تعتبر الإدارة الاقتصادية في عالمنا اليوم من أهم الموضوعات الاقتصادية التي تحظى باهتمام المعنيين بالقرار الاقتصادي والاستراتيجي في الدول وكذلك المحللين الاقتصاديين والمؤسسات الاكاديمية، حيث أصبحت الإدارة الاقتصادية علماً مستقلاً يتم تدريسه في الجامعات والمعاهد العالمية، وبالتالي فإننا حينما نشخص واقع الإدارة عامة والإدارة الاقتصادية في مؤسساتنا، وزارواتنا، وشركاتنا ومصانعنا فان هناك تساؤلات عديدة تتمخض عن ذلك التشخيص تؤكد في نهايتها بأننا لانملك تلك المؤسسات أو الشركات في حال تطبيق معايير وأسس الإدارة الاقتصادية، ولعل التساؤلات التالية تؤكد حقيقة الأمر، من يدير مؤسساتنا الاقتصادية، مشاريعنا الانتاجية، شركاتنا المساهمة؟ من يملك قرار الانتاج، التسويق والتسعير في شركاتنا ومنها شركاتنا النفطية؟ من يحدد حجم الانفاق، وقيمة ونوعية وحجم المشتريات في مؤسساتنا؟ من يقترح أو يصنع فكرة المشروع، من يدرس ويحكم على نجاحه، من ينفذ المشروع ويتابعه؟ من هو الاستشاري، المهندس أو المدير المنفذ للمشروع؟ استثماراتنا وحركة رأس المال الوطني من يملك سلطة القرار الحقيقي فيها؟ من يديرها داخل الدولة أو خارجها؟ وهل نملك سلطة القرار في اعادة استثماراتنا، أموالنا الى الوطن متى كانت الحاجة اليها؟ أو بالاحرى هل نملك استثماراتنا الخارجية؟ مصارفنا، مؤسساتنا المالية، من يملك قرار إدارة الأموال فيها، من يتحكم في توجيه الائتمان فيها، من يملك حق إدارة المحافظ الاستثمارية فيها؟ كيف يدار الائتمان المصرفي؟ وفي أي قنوات يتم توجيه ذلك الائتمان؟ حينما نملك القرار في كل ذلك نستطيع عند ذلك ان نقول اننا نملك مالنا وندير استثماراتنا ونملك مشاريعنا ومؤسساتنا، ولكن الحقيقة واضحة، وفي ظل هذه الوضعية فان تحقيق التنمية الاقتصادية هدف بعيد المنال، أن نبحث عن دور حقيقي للقطاع الخاص ضرب من الخيال، اذن أين تكمن المشكلة وما هو السبيل لمعالجتها؟ لقد أصبحت العبارة التي نرددها كثيراً وهي «من لايدر المال لايملكه» حكمة وعرفاً لاسيما لدى الاقتصاديين الذين يدركون جيداً مدلولات وفحوى تلك الكلمة المأثورة والتي أصبحت تؤكد فلسفة وأهمية الإدارة الاقتصادية في عالم اليوم، فإدارة الموارد الاقتصادية بشرية كانت أو مادية تعتبر فناً يعتمد عليه نجاح المشاريع التنموية والاستراتيجية في مختلف الدول الساعية نحو تحقيق وجود لها في الساحة العالمية لاسيما في عصر التكتلات هذا، كما ان السبب الاساسي في تخلف دول العالم الثالث ومن ضمنها دولنا العربية يعود بالأساس الى عدم الفهم الصحيح لمفهوم وفلسفة الإدارة الاقتصادية سواء على صعيد القطاع الخاص، أو القطاع الحكومي والعام. وما يحدث في الامارات أو الساحة الاقتصادية المحلية من العشوائية في القرار والفشل في المشاريع والتخبط في السياسات الاقتصادية وحتى في ظل فهم محدود لابعادها فإننا لانطبق معايير تلك الفلسفة، فالامارات العربية التي امتلكت ثروة هائلة خلال فترة السبعينيات بحكم الطفرة النفطية وضخامة العائد المادي منها لم تعمل جدياً في إدارة كل تلك السيولة الضخمة ادارة اقتصادية صحيحة، اي بمعنى انها لم تعمل على توظيف تلك العوائد الكبيرة في صياغة تنمية اقتصادية حقيقية، ولم تعمل على ترجمة الادارة الاقتصادية على النحو الذي يحقق اقتصاد وطني قادر على مواكبة التطور الذي يحدث في دول العالم، وظلت الامارات متخلفة في هياكلها الاقتصادية والنتيجة ان الامارات أصبحت أكثر اعتماداً على النفط كمصدر وحيد في الدخل القومي، وفي الناتج المحلي الاجمالي، وفي تمويل الموازنة العامة للدولة، وفي الصادرات الخارجية، وفي الانفاق على كل شيء باستثناء احداث تنمية اقتصادية حقيقية، وبالتالي من الطبيعي ان تختل موازين القوة في الامارات مع الاختلال في أسعار النفط لاسيما عام 1986 أثر ازمة النفط، ثم عام 1997 حينما تعرضت الامارات لأزمة اخرى. هكذا يحدث في الدول التي لاتدير أموالها، أو تفتقر الى الإدارة الاقتصادية المرنة والقادرة على صياغة اقتصاد وطني يستطيع امتصاص الصدمات التي قد يتعرض لها أو قد تحدث في السوق العالمية ولها تأثير عل الاقتصاد الوطني، ويكون قادراً على تجاوز العقبات التي تعترض مسيرته، أو التحديات التي تواجهه أو تعرقل حركته، ولكن في غياب الإدارة الاقتصادية الوطنية أو تغييبها، فان العشوائية والتخبط، وغياب الاستراتيجية والتخطيط سمات النشاط الاقتصادي والتجاري في الامارات خلال السنوات الثلاثين الماضية، وبالتالي من الطبيعي ان يصبح الاقتصاد الوطني يفتقر الى المنهجية والرؤية الصحيحة ويكون عرضة لمزيد من الازمات الداخلية وللتأثيرات والانعكاسات السلبية للأزمات الخارجية. وحينما نتناول غياب الإدارة الاقتصادية في مشاريع الدولة وخططها فإننا نقصد ان الامارات كانت ومازالت تعتمد على العناصر الوافدة في إدارة شئونها الاقتصادية وتنفيذ مشاريعها الاقتصادية وادارة مواردها واستثماراتها داخلية كانت أو خارجية على الرغم من مرور ثلاثين عاماً من قيام الدولة، وفي ظل غياب الانتماء وضعف الضمير لدى شريحة من العاملين على إدارة مشاريعنا ومؤسساتنا وشركاتنا الوطنية العامة وفي ظل الاعتماد الكلي على الاستشارة والخبرة الأجنبية في المشاريع والمؤسسات وكذلك في غياب الرقابة والمتابعة والمراجعة الدقيقة من قبل المؤسسات الرقابية او تعطيل دورها من قبل اصحاب القرار في مؤسساتنا ووزاراتنا ومشاريعنا فإنه من الطبيعي ان يمارس اهل الخبرة الاجنبية دورهم السلبي في تعطيل مشاريعنا وايقاف التنمية الادارية والفنية في مؤسساتنا حينما تصبح لافكارهم الصدى وتحظى بالتنفيذ من قبل اصحاب القرار (الصورين) الذين لا يعنيهم امر التطوير والتنمية وحسن الادارة للمشاريع الاقتصادية بقدر ما يعنيهم استمرارهم في وظائفهم وتمسكهم بالكراسي الوثيرة التي يجلسون عليها غير عابئين بما يحدثه الآخرون من من تخريب وتهديم وسرق ونهب اموال عامة، ولعل ديوان المحاسبة وهو الجهة الرقابية على مؤسساتنا قد اكتشف مئات التجاوزات ومحاولات التخريب والسرقات التي قام بها المديرون على مشاريعنا بقصد او بدون قصد ولكن دوما ما تكون هناك ايدي اجنبية قد استفادت من تعطيل تلك المشاريع او السبب في وجود تلك المشاريع الفاشلة وحينها تتكبد الدولة والحكومات المحلية آلاف الملايين من الدراهم، ويتعرض الاقتصاد والسوق الاقتصادية بالدولة إلى سمعة سيئة قد نجمت بسبب سوء الادارة الاقتصادية، بينما تحقق شريحة الخبراء والاجانب ومن يتعاون معهم من بعض ضعاف النفوس وعديمي الانتماء من الاماراتيين مكاسب مادية ويحققون بالتالي مآربهم الذاتية. وربما في السيطرة على المشاريع والهيمنة على المؤسسات الاقتصادية في الدولة. وهكذا فإن الامارات لم تحصد خلال السنوات الثلاثين الماضية بسبب سوء الادارة الاقتصادية سوى مشاريع ضعيفة وبعضها سجل فشلاً ذريعاً وخسائر مالية كبيرة تحملتها الدولة والحكومات المحلية، فيما اصبح الاجنبي اكثر تحكماً في مؤسساتنا ومشاريعنا ومصارفنا في ظل ثقة عمياء من قبل المسئولين الموظفين الرؤساء الظاهرين لتلك المؤسسات والمشاريع والمصارف في شريحة الاجانب الذين اصبحوا اصحاب القرار الحقيقي في ادارة تلك المؤسسات والمصانع وبالتالي فإن الاقتصاد الوطني والمجتمع التجاري دائماً ما تعرض وسوف يتعرض لمشاكل عديدة تستهدف اوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية وتهدد الاستقرار الاقتصادي في الامارات. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي