يصعب في هذه العجالة ان نعطي الفلسفة الاسلامية حقا لا لكونها تغاير كل الفلسفات التي نعرفها بدءا من الفلسفة الاغريقية ومدارسها المتعددة ومرورا بالفلسفات المتزامنة مع الدين الاسلامي في العصور الوسطى في اوروبا، ونعني بها الفلسفة السكولائية (المدرسية) وحسب وانما ايضا لانها فلسفة خاصة بامكانها تحليل الكون (الطبيعة) والناس (المجتمع) والفكر البشري.. بطريقة علمية ومرموقة ومتطورة. تجمع الفلسفة الاسلامية متطلبات الحياة في الدنيا من عمل وجد وتمجيد للعمل ايا كان نوعه مادام في حدود الشرع، وتحث على التقدم والغنى والرفاه.. وبنفس الوقت تربط كل الفعاليات الاقتصادية في الحياة الآخرة ايضا.. كي تبقى تلك الفعاليات نظيفة من كل الادران التي قد تعلق بها من سوء استعمال او استغلال او ما شابه وفي الآية الكريمة «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» ولم يأت الاسلام واعظاً ومحفزا للعمل والنشاط الاقتصادي بفلسفته، بل وضع اجراءات عملية واحكاماً تفصيلية لذلك.. ان الاسس العامة التي وضعها الاسلام لتنظيم الحياة والمجتمع وتفسير ظواهر الكون المختلفة تجعله دينا جماعيا لابل عالميا.. في حين ان باقي الاديان من سماوية وغيرها تعد في خانة الاديان الفردية او اديان لجماعة معينة.. تؤمن الفلسفة الاسلامية بان الفرد ينطلق في نشاطه الاقتصادي من دافع المصلحة الخاصة.. وقد سبق الاسلام بهذا الفلسفة الاقتصادية الكلاسيكية بثلاثة عشر قرنا.. تلك الفلسفة التي تستند عليها الانظمة الرأسمالية المتنوعة حتى يومنا هذا.. وأن الانسان في نظر الاسلام يعيش بفطرة حب الخير لنفسه «وانه لحب الخير لشديد» والخير هنا المال.. ويسعد بحب الحيازة والفتن مما يملك «المال والبنون زينة الحياة الدنيا» والاسلام ينظر بعين الرضا والتشجيع لمجاراة هذه الميول الفطرية والطبيعية كي يتحفز الانسان ويبذل قصارى جهده في عمله. وبالتالي ليتمكن من تحقيق اقصى ما يمكن من المنافع لنفسه وللآخرين تلك المنافع المتجسدة في انتاج السلع والخدمات المختلفة، ولكن حرية الفرد في النشاط الاقتصادي ليست مطلقة كما هو الحال في الانظمة الوضعية والطبقية.. «الانظمة الاقطاعية والرأسمالية..» بل مقيدة، والاسلام يضع القواعد والحدود لحرية الفرد هذه وتقرير حق الملكية له كي تصب جهوده الفردية في صالحه وصالح الجماعة والمجتمع على السواء.. ولو تمعنا تلك القواعد لتبين لنا ان حق التصرف الفردي في المال يستمر طالما انه في حدود الشرع ومصلحة الآخرين.. لدرجة ان هذا الحق يصبح حقا نظريا اكثر منه عمليا. دعا الاسلام الى علاقات اجتماعية جديدة بين الناس تزيل كل العلاقات القديمة السائدة في المجتمع الانساني والقائمة على الاستغلال.. استغلال الاقوياء للضعفاء واستغلال الراعي للرعية.. لدرجة نستطيع ان نقول وبكل ثقة.. ان النظام الاجتماعي الوحيد في هذه المعمورة الذي يلغى الاستغلال من قاموسه نهائيا هو النظام الاسلامي.. وما عدا فان كل الانظمة الاجتماعية الوضعية يعشعش فيها الظلم بشكل او بآخر لدرجة.. ان الانسان تحت وطأتها يكون دائما وابدا ملتقى للعديد من الاضطهادات اليومية بدءا من لقمة عيشه وانتهاء بحياته مرورا بانسانيته وكرامته.. ففي الانظمة العبودية القديمة التي سادت البشرية لبضعة آلاف من السنين.. كان العبيد اقل مرتبة وكلفة من وسائل الانتاج الميتة.. كالالات والادوات.. ولولا حاجة الارستقراطيين الى القوة العضلية لهؤلاء المستضعفين لسيقوا الى المجازر لانهم الكلفة الاقل في الاستهلاك الآدمي.. وفي الانظمة الاقطاعية الاوروبية ـ التي سادت لفترة تزيد على الالف عام.. كان