على الرغم من الترحيب الواسع بالاجراءات الأخيرة لنظام سعر الصرف الجديد.. وظهور مؤشرات مؤكدة لنجاح هذه الاجراءات في القضاء على السوق السوداء للدولار وتشجيع صغار المدخرين على ضخ ما بحوزتهم من دولارات في البنوك.. وكذا بروز توقعات باعادة التوازن النسبي للميزان التجاري المصري. حذر رجال أعمال وخبراء اقتصاد وصناع كثيرون من تداعيات سلبية ستتزامن مع زيادة سعر الدولار وخفض قيمة الجنيه للمرة الثالثة خلال 7 أشهر.. وتوقع الخبراء ورجال الأعمال والمستثمرون أن تضيف الاجراءات الجديدة للدولار أعباء تتجاوز قيمتها نحو 4.3 مليارات جنيه منها 2.4 مليار جنيه زيادة محتملة في فاتورة مستلزمات الانتاج والسلع الوسيطة والسلع الرأسمالية.. فضلا عن 312 مليون جنيه تمثل الفارق الذي ستتحمله خزانة الدولة من سعر الدولار القديم ونظيره الجديد.. علاوة على زيادة قيمة الواردات من السلع الأساسية كالسكر والقمح والزيت والواردات الأخرى بنحو 1.6 مليار جنيه. وأكدت فعاليات الاقتصاد المصري من صناع ومستوردين ورجال أعمال أن الاجراءات الأخيرة من شأنها رفع أسعار الخامات المستخدمة في تصنيع المنتجات المحلية بما لا يقل عن 30% كنتيجة مباشرة لارتفاع سعر الدولار على الخامة وزيادة الجمارك وكذلك ارتفاع النولون.. وأكدوا أن المنتجين المصريين في حاجة الى اعادة حساب الأسعار طبقا للارتفاعات الجديدة للدولار والتي قد لا يقبلها السوق في ظل الركود الحالي. انحسار الواردات ويخطئ من يظن أن التداعيات ستقف عند حد هذه الأعباء حيث أن انخفاض القوة الشرائية للجنيه الذي تراجع بنحو 30% أمام الدولار الى ظهور بوادر لمخاطر التضخم وتكريس حالة الركود.. كما أن انحسار الواردات وزيادة قيمة فاتورة مستلزمات الانتاج سترفع تكلفة المنتج المصري وتضعف قدرته التنافسية خارجية وداخليا.. الأمر الذي سيؤدي لتقليص الانتاج والاستغناء عن شريحة ليست قليلة من العمالة وبالتالي زيادة حدة مشكلة البطالة.. كما أن زيادة الواردات من السلع الأساسية التي تدعمها الدولة سيكون على حساب الموازنة التي سيزداد عجزها البالغ نحو 20.7 مليار جنيه.. وربما تضطر الحكومة الى طرح أذون خزانة التغطية هذا العجز، الأمر الذي يرفع قيمة الدين المحلي ويفرز نتائج سلبية أخرى. ورصد الخبراء مشكلة أخرى ربما تتحملها المصانع التي أبرمت تعاقدات قديمة بناء على سعر الدولار البالغ 390 قرشا قبل الزيادة الأخيرة التي بلغت 25 قرشا بنسبة6.2% وأوضحوا أن هامش الربح في هذه التعاقدات وفقا للسعر القديم للدولار يتراوح بين 4% و5% الأمر الذي سيؤدي لخسارة تلك المصانع حال التزامها بتنفيذ التعاقدات بسعر ما قبل الزيادة. وحذر الخبراء ورجال الأعمال من أن السوق المصري بعد اصرار الحكومة على تطبيق المرحلة الثانية والثالثة من ضريبة المبيعات لا يتحمل أية زيادات أخرى في الأسعار نتيجة ارتفاع سعر الدولار لاسيما وأن المجال سيكون مفتوحا أمام السلع المماثلة القادمة بأسعار رخيصة من أسواق دول جنوب شرق آسيا للاستحواذ على السوق، وأشاروا الى أن آلية الصرف الجديدة ستضطر القطاعات الصناعية المصرية الى اللجوء لرفع أسعار منتجاتها بعد استنفاد الوسائل الأخرى مثل ترشيد التكلفة والتنازل عن جزء من هامش الربح حتى تستمر في منافسة الانتاج المستورد في السوق المحلي أو في أسواق التصدير. وتوقع معظم خبراء الاقتصاد أن تنحسر واردات السلع المعمرة وفي مقدمتها الأجهزة المنزلية والأدوات الكهربائية والسيارات وأجهزة الكمبيوتر وكذا السلع الاستهلاكية والترفيهية خاصة التي لها مثيل داخل السوق المصري، وأن تزداد أسعار سلع أخرى بنسب متفاوتة منها الأسمنت والبتروكيماويات ويزداد ركود سلع ثالثة منها الأثاث بينما لا تتأثر المنتجات الجلدية وربما تزداد أسعار السلع الأساسية التي تدعمها الدولة بنسب طفيفة. آثار جانبية ولم تنكر الحكومة أن الاجراءات الجديدة التي ضبطت اداء سوق صرف الدولار ستؤدي لآثار جانبية في قطاعات اقتصادية أخرى موازية حيث كشفت وزارة التموين والتجارة الداخلية عن أن تكلفة واردات القمح المصري ستزداد بنحو يتراوح بين 80 مليون جنيه و120 مليونا حيث زادت تكلفة استيراد الطن الواحد بعد ارتفاع سعر الدولار بنحو 30 جنيها، كما سيؤدي ارتفاع سعر صرف الدولار الى ارتفاع أسعار السكر خاصة وأن الشركة القابضة للصناعات الغذائية مطالبة بتدبير كمية تتراوح ما بين 450 الى 500 ألف طن سنويا يتم استيرادها من الخارج، ومن المرجح أن تقتصر الزيادة على السكر الذي يتم استيراده عن طريق القطاع الخاص وأن تظل أسعار السكر المطروحة عبر المنافذ الحكومية دون تغيير. وأكدت تقارير اتحاد الغرف التجارية أن ارتفاع الدولار سيحد من استيراد السلع الاستهلاكية الاستفزازية خاصة التي لها مثيل في الأسواق المحلية، فضلا عن أن البنوك المصرية وضعت قائمة بأولوية السلع التي يتم الموافقة على فتح اعتمادات استيرادية لها وفي مقدمتها مستلزمات الانتاج والسلع الوسيطة والرأسمالية، وأنه في اطار هذه القائمة سيتم رفض أية طلبات لاستيراد السلع الترفيهية الاستهلاكية التي تسببت في زيادة فاتورة الواردات المصرية خلال العامين السابقين بنحو 37.5 مليار دولار. وتضم قائمة الصناعات المرشحة للتضرر من ارتفاع سعر الدولار الحلويات والمخبوزات ومنتجات الألبان التي تعتمد في تصنيعها على نحو 20 ألف طن من الألبان الجافة التي يتم استيرادها سنويا وكذلك على السكر والدقيق التي ستزداد قيمة وارداتهما، فضلا عن الصناعات الكيماوية التي تمثل مستلزمات الانتاج المستوردة بنحو 80% من مكوناتها الرئيسية، وهي خامات تدخل في صناعة البلاستيك والمطاط والبويات والأسمدة والزجاج والبطاريات والغازات الصناعية والورق ويصل حجم وارداتها بنحو 500 مليون جنيه سنويا، ومن المحتمل أن يؤدي زيادة أسعار المنتجات الكيماوية الى تأثر قطاعات استثمارية أخرى مرتبطة بها كالزراعة والبناء غير أن غرفة صناعة الكيماويات في اتحاد الصناعات تستبعد قيام المنتجين برفع أسعارهم لاسيما في الوقت الحالي الذي تعاني فيه الأسواق من ركود، إلا أنها تتوقع أن تشهد الصناعات القائمة على الورق ارتفاعا في تكاليف الانتاج خاصة أن الانتاج المحلي من الورق يصل الى نحو 80 ألف طن سنويا ولا يكفي الاحتياجات حيث يتم استيراد 100 ألف طن أخرى بالدولار. ارتفاع الأسعار وأوضح المهندس صلاح الحضري رجل الأعمال المتخصص في قطاع السيارات أن تأثر الصناعات الهندسية والمعدنية بارتفاع سعر صرف الدولار أمر منطقي ومتوقع خاصة أن تلك الصناعات تعتمد اعتمادا شبه كلي على الخامات والمستلزمات والسلع الوسيطة المستوردة لكونها صناعات تجميعية في الأساس، مشيرا الى أن تجارب ارتفاع سعر الدولار في مصر تجعل السيارات الحديثة وربما المستعملة تشهد ارتفاعا في أسعارها يتناسب مع الزيادة الجديدة في سعر الدولار، كما أوضح أن تأثر صناعة الحديد والصلب والصناعات المعدنية الأخرى بارتفاع سعر الدولار سينعكس سلبا على اسعار السيارات التي تدخل هذه المكونات في تصنيعها، وأشار الى أن السيارات المستوردة ستتأثر بنسب أكبر من نظيرتها المصنعة محليا بنسبة مكونات مستوردة تتراوح من 40% و60% موضحا أن السيارات المستوردة ستتحمل أعباء كثيرة نتيجة ارتفاع الدولار. ويؤكد ممدوح مكي عضو مجلس ادارة اتحاد الصناعات ورئيس غرفة الجلود أن السياسات الجديدة جعلت الجنيه المصري يقترب من قيمته الحقيقية بالنسبة للدولار، إلا أن الآثار المترتبة على هذه السياسات ستؤثر سلبا على أسعار السلع الرئيسية المستوردة التي تمثل احتياجات أساسية للعديد من الصناعات التصديرية وكذا المنتجات المحلية التي باتت في مأزق حقيقي حيث أن زيادة الأسعار تكرس أزمة الركود في حين أن البقاء على الأسعار كما هي رغم زيادة التكلفة النهائية للمنتج يعرض المنتجين للخسارة، وأوضح مكي أن حركة الواردات المصرية ستنحسر الأشهر