يقف الاقتصاد المكسيكى على اعتاب مرحلة جديدة فى مراحل تطوره التى تراوحت فى العقدين الاخيرين بين الصعود والهبوط. ولعبت الازمة التى تعصف باقتصاديات بعض دول القارة الامريكية دورا كبيرا فى لفت أنظار صانعى القرار فى المكسيك الى الاستفادة من تجارب دول الجوار لتجنب الاثار السلبية ولدفع الاقتصاد المكسيكى على طريق النمو. ولان الولايات المتحدة الامريكية هى الشريك التجارى الاول للمكسيك تؤثر وضعية الاقتصاد الامريكى وحركيته على الاقتصاد المكسيكى طرديا فينتعش الاقتصاد المكسيكى بانتعاش الاقتصاد الامريكى والعكس بالعكس. ووفقا لبيانات البنك المركزى المكسيكى فقد زاد الناتج المحلى الاجمالى فى الربع الاول من العام الحالى بنسبة قدرها 19 مئوية فقط مقارنة بحوالى ثمانية بالمائة فى الربع الاول من العام الماضى. وبسبب السياسة النقدية المتحفظة للبنك المركزى والتى تسعى الى الحد من عمليات خلق النقود وتقليص الكميات المتداولة الى الحدود الدنيا. افلح الاقتصاد المكسيكى فى الحفاظ على معدلات متدنية للتضخم. حيث بلغت نسبة التضخم 65% فقط طبقا للبيانات الرسمية المكسيكية. وفى الناحية المقابلة تراجع الانتاج الصناعى المكسيكى بمقدار 34% فى شهر مايو من العام الحالى عن مستواه فى نفس الشهر من العام الماضى. كما تراجع النشاط فى قطاع المقاولات بنسبة ثمانية بالمائة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضى. وتحتل المكسيك المركز الثانى بعد كندا وقبل اليابان والصين فى قائمة اهم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة الامريكية. ولاول مرة منذ انضمام المكسيك الى اتحاد التجارة الحرة لامريكا الشمالية «النافتا» فقد تراجعت الصادرات المكسيكية الى الولايات المتحدة الامريكية بنسبة اربعة بالمائة. ومع ذلك فان الصادرات المكسيكية الى الولايات المتحدة تمثل نسبة معتبرة منسوبة الى الناتج المحلى الاجمالى حيث تبلغ حوالى 25% من هذا الناتج. ويظهر هذا بوضوح علاقات الارتباط بين اقتصادى الولايات المتحدة والمكسيك التى تحاول تنويع اتجاهات تجارتها الخارجية تدريجيا حتى تصل الى موازنة معاملاتها التجارية مع القطبين الاقتصاديين الكبيرين امريكا والاتحاد الاوروبى فى غضون خمسة عشر عاما «حسبما يعتقد خبراء الاقتصاد فى المكسيك». وسعيا لتنويع علاقاتها الاقتصادية ابرمت المكسيك عقودا متنوعة وفى مجالات شتى مع دول امريكا اللاتينية. وحافظت العملة الوطنية المكسيكية البيزو على صلابتها امام الدولار الامريكى وزاد سعر صرفها بمقدار 35% امام الدولار الامر الذى دفع البنك المركزى المكسيكى الى الاكتفاء بقوى العرض والطلب فى السوق المكسيكية واقلع عن تدخله بالبيع او الشراء للحفاظ على توازن البيزو امام الدولار. واعلن جوليرمو اورتيز رئيس البنك المركزى المكسيكى ان صلابة البيزو تعود فى جوهرها الى العجز الطفيف لميزان الخدمات المكسيكى والذى يبلغ 35% فقط منسوباالى الناتج المحلى الاجمالى. واعتبر اورتيز ان الاقتصاد المكسيكى لا يمر بازمات هيكلية بل ربما بازمات دورية مثله مثل باقى الاقتصاديات. وارجع اورتيز الصلابة النسبية للاقتصاد المكسيكى وعدم تأثره بالصدمات التى تعرضت لها دول اخرى مجاورة الى عاملين اساسين أولهما التطورات الايجابية فى منطقة «النافتا» وثانيهما ثقة المستثمرين فى السياسات الاقتصادية المكسيكية التى تنتهجها حكومة رئيس الوزراء زيديللو والدعم الذى تلقاه فى هذا الصدد من الرئيس المكسيكى فوكس. وبالرغم من التصريحات المغرقة فى التفاؤل والتى اطلقها رئيس البنك المركزى المكسيكي. الا ان فقد الاقتصادات فى امريكا اللاتينية لمصداقيتها لدى المستثمرين الاجانب ترك آثاره على الحالة المكسيكية وان لم يكن بنفس الحدة مثل باقى دول القارة. وتنعكس هذه الحقيقة على الجدارة الائتمانية المتدنية نسبيا لدول امريكا اللاتينية ومن ضمنها المكسيك فى اسواق المال الدولية الآن. وقد بلغ معدل تدفق الاستثمارات الاجنبية الى المكسيك حوالى 12 مليار دولار سنويا فى المتوسط وزاد المعدل الى اربعة مليارات دولار سنويا فى الفترة الواقعة ما بين العام 1990 والعام 1993. ومنذ تدشين معاهدة «النافتا» فى العام 1994 قفز معدل تدفق الاستثمارات الى 12 مليار دولار سنويا فى المتوسط. ومن اجل افساح المجال للمستثمرين الاجانب وتشجيعهم خاصة فى قطاعات الطاقة فقد اتجهت الحكومة المكسيكية الى ازالة اجراءاتها الحمائية. وحدد الاقتصاديون المكسيكيون الاحتياجات الاستثمارية لبلادهم فى القطاعات الاقتصادية المختلفة بحوالى 141 مليار دولار امريكى خلال الخمس سنوات المقبلة. ويستحوذ قطاع النفط على 78 مليار منها يليه قطاع الكهرباء 24 ملياراً والباقى موزعة على قطاعات الاتصالات وشق الطرق والمياه والبيئة والغاز الطبيعى. وتعتبر المكسيك الدولة رقم 13 فى الترتيب العالمى من حيث انخراطها فى التجارة الخارجية التى يبلغ حجمها فى حالة المكسيك 340 مليار دولار طبقا لبيانات صندوق النقد الدولى. وهو الحجم الذى يعادل حجم التجارة الخارجية لدول امريكا اللاتينية مجتمعة. وتتميز المكسيك بموقعها الجاذب للاستثمارات الاجنبية بسبب عاملين اساسيين هما موقعها الجغرافى بالقرب من السوق الكبيرة المتمثلة بالولايات المتحدة الامريكية وبسبب التدنى النسبى للاجور فى المكسيك بالمقارنة بالاجور فى الولايات المتحدة الامريكية. ويبلغ اجر العامل المكسيكى فى قطاع السيارات بالمتوسط حوالى أربعة دولارات فى الساعة مقارنة بسبعة عشر دولارا فى الولايات المتحدة الامريكية. وبسبب تركز النمو الاقتصادى فى القطاع التصديرى خاصة منذ الدخول فى اتفاقية «النافتا» كانت هناك ايضا جوانب سلبية منها التنافر الاقتصادى وعدم الانسجام فى قطاعات الاقتصاد المكسيكى المختلفة. وهو ما شبهه بعض الخبراء بـ «جسد قزم وذراعى عملاق». ووفقا لبيانات غرفة الصناعة المكسيكية «كاناسينترا» التى تمثل مصالح 3500 شركة صغيرة ومتوسطة. فان 400 شركة كبرى فقط هى التى تسيطر على 80% من القطاع التصديرى وهو ما يكون له انعكاسات احتكارية ذات جوانب سلبية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. ـ أ.ش.أ