لسنوات عديدة الآن تم وضع ما اتفق على تسميتهم بالنمور الآسيوية أي تايلاند، إندونيسيا، كوريا الجنوبية ، ماليزيا، سنغافورة، تايوان وهونج كونج من قبل العديد الخبراء الاقتصاديين على أنها النموذج الأمثل لجميع الدول النامية الراغبة في تحقيق قفزات تنموية ومعدلات نمو اقتصادي عالية، وذلك لما حققته خلال الخمس والعشرين سنة الماضية من معدلات نمو سريعة تفوق بمرتين معدلات النمو في باقي دول العالم مما دفع العديد من خبراء التنمية الاقتصادية إلى القول ان على الدول الفقيرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية ان هي أرادت أن تصبح دولاً غنية ما عليها سوى أتباع هذه المعجزات الاقتصادية في شرق آسيا، ولكن هذه المعجزات لم تستمر طويلا إذ ضربت النمور الآسيوية أزمة اقتصادية حادة في عام 1997. بدأت الكارثة من تايلاند التي ولأكثر من عشر سنوات تمكنت من استقطاب استثمارات أجنبية ضخمة مما جعلها من أكثر مناطق العالم جذبا للاستثمارات المباشرة الأمر الذي مكنها من تحقيق معدلات نمو تزيد على 8 من الناتج القومي الإجمالي، ولكن هذا الوضع لم يستمر طويلا وبدأت الصادرات في الانخفاض بشكل كبير وتراكمت الديون المعدومة مما حدا بالمقرضين وبصفة خاصة المصارف إلى الحد من عملية الإقراض ومن ثم إيقافها تماما. وقد توقع بعض المضاربين على العملات أن يتم تخفيض قيمة العملة التايلاندية الأمر الذي دفعهم إلى الاقتراض بالعملة التايلاندية (البات) ومن ثم بيعها مقابل الدولار والعملات الحرة الأخرى على أمل تحقيق أرباح طائلة بعد إعادة شراء البات بسعر أقل بعد خفض قيمته، وفي شهر يوليو قامت الحكومة التايلاندية بخفض قيمة عملتها على أمل أن تؤدي هذه الخطوة إلى دعم الصادرات التايلاندية بعد جعلها أقل ثمنا في السوق الدولية ، وخوفا من تكون صادراتها اكثر كلفة وأقل تنافسية قامت الدول الآسيوية الأخرى بدورها بتخفيض قيمة عملاتها، هذه الخطوات المتابعة من قبل الحكومات دفعت العديد من الشركات الدولية إلى سحب استثماراتها من هذه الدول الأمر الذي أدى في النهاية إلى إثارة موجة من الرعب في أسواق المال الآسيوية مما نتج عنه أزمة اقتصادية عارمة اجتاحت الاقتصاد العالمي برمته. ان هذه الأزمة التي ضربت جنوب شرق آسيا قد كشفت مما لا يدع مجالا للشك حقيقة المعجزة الاقتصادية الآسيوية التي تم الترويج لها من قبل الغرب الرأسمالي الذي صنع هذه المعجزة المزيفة لمواجهة المد الشيوعي الاشتراكي الذي بدأ يهدد هذه المنطقة الإستراتيجية في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي خاصة بعد اعتناق الثورة الصينية بقيادة ماوتسي تونج للمذهب الاشتراكي الأمر الذي أدى إلى تهديد القلعة الرأسمالية في الشرق (اليابان)، وقد ساق الغرب العديد من الأسباب والمسببات لإضفاء وتكريس الصورة الإعجازية على عملية النمو الاقتصادي في هذه الدول ، وسوف نقوم في هذه المقالة بسرد بعض هذه الادعاءات ومن ثم تفنيدها بطريقة علمية صرفه تعتمد أساسا على البراهين والأدلة. ـ الإدعاء الأول: أن معدلات النمو السريعة لاقتصاديات النمور الآسيوية كان نتيجة خصائص معينة وأسلوب تفكير تتميز به الشعوب والحكومات في شرق آسيا، وقد كانت مميزات مثل الاجتهاد، الولاء، تشجيع الملكية الفردية، إعطاء الأولوية للتعليم والالتزام تجاه الاستثمار الأجنبي الأسباب الرئيسية وراء هذه المعجزة الاقتصادية ، لهذا السبب فإن على دول العالم الثالث الاستفادة