المقبلة على مستلزمات الانتاج والسلع الوسيطة وكذا السلع غير المنتجة محليا خاصة وأن التعليمات لدى البنوك تؤكد الامتناع عن تمويل استيراد سلع لها مثيل محلي، مشيرا الى أن هذا الاجراء ربما ينعش الصناعة المحلية.. كما استبعد مكي تأثر الصناعات الجلدية في مصر بارتفاع سعر الدولار لأن كافة خامات الانتاج اللازمة لهذه الصناعة متوفرة محليا وبمستوى جودة عالمي. زيادة الصادرات ولكن ويرى عبده بدوي أمين عام الشعبة العامة للمصدرين بالاتحاد العام للغرف التجارية أن تخفيض قيمة الجنيه المصري كنتيجة لتحرير آليات السوق في صالح الصادرات المصرية، وأنه يمنح هذه الصادرات ميزة تنافسية على مثيلتها في الأسواق الخارجية، بعد أن أدت الاجراءات الجديدة الى تخفيض قيمة الجنيه بما يوازي 7.5% تمثل فارق سعر الدولار القديم عن الجديد، الأمر الذي يعني انخفاض أسعار الصادرات المصرية أمام مثيلاتها في الأسواق الخارجية، وأشار الى أن تشجيع الصادرات يتطلب اجراءات أخرى تتعلق بالضرائب والرسوم الجمركية المفروضة على مستلزمات الانتاج وتوفير التمويل منخفض الأعباء، مؤكدا أن زيادة أسعار مستلزمات الانتاج المتوقعة بعد ارتفاع سعر الدولار يحتم على الحكومة التدخل باعفاء الصادرات المصرية من جميع الضرائب والرسوم حتى يتمكن المصدرون من الاستفادة بسياسات الصرف الجديدة، كما أوضح أن هذه الاجراءات ستشجع المصدرين على الاهتمام بالمكونات المحلية والاعتماد عليها بمعدلات أفضل لتقليل تكلفة المنتج النهائي وزيادة القدرة التنافسية، مشيرا الى أنه مع تحديث الصناعة المحلية ومكونات السلع التصديرية ستتراجع قيمة فاتورة مكونات الانتاج المستوردة. استيراد مستلزمات الانتاج فقط وعلى صعيد المستوردين الذين يعتبرون أكثر الفئات تضررا من الاجراءات الجديدة كشف مصطفى زكي رئيس شعبة المستوردين بالغرفة التجارية بالقاهرة عن اتفاق معظم المستوردين على ترشيد الواردات في الفترة الراهنة، خاصة أن تجاوز سعر الدولار لأربعة جنيهات يعتبر سعرا مانعا للاستيراد لأن السوق يعاني أزمة ركود وتراجع في القدرة الشرائية لدى المستهلكين. وأضاف أن المستثمرين اتفقوا على استئناف الاستيراد حين يستقر الدولار ويتحرك السوق الداخلي ويصبح قادرا على استيعاب السلع المستوردة التي يتم ضخها، كما أكد تأييد المستوردين لخطة الحكومة المتعلقة بأولوية فتح الاعتمادات المستندية للخامات ومستلزمات الانتاج والسلع الأساسية وتأجيل استيراد السلع الأخرى في ظل تراكم البضائع في السوق المصري، موضحا أن الواردات المصرية انخفضت من 13.2 مليار دولار الى نحو 12.5 مليار دولار خلال الفترة من منتصف العام الماضي حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وأن اجمالي الواردات لهذا العام لن يتجاوز 14.5 مليار دولار اذا استمرت سياسة ترشيد الواردات. وأشار الى أن عدم تمويل اعتمادات مستندية لسلع تنتج محليا لا يتعارض مع اتفاقية التجارة الحرة التي تسمح للدول التي تتعرض عملتها الوطنية أو اقتصادياتها لمخاطر من هذه النوعية التي يواجهها حاليا الاقتصاد المصري بالتدخل لتنظيم عمليات الاستيراد اليها واعلان قائمة بالسلع الممنوع استيرادها، وكذا اتخاذ أية اجراءات حمائية أخرى لحين زوال المخاطر. تداعيات واقتراحات وحسبما يقول الدكتور حمدي عبدالعظيم الخبير الاقتصادي المصري بأن الزيادة التي حدثت في سعر الدولار ستؤدي الى زيادة فاتورة مستلزمات الانتاج والمواد الخام والسلع الوسيطة والرأسمالية البالغة 9.6 مليارات دولار وتوازي 60% من قيمة الواردات التي تجاوزت 16 مليار دولار العام الماضي، مشيرا الى أن زيادة الدولار بنحو 25 قرشا يعني ارتفاع الواردات من هذه الخامات بحوالي 4.3 مليارات جنيه حال ثبوت قيمة الواردات العام الحالي دون زيادة أو تراجع، وأوضح أن زيادة أسعار تلك المستلزمات ستؤثر على الانتاج المحلي خاصة المخصص للتصدير. القاهرة ـ يوسف شاكر: