مع بداية النصف الثاني من العام الحالي 2001، يسود الاوساط الاقتصادية في المانيا بعض التباين في وجهات النظر التي تتوزع بين التشاؤم الواضح، والتفاؤل الحذر تجاه سير العجلة الاقتصادية الالمانية حتى مطلع العام المقبل 2002، فوجهة النظر المتشائمة التي تقلق الحكومة الالمانية الاتحادية، والكثير من المواطنين تحمل في طياتها، اسبابا يغذيها الركود الاقتصادي الحالي وتراجع خلال الشهور الخمسة المقبلة عما كان متوقعا له عند بداية العام الحالي، بحيث لن يزيد خلال الشهور الخمسة المقبلة عن 2% فقط. يضاف إلى ذلك ازدياد معدل البطالة والعاطلين عن العمل. وخاصة في الولايات الخمس الموجودة في شرق المانيا، إلى جانب تراجع ارباح المؤسسات الصناعية والانتاجية الالمانية الذي ظهر بوضوح من خلال النتائج التي اعلنت مؤخراً، والمتعلقة باداء هذه المؤسسات والشركات خلال النصف الاول من العام الحالي، الامر الذي انعكس بصورة واضحة على بورصة الاسهم والاوراق المالية، وتراجع اسعار الاسهم، وخاصة اسهم المؤسسات التقنية، وحتى المؤسسات الالمانية التقليدية، مما ضاعف قلق المواطن الالماني الذي لا يشعر بارتياح كبير تجاه اقتراب موعد تعميم العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) التي ستحل مع بداية عام 2002 المقبل محل المارك الالماني، الذي ارتبط اسمه بالمعجزة الاقتصادية الالمانية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وظل رمزا للازدهار الاقتصادي والرفاه الاجتماعي في المانيا الغربية ثم في المانيا الموحدة منذ عام 1990. وتشير التوقعات التي جاءت في تقارير الجهات الاقتصادية الالمانية وفي مقدمتها تقرير وزارة الاقتصاد والتقنية الاتحادية، وتقرير وزارة المالية الاتحادية حول الاوضاع الاقتصادية خلال النصف الثاني من العام الحالي 2001، إلى ان الانكماش الاقتصادي الذي سوف يستمر ايضا خلال الشهور القليلة المقبلة، سوف يتابع تأثيره السلبي على سوق اليد العاملة الالمانية، بحيث لن تتراجع نسبة البطالة، عما هو موجود حاليا، والبالغة نحو 8% او ما يعادل 3.7 ملايين شخص بينهم عدد كبير في شرق المانيا. كذلك تشير هذه التوقعات الاقتصادية إلى ان مؤشر الاسعار، وبالتالي معدل التضخم النقدي، في المانيا يتابع ارتفاعه بشكل مطرد بحيث سيصل خلال النصف الثاني من العام الحالي إلى حوالي 3.5% اي نفس معدل التضخم النقدي الموجود في دول الاتحاد الاوروبي حاليا، ويعود السبب الرئيسي لارتفاع معدل الاسعار في المانيا إلى ارتفاع اسعار مصادر الطاقة، وفي مقدمتها النفط الخم المستورد من الخارج، ولكن المراقبون الاقتصاديون يرون بان اسعار النفط العالمي، سوف تستقر بعد قرار منظمة الاوبك في خفض انتاجها من النفط، حوالي 25 دولارا للبرميل الواحد، اي اقل من المعدلات التي كان عليها في مطلع العام الحالي، التي زادت على 30 دولارا للبرميل الواحد الذي تستورده المانيا من الدول المنتجة للنفط والمصدرة له، وفي مقدمتها الدول العربية كليبيا والجزائر وسوريا والمملكة العربية السعودية. ولن يشهد النصف الثاني من العام الجاري زيادة ملحوظة في الاستهلاك الفردي لدى المواطن الالماني العادي، على الرغم من الآمال التي عقدتها الأوساط الاقتصادية على نتائج الاجراءات التي طبقتها الحكومة الاتحادية في اطار الاصلاح الضريبي وتخفيض الضرائب بشكل عام، اذ ان الزيادة التي حصل عليها المواطن قد استهلكها تزايد التضخم النقدي وارتفاع الأسعار، وخاصة أسعار وقود السيارات والتدفئة، بل ان الخبراء يتوقعون تراجع معدلات الاستهلاك في والمانيا، الى أقل ما كانت عليه في الأعوام القليلة الماضية، ولكن ذلك لن ينطبق على انفاق المواطنين الالمان في اطار السياحة ورغبتهم في السفر الى الخارج، اذ من المتوقع ان يصل معدل زيادة نفقات السياح الألمان في الخارج الى ما لايقل عن 5% عما كان عليه خلال النصف الثاني من العام الماضي 2000. أما بالنسبة لاقتصاد التجارة الخارجية الالماني، فان الامر يختلف عن الاقتصاد الداخلي الى حد كبير. اذ من المتوقع استمرار الزيادة التي حققها الطلب على السلع والمنتجات الالمانية من الخارج، خلال النصف الثاني من العام الجاري 2001، بحيث يصل متوسط قيمة الصادرات الالمانية الشهرية، الى حوالي 104 مليارات مارك الماني، حيث يلعب ارتفاع سعر الدولار مقابل المارك الالماني واليورو الأوروبي دورا فاعلا في زيادة الصادرات الالمانية الى الخارج. وعلى العكس من الصادرات، فان من المتوقع ان يشهد النصف الثان من العام الجاري تراجعا في واردات المانيا من الخارج، وهو الاتجاه الذي بدأ في هذا المضمار منذ مطلع هذا العام، ولكن مع وجود تفاوت في أشهر الفترة المقبلة. الأمر الذي سوف ينعكس بوضوح على زيادة فائض الميزان التجاري مع الخارج، نتيجة لتقلص الواردات وزيادة الصادرات الالمانية الى الدول الاخرى، وهو فائض بلغت قيمته خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الجاري 2001 نحو 64 مليار مارك، أي بزيادة تصل الى حوالي 14 مليار مارك بالمقارنة مع نفس الفترة من عام 2000، ولكن هذا الفائض الكبير في الميزان التجاري الالماني مع الخارج، سوف يختفي في اطار ميزان المدفوعات الالماني الكامل، الذي يشمل أيضا النفقات غير المرئية من خدمات وتحويل أموال العمال الأجانب في المانيا الى بلادهم، وكذلك نفقات السياح الألمان في الخارج.
مشـاعـر مختلطــة تسيطــر على الأوســاط الاقتصــادية الألمـانية، توقـع امتـداد التأثيـرات السلبية للانكمـاش لتطـال الأيـدي العـاملة
