الاسلام له رؤيته الخاصة للتأمينات بمختلف أنواعها، فرغم أن التأمين نظام مستحدث لم يعرفه المسلمون في القرون الأولى ولم ترد حوله نصوص في القرآن الكريم والسنة النبوية الا ان آراء الفقهاء المتأخرين والمعاصرين والمؤسسات الفقهية تبلورت حول جواز التأمين الحكومي، ممثلا في المعاشات والتأمينات الاجتماعية والتأمين التعاوني وتحريم التأمين التجاري الذي تتولاه شركات التأمين لحسابها الخاص وتهدف من خلاله الى تحقيق أكبر قدر ممكن من الربح. ورغم هذه الرؤية الواضحة الا أن الجدل مازال مستمرا حول موقف الاسلام من التأمين حيث يرى بعض العلماء اباحة جميع اشكال التأمين. وفي هذا السياق تأتي الدراسة القيمة الشاملة(الاسلام والتأمين) للدكتور محمد شوقي الفنجري رئيس مجلس الدولة المصري الأسبق لمناقشة هذه القضية والتوصل الى ملامح مشروع للتأمين التعاوني توصي الدراسة بتعميمه في الدول العربية والاسلامية. و توضح الدراسة أن عقد التأمين بنظامه الحالي هو عقد مستحدث لم يرد به نص ولم يعرفه المسلمون الأوائل الى أنه من المسلم به لدى جمهور الفقهاء ان العقود في الشريعة الاسلامية ليست محصورة وأن الأصل هو الاباحة حتى يقوم دليل على المنع موضحة أن الفقهاء المتأخرين تعرضو ا لعقد التأمين فحرمه الفقيه الحنفي ابن عابدين واجازه الشيخ محمد عبده في مطلع القرن العشرين لكن العلماء المعاصرين انقسموا الى فريقين ازاء عقد التأمين. أولهما: أقلية ترى جواز عقد التأمين مطلقا. ثانيهما: أغلبية تفرق بين أنواع التأمين فتجيز بعضها كالتأمين التعا وني والتأمينات الاجتماعية وتحرم بعضها كالتأمين التجاري وتختلف حول بعضها الآخر كالتأمين الحكومي في صورة تأمين التقاعد والمعاشات أو في صورة التأمين التجاري الذي تتولاه شركات القطاع العام. وتعرض الدراسة لحجج المعارضين للتأمين التجاري حيث يرون فيه تحديا للقدر الالهي خاصة عقد التأمين على الحياة وفيه أيضا معنى القمار والرهان وغرر وجهالة وغبن لانه عقد احتمالي وفيه ربا سواء من جهة المستأمن أو من جهة شركات التأمين. أما المؤيدون للتأمين فيرون أن التأمين ليس ضمانا لعدم وقوع الخطر المؤمن عليه حتى يكون تحديا للاقدار و ا نما هو تخفيف لآثار الخطر عند وقوعه وهذا مطلوب شرعا وكذلك يختلف التأمين عن القمار لانه لا يقوم على الحظ والمصادفة بالاضافة الى انه اذا كان في التأمين غرر أو جهالة فإنه من النوع المسموح به شرعا كغيره من العقود طالما لا يؤدي الى نزاع واذا كان التأمين عقدا احتماليا من عقود الغرر الا انه غبن مفتقر لأن الغبن المحرم شرعا يكون عند اختلال التعادل بين مايعطيه كل متعاقد ومايأخذه اختلالا فادحا ينطوي على استغلال أحد المتعاقدين. ويؤكد المؤيدون أن التأمين ليس ربا وانما عقدا معاوضة بني على اسس فنية وحسابات دقيقة ويستطيع المتعاقد الا يحصل على فوائد من استثمار أمواله من جانب شركة التأمين وأن يشترط على المؤمن عدم التعامل بها ويخلص المؤيدون الى أن عقد التأمين يشبه عقود المضاربة والحراسة بأجر، موضحين انه حتى وإن لم يكن القياس دقيقا أو مقبولا فإن عقد التأمين يظل عقد ضمان جديدا مستحدثا لم تتناوله النصوص فيكون حكمه الجواز والاباحة لانه يحقق مصالح عامة وخاصة للمسلمين. خلاف ظاهري ويقلل المؤلف من شأن الخلاف الفقهي حول عقد التأمين ويرى انه خلاف ظاهري وليس حقيقيا مشيرا الى ان مجمع البحوث الاسلامية بالازهر أقر التأمين التعاوني ونظام المعاشات الحكومي