من هذه التجربة الفريدة التي غيرت الكثير من المفاهيم والنظريات التي تحكم علم الاقتصاد. ـ الرد على الإدعاء الأول: إن السبب الحقيقي وراء الصعود الخارق لما يعرف بالنمور الآسيوية يرجع بصورة أساسية إلى المصالح الإستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية، حيث انه بعد الحرب العالمية الثانية أحست الولايات المتحدة بحاجتها إلى اليابان كشريك إستراتيجي في الشرق الأقصى يمكنها من تنفيذ إستراتيجياتها لضمان نفوذ سياسي وعسكري في المنطقة، وقد طورت الولايات المتحدة إستراتيجية حرب باردة لاحتواء المد الاشتراكي وحركات التحرير الوطنية في الشرق الأقصى فقد أقامت ودعمت تايوان لمواجهة الصين التي يحكمها الحزب الشيوعي بقيادة ماوتسي تونج كما دعمت كوريا الجنوبية الناشئة لتكون حائطا في وجه كوريا الشمالية، من أجل هذه الأهداف الإمبريالية الأمريكية أضحت دول شرق آسيا الوجهة الأولى للاستثمارات والمعونات الاقتصادية الأمريكية واليابانية كما منحت منتجات وسلع هذه الدول منفذ إلى السوقين الأمريكية واليابانية لذلك كله استطاعت هذه الدول من تنمية اقتصادياتها بصورة سريعة وتحقيق معدلات نمو عالية. ـ الإدعاء الثاني: إن النمور الآسيوية أضحت شركاء أكثر استقلالية في الاقتصاد العالمي نتيجة اعتناقها لاقتصاد السوق وتحولها التدريجي إلى الديمقراطية. ـ الرد على الادعاء الثاني: أن التنمية الشاملة التي شهدتها نمور آسيا كانت في المقام الأول بسبب وقوعها تحت نفوذ وسيطرة واستغلال ما تعرف بالإمبريالية العالمية التي تحمل رايتها الولايات المتحدة وشريكتها الاستراتيجية في الشرق الأقصى اليابان إضافة إلى الأنظمة الشمولية والدكتاتورية التي اعتلت سدة الحكم في بعض تلك الدول خلال النصف الثاني من القرن الماضي مثل نظام سوهارتو في إندونيسيا وماركس في الفلبين وغيرها من الأنظمة العسكرية الدكتاتورية التي تدحض بشكل واضح الإدعاء القائل بدور الديمقراطية في نهوض دول شرق آسيا، لا شك في أن الدول العظمى تعتمد بشكل كبير على موارد العالم الثالث من عمالة رخيصة وموارد أولية وأسواق كبيرة تستوعب الغث والسمين من سلع الدول المتقدمة، وفي المقابل تعتمد الدول النامية بدورها على معونات ودعم الدول الكبرى التي تحدد ملامح الهياكل الاقتصادية لهذه الدول النامية، وإلى أن يتم القيام بتحولات جوهرية وإدخال تعديلات جذرية على هياكلها الاقتصادية فإن الدول النامية سوف تظل قابعة في ذيل الأمم وسيظل النمو فيها مقترنا ومعتمدا على رؤوس الأموال القادمة من الغرب وعلى الطلب على سلعها من قبل الدول الكبرى وهو السبب الذي من أجله تخوض هذه الدول حربا طاحنه غير متكافئة على طاولة المفاوضات في منظمة التجارة العالمية، والتساؤل الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو ماذا يعني هذا في حالة دول شرق آسيا المطروحة أمامنا؟ يعني ذلك ببساطة هو أن كل دولار من الاستثمار الغربي والياباني يتم إنفاقه في اقتصاد هذه الدول يؤدي إلى تكريس الاستغلال الغربي لها، لاشك أن الاستثمار الأجنبي قد أدى إلى دعم النمو الاقتصادي ولكن السؤال الملح هنا أي نوع من النمو قد تم تحقيقه ولمن؟ إن العملية التنموية في الشرق الأقصى اعتمدت بشكل أساسي على حاجات الدول الكبرى الأمر الذي أدى إلى تطور ملحوظ في القطاعات والصناعات المخصصة للتصدير ولم يصاحب هذا التطور تطور مماثل في القطاعات التي تخدم الحاجات المحلية، هذا الوضع أدى بدورة إلى اعتماد أكبر على الدول الكبرى واختراق وسيطرة أكبر للبنوك والشركات الأجنبية إضافة إلى تعطيل الكثير من القوانين التي كانت توفر قدراً من الحماية للعمال في مواجهة استغلال أصحاب العمل التي تشكل الشركات الأجنبية السواد الأعظم منهم كذلك تعطيل القوانين الخاصة بحماية البيئة، فعلى سبيل المثال النمو السريع في كوريا الجنوبية من الخمسينات إلى السبعينات كان بشكل رئيسي مؤسس على الأجور المنخفضة والتعامل الحازم مع العمال واتحاداتهم وظروف العمل القاسية إضافة إلى الاعتماد على التكنولوجيا المستجلبة من الدول الكبرى وخاصة اليابان، إن الربط بين الديمقراطية والنمو الاقتصادي في تلك الدول تحليل غير صحيح إذ أن التنمية قامت تحت أنظمة حكم شمولية ودكتاتورية فعلى سبيل المثال فان النمو السريع في إندونيسيا لم يبدأ إلا بعد اعتلاء نظام سوهارتو المدعوم من قبل الولايات المتحدة لمقاليد السلطة في بلاده بعد مجازر راح ضحيتها آلاف الإندونيسيين، وبالرغم من أن الاستثمارات الأجنبية أخذت في الانهمار عليها من كل حدب وصوب إلا أن تلك الدول لم تستطع وبالرغم مما يقال من استغلال هذه الأموال الاستغلال الأمثل نتيجة الفساد وسوء الإدارة مما أدى في نهاية الأمر إلى حدوث تلك الأزمة الاقتصادية الطاحنة. ـ الإدعاء الثالث: إن اعتناق اقتصاد السوق الحر هو الذي جلب أموالاً طائلة إلى أسواق هذه الدول في صورة مشروعات إنتاجية أو ملكية عوامل إنتاج أو مضاربات مالية. ـ الرد على الإدعاء الثالث: لقد أدت الرغبة في تحقيق أرباح كبيرة وسريعة إلى قدوم العديد من الاستثمارات قصيرة الأجل التي تعتمد على المضاربة في البورصات إذ تقوم هذه النوعية من الاستثمار على شراء الأسهم ومن ثم بيعها في أقرب فرصة وهو ما ساعد على حدوث الأزمة المالية التي تحولت إلى أزمة اقتصادية شاملة عمت العالم، كما لم يحد اقتصاد السوق من الفساد والرغبة في تحقيق ثروات كبيرة في أقصر وقت بل على العكس من ذلك فقد رعى الجو الاقتصادي العام القائم كما أسلفنا على الاقتصاد الحر هذه الرغبات مما جلب الخراب والدمار على اقتصاديات هذه الدول الناشئة نتيجة هروب السواد الأعظم من الاستثمارات الأجنبية تاركة خلفها المزيد من الخراب ، في عالم اليوم حيث يستثمر الرأسماليون من دول وأفراد ما بين 1 تريليون و2 تريليون دولار يوميا في الاتجار والمضاربة على العملة وهو ما يعتبر من وجهة نظري السبب الرئيسي وراء الأزمة الاقتصادية في آسيا وخير دليل على هذه المقولة هو ارتباط اسم جورج سوروس بالأزمة المالية في ماليزيا وكذلك الأزمة الاقتصادية في عموم جنوب شرق آسيا، في هذه الحقبة من الرأسمالية السريعة إذا صح التعبير التي يجب أن يستجيب فيها رأس المال بشكل سريع لأي فرصة يمكنه من خلالها تحقيق الربحية تنساب رؤوس أموال طائلة في صورة استثمارات قصيرة الأجل من بلد إلى آخر باحثة عن أرباح سريعة ونتيجة لذلك تدخل وتخرج الكثير من الأموال من وإلى المؤسسات المالية وأسواق المال والبورصات في العالم الثالث، وحيث أن العولمة الاقتصادية تعني في المقام الأول المزيد من قابلية الحركة والانتقال لرؤوس الأموال والاستثمارات من مكان إلى آخر دون حواجز أو عوائق حقيقية تذكر وفي المحصلة فإن العولمة تعني باختصار القدرة على دمج التقنية الحديثة والعمالة الرخيصة مع شبكة تسويق على مستوى دولي لتحقيق أكبر نصيب من التجارة الدولية سواء للشركات أو الدول. جامعة كيس وسترن ريزيرف