لا شك أن القطاع العام هو حجر الأساس لأية عملية تنموية في أية دولة حديثة إذ أنه الجهة المسئولة عن تهيئة الحلبة لاستثمارات القطاع الخاص بما يملكه من إيرادات عامة وسلطة سن القوانين، أن أي خلل في هذا القطاع المهم ينعكس دائما على الوضع الاقتصادي للدولة ككل، فعلى سبيل المثال إذا كان هذا القطاع يعاني من مشكلة ما كالفساد الإداري كما هو الحال في الكثير من الدول النامية فإن هذا الوضع سوف ينعكس على الدولة في صورة أزمة اقتصادية مزمنة. أن أكثر المشكلات التي يعاني منها القطاع العام في الدول النامية والدول الأقل نموا هما الفساد الذي يعتبر الإيدز الاقتصادي على حد تعبير أحد الخبراء الاقتصاديين والبيروقراطية أية الإسراف في الإجراءات المطلوبة لإتمام أي معاملة أو تقديم أية خدمة والتي تعتبر المرض الثاني الأكثر انتشارا بعد الفساد في الكثير من الدول، إضافة إلى الفساد والبيروقراطية هناك مشكلات أخرى اقل انتشارا مثل الترهل الإداري وتضارب الاختصاصات بين الجهات الإدارية المختلفة وارتفاع تكلفة أو رسوم الخدمة المقدمة التي غالبا ما يكون تأثيرها على الوضع الاقتصادي أسوأ من الفساد والبيروقراطية كما سنرى من خلال هذه المقالة. إن القطاع العام في دولة الإمارات وخاصة في إمارة دبي والمتمثل في الدوائر المحلية والمرافق العامة التي تقدم العديد من الخدمات المتميزة في الواقع والذي كان قد تجاوز مشكلة البيروقراطية بصورة تدعو إلى الإعجاب وذلك مقارنة بالقطاع العام في مختلف الدول النامية وخاصة الدول الخليجية والعربية والشرق أوسطية مما قد يحفز هذه الدول إلى الاستفادة من هذه التجربة الرائدة والناجحة بكل المقاييس كما تمكن القطاع العام في الدولة من البدء بصورة لا بأس بها من تجاوز مشكلة الفساد وإن كان من المبكر الحكم على هذه الخطوة في الوقت الحاضر لأن هذه العملية لم تتبلور نتائجها بشكل كاف حتى الآن إلا أن البدء أو حتى مجرد التفكير في القيام بمثل هذه العملية يعتبر خطوة مهمة في الطريق الصحيح، ان القطاع العام في الإمارات يعاني في نظري من مشكلة مختلفة تماما عن المشكلات السائدة في الدول الأخرى ألا وهي مشكلة التكلفة الباهظة للخدمات المقدمة من قبله التي تأخذ شكل رسوم مبالغ فيها والتي تعتبر في كثير من الأحيان ضريبة مستترة، من المعروف لدى خبراء المالية العامة والمشرعين الضريبيين أن أي ضريبة أو رسم سواء على المستوى المحلي والمقصود بالمحلي هنا السلطة المحلية في الدول التي تتكون من اتحاد فدرالي أو على المستوى الاتحادي يجب ألا تفرض إلا بقانون أو على استناد إلى قانون صادر من سلطة مركزية غالبا ما تكون السلطة التشريعية وذلك لتلافي أي تضارب في التشريعات الضريبية أو ازدواج ضريبي محلي غير مقصود لما قد يشكله هذا التضارب من تأثير سلبي على الاقتصاد الوطني بمستوييه الجزئي والكلي بسبب رفع التكلفة (Transaction Cost) على الشركات الوطنية والشركات العاملة في السوق المحلي الذي يؤدي في المحصلة إلى إضعاف المقدرة التنافسية لهذه الشركات ومن ثم مقدرتها على مقارعة الشركات الأجنبية في السوق العالمي وإمكانية الحصول على حصة جيدة في هذه السوق الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى انخفاض عائدات تلك الشركات ونصيب الاقتصاد المحلي من التجارة الدولية التي تسعى الدول كبيرها وصغيرها إلى الحصول على اكبر حصة ممكنة منها. إن الوضع القائم في دولة الإمارات مختلف قليلا عن ما يجب أن يكون حسب ما هو متفق عليه من قبل معظم الخبراء الاقتصاديين والقانونيين، إذ أن معظم الرسوم المفروضة على الخدمات التي تقدمها العديد من الجهات الحكومية وعلى وجه الخصوص في إمارة دبي التي تتمتع بمكانة إقليمية مرموقة كمركز تجاري ومالي وخدمي تتسم فيه عملية الاستثمار بالسهولة واليسر وما تتطلبه هذه العملية التي تعتبر الركيزة الأساسية للبناء الاقتصادي والخطوة الأولى في مسيرة التنمية والنهوض من بنية تحتية وخدمية بالكفاءة العالية لا تنطبق عليها الشروط الواجب توفرها في مثل هذه الرسوم، وبمعنى آخر اكثر وضوحا إن معظم الرسوم المفروضة على الخدمات العامة التي تقدمها الدوائر الحكومية المختلفة في إمارة دبي تشوبها العديد من العيوب الإجرائية والموضوعية، ففيما يتعلق بالعيوب الإجرائية فان معظم تلك الرسوم يتم فرضها بقرار إداري من الدائرة الحكومية المختصة وليس بقانون صادر من سلطة مركزية وذلك دون التنسيق مع باقي الجهات الحكومية لتجنب أي تضارب فيما بين الرسوم التي تفرض من الجهات الحكومية المختلفة الذي يؤدي في اغلب الأحوال إلى ازدواج في الرسوم المفروضة على القطاع الخاص ورفع غير مبرر أو مفيد لتكلفة الاستثمار في الاقتصاد الوطني الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى هروب رؤوس الأموال وخاصة الوطنية إلى مناطق ودول أخرى تكون فيها تكلفة الاستثمار أقل، وخير مثال على هذا الإدعاء ما حصل في سنغافورة التي تتشابه في ظروفها وبنيتها الاقتصادية من حيث حجم السوق المحلي والبنية التحتية والقانونية والخدمات المتطورة مع إمارة دبي إذ أن زيادة الضريبة المضافة GST بنسبة 3% أدى إلى مغادرة العديد من الشركات وخاصة متعددة الجنسيات لسنغافورة التي كانت تتخذ منها مركزا إقليميا لأعمالها في الشرق الأقصى ونقل مراكزها إلى دول مجاورة كماليزيا وإندونيسيا وتايلاند وذلك نتيجة للتكلفة الباهظة التي أخذت تلك الشركات تتحملها في سبيل إدارة استثماراتها في شرق آسيا من مراكزها الرئيسية في سنغافورة، وهناك مثال آخر أكثر معاصرة في بريطانيا حيث أن الاقتصاد البريطاني الآن يعاني من نزيف في الأموال وفرص العمل نتيجة مغادرة الكثير من الشركات أو نقل استثماراتها إلى خارج بريطانيا بسبب ارتفاع نسبة ما يعرف بضريبة القيمة المضافة Value Added Tax(VAT) ما أدى كما ذكرنا إلى فقد العديد من فرص العمل للبريطانيين، أما فيما يتعلق بالعيوب الموضوعية فأحد هذه العيوب وهو ليس بالعيب الوحيد فهو قيمة الرسم، من المعروف أن الاختلاف الرئيسي بين الرسم والضريبة هو أن الرسم لا يفرض ألا مقابل خدمة وذلك لتغطية تكاليف هذه الخدمة التي تقدمها الدولة للأفراد والمؤسسات الخاصة في سبيل تسهيل القيام بأعمالهم أما الضريبة بنوعيها المباشرة وغير المباشرة فهي لا تفرض كمقابل لأي خدمة وإنما تفرض لأسباب مختلفة وذلك لتحقيق أهداف معينة إذ تعتبر الضرائب إحدى الأدوات المالية التي تستخدمها الحكومات لتوجيه الاقتصاد أي لتنفيذ سياساتها المالية والاقتصادية، فمثلا تعتبر الضرائب في بعض الدول وخاصة النامية التي تملك موارد مالية محدودة بنداً مهماً من بنود الإيرادات العامة كما تعتبر الضرائب من أكثر الوسائل المستخدمة لإعادة توزيع الثروة بين أفراد المجتمع، وأخيرا تفضل الكثير من الدول استخدام الضريبة كوسيلة فعاله لترشيد استهلاك بعض أنواع السلع مثال ذلك الضريبة المفروضة على السلع الضارة بالصحة كالتبغ والكحول، وإذا ما زاد الرسم على التكلفة الفعلية التي تحملتها الجهة الحكومية المقدمة للخدمة فإن هذا الرسم يكون في الواقع عبارة عن ضريبة مستترة، ان العديد من الدوائر الحكومية المحلية في إمارة دبي تفرض الكثير من الرسوم التي تحمل مسميات مختلفة لا تقابلها في الواقع خدمة قدمتها وتحملت تكاليفها هذه الجهات الحكومية مما يعني أن الكثير من الشركات تدفع سنويا مبالغ كبيرة (ضريبة مستترة) في صورة رسوم قد تصل هذه المبالغ إلى ما يزيد على 25 من الأرباح الصافية لبعض الشركات، وقد لجأت العديد من الشركات وخاصة تلك التي تستهدف بصفة أساسية أسواق الدول المجاورة من خلال نشاطها في الدولة إلى الانتقال إلى المناطق الحرة المختلفة مثل المنطقة الحرة في جبل على ومطار دبي الدولي بالإضافة إلى مدينة دبي للإنترنت ومدينة دبي للإعلام وذلك لتفادي مثل تلك الرسوم التي تحملهم تكاليف باهظة تؤثر بشكل أساسي على القدرة التنافسية وعلى العائد على رأس المال مما قد يؤدي إلى أحجام الشركات وخاصة المحلية عن الاستثمار في بعض القطاعات المهمة نتيجة لضعف العوائد على الاستثمار، لا أريد أن تأول وجهة النظر هذه على نحو خاطئ إذ أني لا أعترض على فرض الرسوم على الخدمات المقدمة من قبل الدولة لكل المتواجدين على أرضها من أفراد ومؤسسات بل على العكس من ذلك إذ أن أكثر من 75 من المستفيدين من تلك الخدمات هم من الأجانب وهو ما لم يحدث في أي دولة أخرى وهو أن تقدم الدولة مثل تلك الخدمات بصورة مجانية وبدون رسوم ولكن ما أود أن أقوله هو أن تتم هذه العملية أي عملية فرض الضرائب والرسوم بصورة صحيحة بدون الخلط بين الاثنين إذ أن لكل منهما إجراءات وأهداف مختلفة، ويتم ذلك عن طريق قصر سلطة فرض الضرائب والرسوم المختلقة على جهة واحدة مركزية بحيث يتم تفادي أي تضارب أو ازدواج فيما بينها إضافة إلى تفادي أي أعراض جانبية قد يكون لها تأثير سلبي على عملية الاستثمار ومن ثم على الاقتصاد الوطني ككل كما حدث في سنغافورة ويحدث الآن في بريطانيا، وأخيرا أود أن أوضح أنه من الجميل أن يفكر القطاع العام بعقلية القطاع الخاص فيما يتعلق بالتركيز على عاملي الجودة والوقت من خلال التنافس فيما بين الدوائر الحكومية المختلفة بحيث تسعى كل دائرة أو هيئة حكومية إلى تقديم أفضل خدمة ممكنة ولكن ليس من المفترض أن يفكر القطاع العام بعقلية القطاع الخاص فبما يتعلق بالتركيز على عامل الربحية أي أن تسعى كل دائرة أو جهة حكومية إلى زيادة دخلها عن طريق فرض ما شاءت من رسوم دون الأخذ في الاعتبار الأعراض الجانبية السلبية لهذه الرسوم أو المبالغة في فرضها على الجو العام للاستثمار وعلى الوضع الاقتصادي ككل. بقلم: ناصر أحمد بن غيث _ جامعة كيس وسترن ريزيرف