الكفؤة ووجود هيمنة أجنبية واضحة على إدارة القطاع الخاص، إلا ان آثار ذلك الفساد لم تظهر بشكل واضح وذلك لضخامة العائد والمكاسب العائدة بسبب رغبة الدولة والحكومات المحلية في احداث بنية اساسية متطورة تحقق نقلة اجتماعية ومادية لمجتمع الامارات. لقد حققت شريحة من المواطنين التي دخلت السوق ولاسيما في قطاع التشييد والبناء والعقارات، وقطاع المقاولات ارباحاً كبيرة لم تكن تحلم بها، واستفاد العاملون في شركات هذين القطاعين كثيراً من الانفاق الحكومي حيث طرحت الدولة، والحكومات المحلية مشاريع كبيرة، وكانت الاستثمارات الرأسمالية ضخمة وما كان لشريحة المواطنين ان يحققوا تلك المكاسب إلا عندما توفر الهدف المشترك لدى أصحاب الشركات المواطنين والعاملين فيها من الوافدين تمثل هذا الهدف في تحقيق أرباح تعود بالفائدة على الطرفين، ولكن في ظل اندفاع أصحاب الشركات والمؤسسات الخاصة نحو تحقيق أرباح قياسية فانهم لم يجدوا بداً من تعزيز ثقتهم في الإدارات الاجنبية وحينها وجدت هذه الادارات ثقة كبيرة من أصحاب المال تمثلت في هيئة توكيلات تمنحهم كامل الحرية في التصرف، وصلاحيات واسعة في اتخاذ القرارات الهامة، واعتماد المشاريع التي تجدها تلك الادارات انها تخدم الهدف المنشود ولكن لم تكن هذه الثقة الكبيرة والصلاحيات الواسعة لتخدم أهداف ومصالح الطرفين في بعض الاحيان وذلك عندما خان هذا البعض هذه الثقة وأصبح يجيز القرارات لصالحه مستغلاً غفلة أصحاب المشاريع وانشغالهم بحياتهم وترتيب شئونهم الخاصة، أو بانشغالهم بمشاريع اخرى بعد توسع أعمالهم، وأصبح هذا البعض ومن منطلق المثل القائل (المال السايب يعلم الناس السرقة) ينهبون أموال الشركة أو المؤسسة ويعقدون صفقات مع شركات ومؤسسات اخرى منافسة وتفشت كل اساليب النصب والاحتيال، وبدلاً من ترجمة ثقة أصحاب الشأن الى أرباح لصالح الطرفين فان هذا البعض الذي تفنن في اشكال النصب والاحتيال يقحم أصحاب الشركات في مشاكل مالية والتزامات قانونية ترتبت عليها خسائر كبيرة ليست مالية فحسب وانما نفسية واجتماعية حينما أصبح أصحاب المشاريع امام المسألة القانونية امام القضاء والشرطة وسواء بقى أولئك المسئولين عن هذه الجريمة في البلاد أو هربوا فانهم يعرفون جيداً ان القضاء لن يمسهم ولن يكونوا مسئولين قضائيا، فيما يتعلق بالالتزامات التي ترتبت على الشركة أو المؤسسة تجاه الغير بل لن يترددوا للحظة عن مقاضاة أصحاب الشركة في حال عدم قيامهم بسداد حقوقهم المادية، على الرغم من انهم السبب في تلك المشاكل وحينها يصبح أصحاب الشركات امام خيارين فاما الدفع وسداد كافة الالتزامات المترتبة على شركاتهم أو السجن الذي قد لايخرجون منه الا بعد سنوات طويلة يكونوا قد انهوا حياتهم فيها، وحينها لاينفع الأسف أو عض أصابع الندم، أو حتى قضمها. لقد كان للغياب الحقيقي لأصحاب الشركات، أو لسوء الادارة الاقتصادية حينما قاموا بتفويض اناس ليسوا ثقة لذلك التفويض بإدارة أموال الشركة واعطائهم مطلق التصرف في شئون الشركة الاثر المباشر في تكبدهم لخسائر جسيمة حصدت كل ما كسبوه خلال سنوات الطفرة وكان لغياب الرقابة والمتابعة الدقيقة لشئون الشركات أو المؤسسات من قبل أصحابها عاملاً اساسياً في كل تلك الخسائر فيما استغل بعض المديرين والمسئولين المفوضين لكل تلك الثقة ومارسوا لعبتهم وحرفتهم في استغلال الثقة لاسيما وانهم يؤمنون بأن الفرصة لا تأتي مرتين، وهكذا لعبوا في أوراق وسجلات الشركة، ونهبوا اموالها بفتح حسابات خاصة بهم واستطاعوا ان يحصلوا على قروض وتسهيلات من المصارف بضمان الشركة ووجدوا من يتعاون معهم في تلك المصارف مقابل نسبة معينة، فيما هي الصورة التي تعرض على أصحاب الشأن دوماً ما تكون زاهية، والسجلات دوماً تعكس ارباحاً حقيقية تحققها الشركة، فيما هي الخسائر هي التي حققتها هذه الشركة أو تلك. وهكذا وفي ظل سوء الادارة الاقتصادية للمشروعات الخاصة والتي يكون طرفاها صاحب الشركة، بعدم متابعته ومراقبته وانشغالاته، والمدير المسئول عن تنفيذ مشروعات الشركة بسبب قلة أو ضعف امكانياته أو لعدم جدارته بالثقة ورغبته بالسرقة فانه كثيراً ما تحدث صدمة عنيفة ليس لصاحب الشركة فحسب وانما للاقتصاد الوطني حيث ان تعرض الشركات والمؤسسات المؤلفة للقطاع الخاص لخسائر متتالية أو حالات افلاس بسبب سوء الادارة الاقتصادية انما يعني حدوث هزة عنيفة تنعكس على سمعة الاقتصاد وعلى مسيرة التنمية وتعطيل أهدافها، ثم يؤدي تكرار تلك الخسائر أو حالات الافلاس الى زعزعة الثقة في المجتمع الاقتصادي والتجاري وبالتالي الى تدفق السيولة من الاقتصاد الوطني والسوق المحلية الى الاقتصادات الاجنبية والأسواق العالمية، فيما تتفشى الجريمة الاقتصادية وتحدث المصادمات بين الملاك والاداريين التنفيذيين، وتصبح المحاكم وادارات الشرطة ميادين لحروب لها انعكاسات خطيرة ليس على الوضع الاقتصادي وانما على الأوضاع الاجتماعية والامنية. ان ملكية الدولة لمشاريعها ولشركاتها ومؤسساتها، وملكية أصحاب الشركات والمؤسسات بالقطاع الخاص انما يجب ان تكون نابعة من وجود ادارات اقتصادية جيدة منتقاة ومختارة بدقة جيدة، في الوقت ذاته يجب اعطاء أولوية العمل في صنع القرار للادارات المواطنة ذات الكفاءة العالية، والمعرفة الاكيدة بشئون البلاد والحريصة على الاقتصاد وهنا تأتي سياسة وأولويات التوطين الذي يجب ان يتم وفق الادارة الاقتصادية شريطة وجود معايير دقيقة في الاختيار، وشريطة عدم تغييب الخبرة المواطنة ومع ضرورة المتابعة والمراجعة الدقيقة لمشاريعنا العامة والخاصة، والرقابة اللصيقة للخبرات والادارات غير المواطنة، مع التأكيد على أصحاب الشركات والمؤسسات الخاصة عدم منح صلاحيات وتفويضات مفتوحة للادارات الوافدة في إدارة شئون شركاتهم ومؤسساتهم مع ضرورة وجود قيود وضوابط رقابية للحيلولة دون حدوث تجاوزات لاتنعكس على أصحاب الشركات فحسب وانما على الاوضاع الاقتصادية والامنية والاجتماعية للدولة، مع ضرورة عدم التوسع في المشاريع في ظل عدم القدرة على المتابعة والرقابة والمراجعة حتى لاتحدث خسائر وصدمات مالية يتكبدها أصحاب المشاريع أو الشركات حينها لاينفع الندم أو حتى عض أصابع القدم!!