قدرت مؤسسات مالية ونفطية حجم الزيادة في العائدات النفطية للدول العربية خلال عام 2000 بحوالي 62 مليار دولار نتيجة لارتفاع اسعار النفط خلال العام الماضي بما يزيد على 10.1 دولارات للبرميل. وتشير مسودة التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2001 الذي تنشره «البيان» الى ان هذه الزيادة الملحوظة في العائدات النفطية قد انعكست بصورة ايجابية على اقتصادات الدول العربية وان هذا التأثير يتجلى في البيانات الفعلية للأداء الاقتصادي وتحسن أوضاع الموازنات الحكومية. ووفقا للتقرير، تعتبر حالة التوزان التي سادت السوق النفطية السمة الرئيسية الأولى المميزة لتطورات السوق النفطية لعام 2000، إذ تحقق التوازن بسبب الزيادة في الانتاج التي اعتمدت الدول النفطية من داخل أوبك وخارجها. وجاءت تلك الزيادة لتلبية ارتفاع الطلب العالمي على النفط الذي تعزز نتيجة لحالة النمو المستمر في اقتصاد الولايات المتحدة الامريكية بصورة خاصة وفي الاقتصاد العالمي بصورة عامة. ويمثل تراجع مناخ المواجهة بين المستهلكين والمنتجين السمة الرئيسية الثانية لتطورات السوق النفطية عام 2000 والملاحظ ان الطرفين قد أبديا القناعة بأن أسعار النفط المنخفضة جدا أو المرتفعة جدا ليست في صالح أي منهما وبالتالي اصبحت امكانيات التفاهم بين الطرفين اكبر من السابق. ويعتبر النمو الاقتصادي العالمي العامل الرئيسي المؤثر في تحديد مستوى استهلاك الطاقة في مناطق العالم المختلفة ومما يعزز من ذلك ان عام 2000 شهد ارتفاعا ملحوظا في معدلات الطلب على النفط في معظم المناطق رغم الارتفاع في مستويات الأسعار. وقد استمرت أسعار النفط الخام في الارتفاع وزادت الدول النفطية انتاجها اربع مرات خلال عام 2000 لتحقيق الاستقرار في الاسواق النفطية، وبلغ اجمالي حجم الزيادة 3.7 ملايين برميل/يوميا ليصل انتاج أوبك الى 26.70 مليون برميل يوميا في نهاية عام 2000 مقابل 22.97 مليون برميل يوميا قبل اقرار الزيادات في ابريل 2000. وتبنت دول اوبك آلية جديدة لتحقيق سعر مستهدف لسلة خاماتها 25 دولارا للبرميل. وتقوم هذه الآلية على الادارة المستمرة للامدادات بحيث يتم تخفيض الانتاج بمقدار 500 ألف برميل يوميا في حالة انخفاض الاسعار الى أقل من 22 دولارا للبرميل لمدة 10 أيام عمل متتالية، وزيادة الانتاج بمقدار 500 الف برميل يوميا في حالة ارتفاع الاسعار الى ما يزيد على 28 دولارا للبرميل لمدة 20 يوم عمل متتالية. وانعكس انضباط الدول النفطية والتزامها بالحصص المحددة بصورة ايجابية على استقرار الاسعار والسوق النفطية. وقد أدت الزيادة في امدادات أوبك الى ارتفاع اجمالي الامدادات النفطية العالمية لتصل الى 76.7 مليون برميل يوميا عام 2000 مقابل 74.1 مليون برميل يوميا عام 1999 و75.5 مليون برميل يوميا عام 1998. وأرجع التقرير الارتفاع في الطلب العالمي على النفط بالدرجة الأولى الى النمو الاقتصادي الذي شهدته معظم مناطق العالم بالاضافة الى العوامل الاخرى التي سيأتي بيانها عند تناول مستويات الطلب وفق المجموعات الدولية. وقد بلغ معدل النمو في الاقتصاد العالمي 4.8% خلال عام 2000 وهو أعلى مستوى له في السنوات الخمس الأخيرة حيث وصل معدل النمو في اقتصادات الدول الصناعية الى حوالي 4.2%، بينما تضاعف في الدول المتحولة بالمقارنة مع مستواه خلال عام 1999 حيث بلغ 4.9%. كما بلغ معدل النمو الاقتصادي في الدول النامية 5.6% في عام 2000 مقابل 3.8% في عام 1999. ولم تقف مستويات الاسعار التي شهدها عام 2000 حائلا دون ارتفاع الطلب العالمي على النفط الذي ازداد