يرسم المحللون صورة وردية للاقتصاد العالمي، فقد توقع صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير ان الاقتصاد العالمي سوف يحقق معدل نمو بنسبة 4.7% خلال العام الجاري، في الوقت الذي أشار فيه تقرير سابق لنفس المؤسسة المالية العالمية (في مايو) الى ان النمو العالمي خلال العام الجاري سوف يكون الاسرع من 12 عاما. ويقول الصندوق ان النمو سوف يكون في جميع انحاء العالم، خاصة اوروبا التي يتوقع ان تسجل معدل نمو لم يتحقق منذ الثمانينيات. ولم يكن صندوق النقد الدولي وحده هو الذي توقع ذلك، بل ان محللين آخرين شعروا بالتفاؤل وتوصلوا الى التوقعات نفسها عن العام الجاري. غير انه توجد بعض العقبات التي لا تظهر على السطح في كل ارجاء العالم ايضا وقد تكون عقبات صغيرة أمام النمو الاقتصادي العالمي. مثلا في الولايات المتحدة يبدو ان قطاع التكنولوجيا يفقد بعضا من قوته وقوة الدفع التي يتمتع بها طوال الفترة الماضية فسبب ذلك انخفاضا في البورصة وتزايدا في مقدار الشعور بالقلق بشأن النمو الاقتصادي الامريكي خلال النصف الثاني من العام، برغم الارقام المرتفعة للنصف الأول منه. ويبدو ان قطاع الشركات الامريكية يعاني هو الآخر حيث توقعت كثير منها انخفاض أرباحها. وفي اوروبا يبدو ان الاستثمارات المالية ومبيعات التجزئة والانتاج الصناعي مرت بحالة من الضعف في اكبر الاقتصاديات الاوروبية خلال فصل الصيف الجاري. وفي آسيا تنخفض البورصات المالية ويحدث كل ذلك على خلفية الارتفاع في اسعار البترول وانخفاض سعر اليورو الاوروبي وفي ظل نظام مالي عالمي ليس اكثر استقرارا مما كان عليه عامي 1997 و1998 عندما حلت به سلسلة من الضربات الاقتصادية. لكن المؤكد ان كل هذه العناصر ليست الا عقبات صغيرة أمام مسيرة الرخاء العالمي المستمرة. الحقيقة ان هذا هو رأي غالبية المحللين، غير انه خلال العقد الماضي قلل الخبراء الاقتصاديون من احتمالات حدوث فجوات واسعة في النمو الاقتصادي، وتغاضوا عن الطفرة الامريكية وبعض أزمات اقتصادية منها الازمة المالية الاقتصادية الآسيوية لعام 1997. مستقبل اقتصاد العالم السؤال المطروح الآن هل يتعرض الاقتصاد العالمي لضغوط من المحتمل ان تؤدي الى مشكلات حقيقية؟ ان احتمالات النمو الاقتصادي العالمي تكون سهلة الفهم، كما يرى غالبية المحللين الاقتصاديين، بالنظر الى الولايات المتحدة، حتى مع حدوث نمو وتوسع في أوروبا. فقد توقع صندوق النقد الدولي ان تمثل الولايات المتحدة 65% من اجمالي نمو الدول الصناعية السبع الكبرى أو ما يعرف بمجموعة السبعة خلال العام الجاري. الأكثر من ذلك ان النمو الامريكي لايزال مدفوعا بالانفاق الاستثماري في مجال التكنولوجيا، حيث سجلت الولايات المتحدة نحو ثلث نموها الاقتصادي خلال النصف الأول من العام من قطاع التكنولوجيا، لكن التكنولوجيا الامريكية بدأت تظهر عليها علامات الضعف والبطء في النمو السريع الذي اعتادت ان تسجله، فقد انخفضت الطلبات الجديدة على معدات التكنولوجيا الجديدة خلال الأشهر الاخيرة، وكانت قد سجلت ارتفاعا خلال الربع الثاني من العام بنسبة 0.9% وفق احصاءات مصلحة الاحصاء الامريكية، مقابل 5.5% خلال الربع الأول. وفي الوقت نفسه تراجعت الاستثمارات في شركات المعدات التكنولوجية والبرمجيات والانترنت خلال الشهر الماضي بعد ارتفاع كبير. ويستمر تسريح العمالة واغلاق شركات التجارة الالكترونية ايضا. وأعلنت شركة سبرنت ان عائداتها خلال الربع الثالث من العام سوف تنخفض عن التوقعات. وجاء هذا الاعلان عقب ما أعلنته شركة اي.سي.جي للاتصالات التي توفر خدمات الهاتف والانترنت ان انخفاض العائدات والارباح يجبرها على التوقف عن تنفيذ مشروعات توسعية. نكسة صيفية لايزال قطاع التكنولوجيا بمقدوره ان يتعافى من هذه النكسة البسيطة، كما فعل مرات عدة من قبل، لكن ضعف مؤشر ناسداك جعل هذا التعافي صعبا لأنه من الصعوبة جمع الاموال بالنسبة لكثير من الشركات الجديدة. ولم تثبت التكنولوجيا الجديدة الاخرى مثل الموجات الواسعة والانترنت الهوائية انها تستطيع ان تحقق عائدات كافية وارباحا لتبرير توجيه انفاق استثماري كبير فيها. في الوقت نفسه فإن أسعار معدات تكنولوجيا المعلومات كما قاستها وزارة التجارة الامريكية ارتفعت خلال النصف الأول من العام الجاري بعد انخفاض بنسبة 7% خلال السنوات السابقة. واذا استمر هذا الاتجاه سوف يقلل الحافز للشركات بالاستثمار في تكنولوجيا المعلومات. واذا انخفض الطلب على التكنولوجيا في الولايات المتحدة، فهل تستطيع اوروبا ان تتجاوز ذلك؟ ربما تستطيع رغم ان الاحداث الأخيرة غير مشجعة ولا تؤيد هذا الافتراض. فالاقتصاد الجديد يعيش على الانفاق الاستثماري، لكن اجمالي الاستثمارات في دول الاتحاد الاوروبي، بما فيها انفاق الشركات والانشاءات كان ضعيفا خلال الربع الثاني من العام. وقد يكون هذا أحد العناصر التي تدفع اليورو للانخفاض لأن الشركات الاوروبية تضخ استثماراتها في الولايات المتحدة بدلا من الاستثمار في بلادها. لكن ليس الاستثمار فقط هو الذي يتسم بالضعف، فيبدو ان النمو قد توقف على أبعاد عدة مختلفة خلال هذا الصيف في أوروبا. فقد انخفض معدل نمو اجمالي الناتج المحلي في فرنسا خلال الربع الثاني من العام الجاري بشكل كبير مقارنة بالتوقعات السابقة، وحدث نفس الانخفاض أيضا بالنسبة لايطاليا. وانخفض الانتاج الصناعي في منطقة اليورو خلال يونيو الماضي، رغم ان أحدث التعديلات بالانخفاض تشير الى ان الطلبات على الصناعة التحويلية في المانيا تباطأت في يونيو ويوليو من العام الجاري. كما انخفض مؤشر ثقة الشركات ورجال الاعمال الالماني طوال ثلاثة أشهر على التوالي في الوقت الذي سجلت فيه مبيعات التجزئة الالمانية معدل نمو بطيء خلال تلك الفترة. ويقول باتريك ماير مدير الأبحاث الاقتصادية في معهد الاقتصاد العالمي في كيل انهم لا يلاحظون مناخاً يدل على طفرة في مبيعات التجزئة وان نمو الدخول شديد البطء، الحقيقة ان هناك شعوراً متزايداً بأن النمو الاقتصادي الأوروبي كان جيداً خلال النصف الأول من العام رغم انه تراجع حول 3.5%، لكن النصف الثاني، كما يقول ماير لن يكون بنفس القوة حيث يقول ان أعلى نقطة نمو قد مرت. بطء النمو الاقتصادي الأوروبي اضافة الى ضعف اليورو سوف ينعكس على الولايات المتحدة في شكل انخفاض في الصادرات وانخفاض في أرباح الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات. الصادرات الأمريكية لأوروبا لقد انخفضت الصادرات الأمريكية الى أوروبا بالفعل خلال شهر يوليو بشكل كبير، في الوقت الذي أعلنت فيه شركات متعددة الجنسية (أمريكية) على رأسها جيليت وكولجيت/بالموليف تحذيرات بانخفاض عائداتها وأرباحها عن توقعات وول ستريت بسبب انخفاض اليورو الحاد. وقد تكون الأضرار كبيرة بالنسبة لشركات مثل ماكدونالدز وكوكاكولا، كما تؤثر ايضا على شركات توفير التكنولوجيا مثل يونيفيز ونوفيل وأوتو ديسك التي تحقق 30% وأكثر من عائداتها من أوروبا. وتقول مؤسسة الكترونيك داتا سيستمز (انظمة البيانات الالكترونية) على لسان رئيسها التنفيذي ريتشارد براون ان انخفاض اليورو سوف يؤثر على كثير من الشركات. الجانب الآخر من العالم ولايمكن ان نتوقع ان تكون آسيا هي محرك النمو في الاقتصاد العالمي. فقد استطاعت منطقة شرق آسيا ان تمتطي موجة ارتفاع الطلب على التكنولوجيا الفائقة من الولايات المتحدة وبقية اجزاء العالم بالفعل بفضل قاعدتها في الصناعة التحويلية، مما أدى الى انتعاش اقتصادي سريع من الازمة المالية لعام 1997. ويتوقع البنك الدولي ان تسجل كوريا الجنوبية وماليزيا وهونج كونج وسنغافورة معدل نمو 8% خلال العام الجاري. ومع ذلك فان أحد دروس الازمة المالية الاقتصادية لعام 1997 هو ان النمو السريع لايشكل درعاً للحماية من مشكلات النظام المالي. في كوريا مثلاً لاتزال البنوك المحلية تعاني مشكلات حتى بعد مرور ثلاث سنوات على طلب النجدة الاقتصادية في ديسمبر 1997. وانفقت الحكومة 83 مليار دولار لشراء الديون المعدومة وتعزيز رأس المال خلال السنوات الثلاث الماضية ولا يزال هناك 100 مليار دولار في عداد الديون المعدودمة. وغالبية شركات الصناعات التحويلية لا تحقق القدر الكافي من الاموال لخدمة ديونها. والاكثر من ذلك ان اخفاق صفقة شركة فورد للسيارات في شراء شركة دايوو المثقلة بالديون يشير إلى ان هناك قدراً هائلاً من الجهد لابد ان يبذل. ويقول بارك كيونج سو استاذ التمويل بجامعة كوريا ان بلاده لم تتحرر من ازمة الديون بعد، لكن الحكومة لا تتحرك بالسرعة الكافية لحل المشكلة. وسوف يسبب الاعتماد الكبير على التكنولوجيا الفائقة في مشكلات جمة اذا حدث ضعف في الطلب عليها. وقد سبب انخفاض الطلب على شرائح الذاكرة (الالكترونية) انخفاضاً في اسعارها بالفعل. وادى ذلك إلى انخفاض اسهم سامسونج للالكترونيات بشكل كبير خلال الشهر الماضي، وهي اكبر شركة لانتاج الشرائح الالكترونية في كوريا. وهكذا انخفضت اسهم شركة تايوان لاشباه الموصلات بنسبة 20% الشهر الماضي فقط. معضلة البترول تضافر ضعف ومتاعب الانظمة المالية وعدم وضوح مستقبل التكنولوجيا الفائقة في الضغط على بورصات الدول الآسيوية. فقد انخفض مؤشر بورصة سول بنسبة 45% خلال العام الجاري، وتأثرت شركات التجارة الالكترونية بالانخفاض الحاد في مؤشر ناسداك، الذي انخفض بنسبة 70% منذ الذروة التي بلغها خلال مارس العام الجاري. وفي الوقت نفسه انخفضت بورصة تايوان 15% الشهر الماضي. ويحدث كل ذلك في الوقت الذي ارتفعت فيه اسعار البترول بما يفوق اي توقعات. ويؤثر ارتفاع اسعار البترول الخام بصفة خاصة على الاقتصاديات الآسيوية، التي لا تزال في طور التعافي من ازمة 1997 الاقتصادية. كما يؤثر ارتفاع اسعار الطاقة في شكل اجبار الدول المستهلكة للبترول على تعزيز الانفاق على الطاقة على حساب الاستثمارات. وسوف يكون التأثير طويل المدى على المكتسبات التي حققتها الانتاجية على مستوى العالم. النظام المالي ربما يكون من اصعب الامور الحكم على مدى سلامة وصحة النظام المالي العالمي. فهناك مشكلة حالية واضحة، هي ان النظام المالي يتعرض لضغوط كبيرة بل هائلة. الخلل في تدفق الاموال من اوروبا واليابان إلى الولايات المتحدة هو السبب الرئيسي في هذه الضغوط. فقد بلغ صافي الاستثمارات المالية في الولايات المتحدة خلال النصف الاول من العام الجاري إلى 414 مليار دولار امريكي. ولسوء الحظ اذا منى الاقتصاد الجديد المدفوع بالتكنولوجيا الفائقة بالبطء وانخفضت البورصة الامريكية بشكل كبير سوف ينعكس اتجاه هذه الاستثمارات. وسوف يفتح ذلك ابواب احتمالات التعديلات الفجائية في تقريره الاقتصادي الاخير. بأن هذا التعديل الفجائي قد يضر بالاقتصاد العالمي بشدة ويبدو ان العاصفة الهوجاء تهب عقب الهدوء وسطوع الشمس. إعـداد: مصطفـى عبـدالعظيـم