الانسان ليس عبدا لمالكه وحسب بل وعبدا للارض التي يعمل عليها لصالح الاقطاعي ان نظام السخرة الاقطاعي يظهر الى اي مدى وصلت درجة الاستغلال والظلم من الانسان لاخيه الانسان.. ان الفائض الاقتصادي الضخم الذي اقتنصه مالكو وسائل الانتاج من نظرائهم وغرمائهم (العمال).. هو الذي خول النظام الرأسمالي واصحاب رؤوس الاموال ان يعيشوا في حنان الخلد على حساب شقاء وبؤس الغالبية من الناس فاقدي او بالاصح مسلوبي وسائل الانتاج. وفي الانظمة الاشتراكية.. والتي كانت تتباهى بجوانبها الاجتماعية وما تحققه من عدل ومساواة للجماهير فتبين في النهاية ان فائض البيروليتاريا يذهب الى رفاه ومزايا السكرتارية.. وكان هذا الاستغلال المبطن اخطر من نظيره الاستغلال المعلن في النظام الرأسمالي لدرجة انه ادى الى انهيار النظام برمته ووضعه في متحف التاريخ.. ان لم يكن على قارعة الطريق.. العلاقات الاجتماعية الاسلامية تستهدف اصلا صالح الفقراء وتأمين اوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وبطريقة مكرمة ومعززة «ولقد كرمنا بني آدم» ولم يقم الاسلام على استخدام الاقناع الاخلاقي فقط للاغنياء. ولم يعتمد على اثارة الشفقة والرحمة في قلوب القلة لتنصف الاكثرية.. وانما كان الاسلام صريحا واضحا في اظهار حقوق الفقراء والضعفاء والمعوزين.. في اموال الاغنياء.. ووصل الحال به الى مرتبة الامر.. «خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها» فربط بين طهر النفس وانفاق المال على مستحقيه.. ولم يدع الى تحكيم الضمير الاخلاقي للاغنياء حتى يوزعوا (حقوق اموالهم) على الفقراء. بل وصل الامر في ثورية الاسلام الى انه ربط بين جمع المال (والمقصود هنا الاكتناز) والمحرمات.. «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله.. يوم تحمي عليهم في نار جهنم فتكوى بها وجوههم وجياههم وجنوبهم..» ويجب الا نفهم بان الاسلام يعمل على تبديد الثروات واتلافها من خلال الانفاق المستمر على الفقراء.. بل العكس هو الصحيح.. فالاسلام في فلسفته الاقتصادية الانفاقية يبتغي عدة اهداف ـ اولها .. تأمين حاجات الفقراء وتأمين هذه الحاجات لم تعد مطلبا انسانيا وحسب في الفكر الاقتصادي الحديث وانما مطلب اقتصادي ايضا.. لان زيادة الدخول لهذه الطبقة الواسعة والعريضة من المجتمع ستزيد من الطلب الكلي للاقتصاد. وهذا الطلب هو العصا السحرية اليوم في تطوير الاقتصاد القومي برمته.. فالنظرية الحديثة في الاقتصاد اليوم يقوم على زيادة الدخول ـ من خلال احداث اعمال لكل افراد المجتمع.. او من خلال توزيع الاعانات عليهم في حالة تعذر تأمين العمل.. ولو تطلب الامر حفر قنوات او شق طرقات في النهار وردمها بالليل.. (حسب رأي كيثنر). او لو تطلب الامر توزيع الدولارات من طائرات الهليكوبتر (مدرسة شيكاغو التقنية المعاصرة اليوم).. وثانيها.. ان الاغنياء مطالبون بتثمير اموالهم الفائضة وتشغيلها في الاقتصاد القومي.. كي يزداد حجم الناتج الكلي ويقضي على البطالة ونصل بالاقتصاد الى حالة الاستخدام الشامل. وهي الحالة التي تسعى اليها كل الاقتصاديات الحديثة اليوم لانها ليست مرغوبة وحسب بل ايضا مطلوبة باستمرار. وثالثها.. الابقاء على الحافز الفردي في النشاط الاقتصادي لأنه يعد المحرك الرئيسي لعجلة الاقتصاد القومي برمته.. ومن ثم الابقاء على الملكية الفردية ـ مهما تضخمت ـ ما دامت قد جمعت بالطرق الشرعية.. المقررة في الاسلام والموضحة في تعاليمه ويتحقق بذلك عمارة الارض. التي هي من احدى اهم رسالات الاسلام على وجه المعمورة. بقلم: أ.د. محمد عارف كيالي _ استاذ اقتصاد جامعي