والضمان الاجتماعي والتأمينات الاجتماعية لكنه لم يجيز التأمين التجاري. في حين حرم المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الاسلامي الذي عقد بمكة المكرمة في عام 1976 التأمين التجاري لأنه لا يحقق الصبغة الشرعية للتعاون والتضامن ولا تتوافر فيه الشروط الشرعية التي تقتضي حله. ويشير الى أن التأمين التعاوني والذي يؤمن فيه المستأمنون بعضهم البعض دون وسيط سوى المنظمة التي تمثلهم وتعمل لحسابهم ومايدفعه كل مستأمن يريد به التعاون مع زملائه في تخفيف الضرر أو رفعه عن أحدهم اذا حدث له مكروه ويشمل ذلك التأمين على الأشخاص والأموال وضد المسئولية وهذا النوع من التأمين يحقق مصالح أمر بها الشرع. أما التأمين الحكومي فإن الحكومة هي التي تؤمن المستفيدين منه وهي تفرضه عليهم وهذا التأمين سواء في صورة المعاشات أو التأمينات الاجتماعية معاملة الزامية أساسها التعاون والمعاوضة وهو يتضمن مفسدة الجهالة والغرر. فقد يموت الموظف أو العامل وليس له من يستحق معاشا فتأخذه الحكومة لكنها أغفلت شبهة أو مفسدة هذا الغرر ورجحت المصلحة العامة حيث يموت أغلب الموظفين والعمال عن زوجة وابنا ء قصر. كما أن الدولة لا تستهدف من وراء هذا التأمين ربحا وانما تريد تأمين مستقبل موظفيها وعمالها لدرجة أنها تشاركهم في اداء الأقساط وتجبر أصحاب العمل على مشاركة العمال في ادائها. خداع وتضليل ويؤكد المؤلف أن التأمين التجاري المؤمم أي الذي يتم من خلال شركات القطاع العام كما هو الحال في مصر وان حقق فائدة مؤكدة من حيث سيطرة الدولة على مدخرات المستأمنين والحيلولة دون تحكم أفراد قلائل في الاقتصاد القومي أو استغلالهم لهذه المدخرات لتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب مصالح المجتمع والمستأمنين أنفسهم الا أن هذا النوع من التأمين أكثر خداعا وتضليلا لأنه يمارس فيه الاستغلال باسم الدولة وهو أمر غير جائز وغير مقبول شرعا ولابد من اعادة النظر فيه وتقدير أقساطه. وتوضح الدراسة انه رغم اتفاق غالبية الفقهاء المعاصرين على جواز التأمين التعاوني والحكومي واختلافهم حول شرعية التأمين التجاري حتى وان تولته الدولة الا أن جميع الفقهاء يرفضون الشروط التعسفية التي تفرضها شركات التأمين وأقساط التأمين المرتفعة المبالغ فيها والتي تشكل عنصرا من عناصر الاستغلال ولا يقرون استغلال شركات التأمين لأموالها في استثمارات ربوية وهم في النهاية لا يسلمون بأي حال من الأحوال بأي شرط يحل حراما أو يحرم حلالا. الصيغة الاسلامية وتخلص الدراسة الى أن الصيغة الاسلامية لعقد التأمين تقوم على التعاون لا الاستغلال بحيث يكون هناك تبادل للمنافع بين أفراد المجتمع دون أن يكون هناك استغلال لشخص أو أن يقع فريسة لمحتكر أو مستغل موضحة أن شركات التأمين التجاري وسيط مستغل لا متعاون لأنها تفرض شروطا تعسفية وتتقاضى أقساطا مبالغا فيها وتستغل أموال ومدخرات المستأمنين لصالحها بالاضافة الى خطورتها على الاقتصاد القومي. ويرى الباحث انه لا مانع شرعا من أن يحقق وسيط التأمين الذي يعمل لحسا به سواء كان مؤسسة خاصة أو عامة ربحا من وراء ذلك فهذا حقه نظير تفرغه لهذه العملية لكن المرفوض أن تتحول الوسيلة الى غاية ويصبح الهدف من التأمين هو تحقيق أكبر قدر من الربح لأن ذلك ينطوي على استغلال واضح ولذلك لابد أن يكون للمستأمنين من يمثلهم في مجالس ادارات شركات التأمين لمنع الاستغلال من ناحية وضمان حقوقهم والعمل على استثمار مدخراتهم بمايحقق نفعهم والصالح العام. ويشير الى انه مع ظهور منظمات التأمين التعاوني الحديثة أصبحت شركات التأمين التجاري تمر بحالة انكماش تلقائي قد يؤدي الى زوالها لأن شركات التأمين التعاوني في صورتها المتطورة أصبحت تقدم نفس الخدمة وبنفس المستوى من المهارة والكفاءة بأقساط تأمين أقل وبمزايا وعوائد أكثر مؤكدا أن التأمين هو البديل الشرعي للتأمين التجاري لانه يقدم صور التأمين بسعر التكلفة ويستغل مدخرات المستأمنين فيما يعود عليهم وحدهم بالنفع. التأمين التعاوني ويضيف انه مع استشعار دول العالم النامي خطورة شركات التأمين على الاقتصاد القومي بادرت بتأميمها الا أن خطورة أخرى ينبغي أن تتخذها هذه الدول ومن بينها الدول العربية والاسلامية تتمثل في الغاء شركات التأمين التجاري المؤممة والاخذ بالتأمين ا لتعاوني لأنه يحقق أهداف الشرع الاسلامي بصورة شبه كاملة مشيرا الى أن التأمين التعاوني لا ينتشر الا في المجتمعات المتقدمة التي يتوافر لها الوعي الاقتصادي والكفاية الفنية لأنه تحول الى صناعة تتطلب أجهزة متخصصة فنية ومالية وادارية. وهذا يصعب توافره في المجتمعات النامية دون دفعة حكومية وتدخل تشريعي. وتقترح الدراسة عدة أشكال لهذا التدخل. الأول: أن يتخذ التدخل شكل مؤسسة التأمينات التعاونية ليكون بذلك الوجه المقابل لمؤسسة التأمينات الاجتماعية الذي يقتصر على العمال والموظفين وعلى مخاطر محددة وتمارسه الدولة لحسابها و لا يحق للمستأمنين محاسبة الدولة عن ادارته أو مطالبتها بالعائد عن استثمارهم لمدخراتهم أما التأمينات التعاونية فإن الدولة تتولاه نيابة عن المستأمنين ولحسابهم الخاص ويغطي سائر أنواع المخاطر ولمختلف فئات الشعب. الثاني: شكل شركة التأمينات الاجتماعية ويختلف عن الشكل السابق في كون هذه الشركة جهازا خاصا أو جهازا مختلطا فيه عناصر حكومية وأخرى أهلية موثوق فيها تتحمل مع الحكومة مسئولية ادارة المشروع نيابة عن المستأمنين ولحسابهم الخاص. وفي كلتا الحالتين يجب اعانة صندوق التأمين التعاوني سواء كان تابعا لمؤسسة عامة أو لشركة مختلطة بمعونة أصلية من الدولة وأن تلتزم بتغطية خسائر الصندوق اذا تعرض لظروف استثنائية. الشركة المختلطة ويرجح المؤلف شكل الشركة المختلطة لانه أكثر التزاما بالفكر الاقتصادي الاسلامي الذي يترك للأفراد مسئولية القيام بمختلف المشروعات ويأتي دور الدولة كمراقب وموجه أو مكمل لما يعجز الأفراد عنه وكذلك لانه يلتزم بالفكر التعاوني التأميني ويدرب المواطنين على مباشرة التأمين التعاوني وتجنب الوقوع في المخاطر كما أن الشركة المختلطة على عكس المؤسسة العامة لا تجعل التأمين كما لو كان هبة أو منحة من الدولة للمستفيدين منه. ويرى أن هذا الشكل أكثر الاشكال ملائمة للمجتمعات العربية والاسلامية موضحا ضرورة قيام مؤسسة أو شركة للتأمينات التعاونية في كل مجتمع عربي أو اسلامي ليس فقط لسد حاجة المواطنين الى التأمين بطريقة مقبولة شرعا وعلى أساس التكلفة الفعلية وانما ايضا للحفاظ على الاقتصاد القومي لأن غياب مثل هذه المؤسسة أو الشركة جعل الأفراد والحكومات يستعينون بشركات التأمين التجاري الأجنبية لتأمين عقودهم ونشاطهم في مقابل أقساط باهظة لا تستثمر في مصلحة الاقتصاد الوطني. القاهرة ـ ضياء الدين أحمد:
دعوة لإنشاء شركات تأمينية تعاونية للحفاظ على الاقتصادات الإسلامية، خلاف ظاهري في الآراء والعلماء أجازوا التأمينات الحكومية والتعاونية