بنحو مليون برميل يوميا ليصل الى 75.7 مليون برميل يوميا أي ما يعادل 1.3%. لقد أوضحت التطورات الاقتصادية والنفطية خلال الاعوام القليلة الماضية مقارنة بما حصل قبل ثلاثة عقود ان الدول الصناعية اصبحت أكثر قدرة على الاستجابة للتطورات في أسعار النفط دون احداث آثار خطيرة على اقتصادها، بل أصبحت الزيادة في مستويات الاسعار تحقق مكاسب لا يستهان بها لجميع اطراف العلاقة النفطية. ووصل الطلب في الدول الصناعية الى نحو 47.9 مليون برميل يوميا، وهو مستوى عال نسبيا اذا ما قورن بالسنوات الخمس الاخيرة. ويلاحظ استمرار زيادة استهلاك الدول النامية خلال عام 2000 الذي وصل إلى 23.6 مليون ب/ي. اما الدول المتحولة فقد بقى استهلاكيا راكداً تقريباً عند 4.2 ملايين ب/ي. هذا وقد انخفضت حصة الدول الصناعية من اجمالي الطلب العالمي من 63.7% عام 1999 إلى 63.2 % في عام 2000. وبالمقابل ارتفعت حصة الدول النامية من 30.6% إلى 31.2% خلال عام 2000. وادى النمو الاقتصادي للدول الصناعية إلى الحد من الاثر السلبي لارتفاع الاسعار على استخدام النفط فيها، اذ ازداد الطلب بنحو 300 الف ب/ي ليصل إلى 47.9 مليون ب/ي عام 2000 اي بنسبة زيادة تصل إلى 0.6% مقارنة بالعام الماضي. وقد جاء معظم هذه الزيادة من دول امريكا الشمالية التي شهدت نمواً في الطلب وصل إلى 200 الف ب/ي. وتعزى تلك الزيادة إلى النمو الاقتصادي بالاضافة إلى زيادة الطلب على زيت الوقود المستخدم في محطات توليد الطاقة الكهربائية في كل من الولايات المتحدة الامريكية والمكسيك، وهذا بدوره يعود إلى الارتفاع الذي شهدته اسعار الغاز الطبيعي خلال العام. كما كان لبرودة الطقس في فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي دور مهم في ارتفاع مستويات الطلب على وقود التدفئة في المنطقة. اما في دول المحيط الهادي الآسيوية فقد ارتفع الطلب بنحو 100 الف ب/ي فقط. وكان السبب الرئيسي لتدني الزيادة هو الاداء الضعيف للاقتصاد الياباني الذي سجل نسبة نمو تقارب 1.7% فقط. بينما انعكس التحسن الملحوظ في اداء الاقتصاد الكوري ايجاباً على مستوى الطلب على النفط. واستمر الركود في استخدام النفط في الدول الاوروبية وبقى عند مستوى 15.1 مليون ب/ي ويرجع ذلك بصورة اساسية إلى السياسة الضريبية المتبعة من قبل الحكومات الاوروبية. وحافظت الدول النامية على معدل النمو المرتفع في استهلاك النفط الذي بلغ 3.1% خلال العامين الاخيرين، حيث شهد مستوى الطلب ارتفاعاً نحو 700 الف ب/ي ليصل اجمالي الاستهلاك إلى 23.6 مليون ب/ي. وتركزت معظم الزيادة في الدول النامية الآسيوية التي شهدت ارتفاعاً في الاستهلاك بنحو 600 ألف ب/ي مقارنة بعام 1999. واستأثرت الصين بنصف زيادة الطلب لهذه المجموعة وهي 300 الف ب/ي. وحافظت دول امريكا اللاتينية على نفس مستوى الطلب للعام الثالث على التوالي حيث بلغ 4.8 ملايين ب/ي. وبلغ اجمالي الطلب على النفط في الدول المتحولة نحو 4.2 ملايين ب/ي محافظاً بذلك على نفس المستوى السابق. وتقارب حصة هذه الدول 5.6% من الطلب العالمي الاجمالي. وانخفض الطلب في الاتحاد السوفييتي السابق بنحو 100 الف ب/ي مقارنة بعام 1999 ليصل إلى 3.4 ملايين ب/ي المعروف ان تحسن مستوى الاسعار لعام 2000 والفرق الشاسع بينها والاسعار المحلية كان حافزاً قوياً لزيادة صادرات الاتحاد السوفييتي السابق من النفط الخام وجاء ذلك على حساب تلبية احتياجات السوق المحلي من النفط. اما في دول اوروبا الشرقية فقد ادى تضاعف معدل النمو الاقتصادي من 1.3% عام 1999 إلى 3.1% عام 2000 إلى زيادة الاستهلاك بنحو 100 الف ب/ي ليصل مستواه إلى 800 الف ب/ي. لقد ادت الزيادات المتواصلة في الانتاج التي اقرتها الدول النفطية خلال عام 2000 إلى زيادة المخزونات النفطية العالمية. ومن ناحية التطورات الفصلية فقد انخفض مستوى المخزون النفطي العالمي في الربع الاول من عام 2000 مقارنة بالربع الاخير من عام 1999 بسبب تزايد الطلب العالمي على النفط بمعدل اعلى من تزايد الامدادات النفطية، الا انه ارتفع مع بداية الربع الثاني الى 2525 مليون برميل نتيجة لبدء العمل بقرارات اوبك الخاصة بزيادة الانتاج اعتبارا من اول ابريل 2000 كما ادت قرارات في يونيو بزيادة الامدادات الى ارتفاع حجم المخزون النفطي الى 2554 مليون برميل في الربع الثالث، والى 2565 مليون برميل في الربع الأول من العام 2000. اما من حيث عدد الايام التي يغطيها المخزون فقد وصلت في الربع الرابع الى 54 يوميا مقابل 53 يوما في الربع الاول من عام 2000. لقد كان للزيادة في الامدادات التي اقرتها اوبك اثر فعال في تخفيف حمى المضاربات التي سيطرت على السوق النفطية عام 2000، والتي انعكست في الاشارات الخاطئة عن الاسواق المستقبلية، اذ كانت هذه الاسواق تشير الى ان السعر الآني مرتفع وانه يتجه نحو الانخفاض في المستقبل، مما شجع الشركات على التخلص من المخزون تفاديا للخسائر المترتبة على توقع هبوط اسعاره في المستقبل، وهي حالة تعرف بحالة التراجع. لقد بذلت الدول النفطية وعلى رأسها الدول العربية جهودا حثيثة عام 2000 للمحافظة على استقرار الاسعار وعلى معدلات النمو في الاقتصاد العالمي عن طريق الزيادات الاربع في الامدادات مهد لزيادة التفاهم بين الدول المنتجة والدول المستهلكة للنفط والطاقة. هذا وقد بلغ سعر سلة خامات اوبك 27.6 دولارا للبرميل في عام 2000 مقارنة بـ 17.5 دولارا للبرميل عام 1999 وعند احتساب اسعار النفط بالقيمة الحقيقة بأسعار عام 1995 فإن مستوى سعر النفط في عام 2000 يعتبر من اعلى الاسعار منذ عام 1985 اذ بلغ 29.9 دولارا، لقد كان رفع الاسعار خلال عامي 1999 و 2000 ضروريا لتحديث الصناعة النفطية، فقد برزت تدريجيا النواقص التي تعاني منها بسبب ما ادت اليه الاسعار السائدة في الفترة من قلة المردود والاستثمار في مجالات النفط والغاز، وتميزت الاعوام الاخيرة باختناقات في عمليات التكرير نتيجة لعدم التوسع في هذه الصناعة طوال السنوات الماضية. وبرزت في عام 2000 بشكل حاد مشكلة الضرائب على المنتجات البترولية في الدول الصناعية، ولفتت انظار العام مع اضراب اصحاب الشاحنات وسائقيها في اوروبا خلال صيف عام 2000 وعبرت الاحتجاجات عن امتعاض المواطنين الاوروبيين من الضرائب الباهظة التي تفرضها الحكومات، اذ بلغت تلك الضرائب مستويات عالية جدا تراوحت مابين ثلثي الى ثلاثة ارباح السعر الذي يدفعه المستهلك النهائي. لقد انعكس ارتفاع اسعار النفط ايجابا على عائدات الدول العربية ومن ثم على خططها الانمائية وادى ارتفاع اسعار النفط عام 2000 بمايزيد عن 10.1 دولارات للبرميل الى ارتفاع قيمة الصادرات النفطية للدول العربية من 118 مليار دولار عام 1999 الى حوالي 180 مليار عام 2000 اي بزيادة قدرها 62 مليار دولار وتعتبر هذه المستويات من اعلى العائدات البترولية المحققة منذ عام 1982 وقد ارتفعت قيمة الصادرات في الاقطار الاعضاء في اوبك من 109.7 مليارات دولار الى 167 مليار دولار واذا اخذنا في الاعتبار القيمة الحقيقية للدولار مقابل العملات الرئيسية الاخرى فإن هذه العائدات ترتفع لتصل الى 180.5 مليار دولار عام 2000 مقابل 123.5 مليارا عام 1999. أبوظبي ـ أحمد محسن: