أكدت النشرة الاقتصادية لبنك HSBC ان انتشار المناطق الحرة في دولة الامارات له تأثير ايجابي في جذب الاستثمار وتوفير الوظائف وايجاد مزايا ثانوية للاقتصاد الداخلي. وذكرت النشرة انه وفقا لاحدث التقديرات هناك ما لا يقل عن ست عشرة منطقة حرة في الامارات منها اثنتا عشر منطقة قائمة وأربع تمت تسويتها ولكنها لم تباشر عملها بعد وقد اقيمت خمس مناطق حرة في عام 2000 وحدة، اربع منها في دبي ووفقا لتقديراتنا، فإن مساحة المناطق الحرة القائمة في الامارات لا تقل عن 16000 هكتار من الاراضي التي تم تطويرها او المتاحة للتطوير، وتعمل في هذه المناطق حاليا اكثر من 2900 شركة. ولا توجد بيانات شاملة متوفرة بالنسبة لعدد الشركات المستثمرة وحجم التجارة عبر المناطق الحرة. ولكن من الواضح ان المنطقة الحرة لجبل علي، اقدم منطقة قائمة، مازالت هي الاكبر وبفارق كبير، حيث توجد بها اكثر من 2000 شركة. ومن الجدير بالذكر ان المنطقة الحرة لجبل علي، التي كانت قبل 25 عاما جزءا من صحراء جرداء، قد تفوقت الآن على دبي كمركز للتصدير واعادة التصدير. ففي عام 1998 بلغت القيمة الاجمالية للتجارة الخارجة عبر دبي. ووفقا لعدد من المقاييس الاخرى يعتبر معدل النمو في جبل علي اسرع من معدل النمو بالنسبة لدبي. وربما كانت جبل علي قد تفوقت ايضا على دبي في مجال الاستثمار وعدد الوظائف في قطاع الصناعة. وهذه شهادة بالفارق الكبير في القدرة على الاستقطاب بين بيئتي المناطق الحرة والعمل الداخلي. ومنذ منتصف التسعينات بدأت الامارات الاخرى في السير على خطى جبل علي، ويوجد في كافة الامارات السبع الآن مناطق حرة قائمة أو مرشحة. وتعتبر المنطقة الحرة في عجمان هي ثاني اكبر منطقة حرة بعد جبل علي، حيث يبلغ عدد الشركات المستثمرة فيها اكثر من 500 شركة، وتشير التقارير الى انها اسرع المناطق الحرة نموا في الامارات. وتأتي ثالثا المنطقة الحرة بمطار الشارقة التي يبلغ عدد الشركات فيها 380 شركة على اقل تقدير. وهناك اربع مناطق حرة اخرى. المنطقة الحرة بمطار دبي ومدينة دبي للانترنت والمنطقة الحرة بالفجيرة والمنطقة الحرة بالحمرية ـ لا يقل عدد المستثمرين في كل منها عن 100 مستثمر. وبدأت بعض عناصر التميز في الظهور بين المناطق الحرة. وتعتبر جبل علي هي الاغلى ولكن مع الاعتراف بأن لديها اكبر بنية تحتية وتقدم اوسع مجموعة من الخدمات الشاملة. فمعظم المستثمرين بحاجة الى ميناء بحري وجبل علي مازالت متقدمة كثيرا على كافة الموانيء الاخرى في المنطقة من حيث عدد الرحلات والتغطية الجغرافية للسفن التي ترسو فيها. وخلال العام الماضي تقريبا نشأت ظاهرة جديدة وهي ما يمكن تسميته «المنطقة الحرة الحضرية» متمثلة في مدينة دبي للانترنت ومدينة دبي للإعلام، وهي غير مرتبطة بميناء او مطار ولكنها مصممة لجذب الصناعات المتخصصة او صناعة الخدمات. وتتجه المنافسة نحو الاحتدام، وربما يظهر ذلك في ثلاثة مجالات. فالمناطق الحرة القائمة على الموانيء تعمل على اجتذاب المستثمرين الذين سيشحنون بضائعهم عبر تلك الموانيء. والمناطق الحرة في المطارات لها سوق مستهدف مشابه بين مستخدمي الشحن الجوي. وفي المقابل ربما تتنافس المناطق الحرة الحضرية مع بيئة العمل الداخلي. وهناك بالفعل مؤشرات على انتقال شركات اجنبية قائمة من بيئة العمل الداخلي الى المناطق الحرة الحضرية. ويبدو ان هناك ثلاثة أو اربعة معايير تتحكم في قرارات المستثمرين الاجانب في اختيار موقع العمل في منطقة الخليج. أولا، معظم المستثمرين لا يرى بديلا حقيقيا لدولة الامارات. فالبنية التحتية ووسائل الاتصالات ومستوى الحياة في الامارات تجعلها هي الخيار الأول. وقد اقامت ايران مناطق حرة في جزيرتي كيش وقشم وهي تتطلع لأخذ حصة من تجارة إعادة التصدير في دبي. وقامت البحرين بتطوير اكثر بيئات العمل حرية في الخليج، ولكن في الوقت الحاضر، يعتبر المستثمرون الامارات قاعدة العمل الاساسية بالنسبة للمنطقة. اضافة الى ذلك، يقول معظم المستثمرين الاجانب انهم يريدون سيطرة كاملة على اعمالهم واعفاءات من الرسوم الجمركية المطبقة وتبسيط العلاقة مع الحكومة الى ادنى حد ممكن. والمناطق الحرة تلبي او تسعى لتلبية كافة هذه المعايير، ومن الطبيعي ان تحقق نجاحا متزايدا في استقطاب الاستثمار الاجنبي. يبقى السؤال المحوري هو، لماذا المناطق الحرة؟ كما اشرت اكثر من مرة في اعداد سابقة من هذه النشرة الاقتصادية فإن معظم الدول الصناعية ليس لديها مناطق حرة، كما ان هونج كونج وسنغافورة، وهما من الدول التي تقارن عادة بالامارات، ليس لديها مناطق حرة، ويمكن وصف البحرين، التي تم تصنيفها مؤخراً كأكثر اقتصاد حر في العالم العربي، باعتبارها منطقة حرة على مستوى الدولة بأكملها. ويجب ان نتذكر ايضا ان كل دولة عضو في منظمة التجارة العالمية تتعهد بمراعاة اتفاقيات منظمة التجارة العالمية في كافة الاراضي التابعة لسيادتها. وهذا يعني انه يجب الا يكون هناك نظامان اقتصاديان متوازيان في الدولة الواحدة. ولذلك يبدو من المحتم ان تتقارب وتتوحد بيئة المناطق الحرة مع بيئة العمل الداخلي التقليدية. وفي واقع الامر تعتبر المناطق الحرة هي الاقرب لمفاهيم منظمة التجارة العالمية الخاصة بالتجارة الحرة ومعاملة المستثمرين على قدم المساواة، ولذلك يجب ان تتحرك بيئة العمل الداخلي التقليدية في هذا الاتجاه. واشارت النشرة إلى انه من بين دول مجلس التعاون الخليجي كانت الامارات هي الرائدة في مجال تطوير المناطق الحرة. ويصح القول ان المناطق الحرة في الامارات قد حققت نجاحاً باهراً في استقطاب الاستثمار الاجنبي. وفي واقع الامر، يبدو عملياً ان المناطق الحرة قد استحوذت على مجمل الاستثمار في الامارات. ومع الاخذ في الاعتبار التوجه العالمي نحو التحرير الاقتصادي والتزامات دول مجلس التعاون الخليجي الاعضاء او التي ستنضم لعضوية منظمة التجارة العالمية، فقد ذكرنا وجهة النظر القائلة انه قد يحدث، او ربما من المؤكد ان يحدث تقارب بين هاتين البيئتين. وبمعنى آخر كان رأينا ان بيئة العمل الداخلي سوف تصبح متمتعة بنفس الحرية التي تتمتع بها مناطق الاوفشور، وان المناطق الحرة لن تكون بيئة عمل متميزة ومنفصلة. وفي هذه الحالة سوف يكون التنافس بين مناطق العمل المختلفة على الاستثمار وفي المقام الاول على اساس الخدمات الخاصة التي تقدمها للمستثمرين وليس فقط على مدى تحرر لوائحها او حوافزها المغرية. ومن المهم وضع تعريف للمنطقة الحرة بصورة مبسطة ويمكن تلخيص الاختلافات بين المنطقة الحرة ومنطقة العمل الداخلي التقليدية في الامارات على النحو التالي:ـ ـ في المنطقة الحرة يمكن للمستثمرين الاجانب امتلاك شركاتهم بنسبة 100 في المئة دون حاجة لوجود كفيل او وكيل خدمات مواطن. اما بالنسبة للعمل الداخلي. فإن معظم انواع الشركات يجب ان تكون لمواطني الامارات حصة الاغلبية في ملكيتها او يجب ان يكون لديها وكيل خدمات مواطن. ـ في المنطقة الحرة كافة شحنات البضائع معفاة من الرسوم الجمركية بدون حدود زمنية. اما بالنسبة للعمل الداخلي. فإن معظم الواردات تخضع للرسوم الا اذا تم حفظها في مناطق التخزين الحر وهي تخضع لحدود زمنية. ـ في المنطقة الحرة لا يخضع المستثمرون لضرائب البلدية على ايجارات المواقع الصناعية او المكاتب. اما بالنسبة للعمل الداخلي، فربما تخضع الايجارات لضرائب البلدية (في دبي 10 في المئة على العقارات التجارية). ـ في المنطقة الحرة هناك عادة خدمة مركزية لترتيب العلاقة مع الجهات الحكومية بالنيابة عن المستثمرين. اما بالنسبة للعمل الداخلي يتعين على المستثمر عادة التعامل مباشرة مع عدد كبير من الهيئات الحكومية على المستوى الاتحادي والمحلي وعلى مستوى البلديات. وبالنسبة لمعظم الجوانب الاخرى لا يوجد اختلاف بين بيئتي الاوفشور والعمل الداخلي التقليدي في الامارات. فعلى سبيل المثال لا توجد ضرائب تجارية او شخصية مباشرة ولا توجد قيود على تحويل رؤوس الاموال او الارباح إلى الخارج، وفي معظم الحالات لا توجد ضوابط صريحة على تحديد اسعار السلع او الخدمات او اجور العمالة او المواد. وبالطبع فإن مزايا المناطق الحرة لا تأتي بدون مقابل. فعلى سبيل المثال تتراوح تكلفة ايجار المكاتب في المناطق الحرة عادة ما بين 22 و33 دولارا امريكي للقدم المربع في السنة: وهي تقريباً ضعف التكلفة في بناية جديدة في دبي. وفي بعض المناطق الحرة التي اقيمت مؤخراً كمدينة دبي للاعلام. تبلغ رسوم الترخيص السنوي حوالي 4000 دولار أمريكي مقارنة بمبلغ 500 دولار امريكي او اقل بالنسبة للرخص التجارية او المهنية العادية في بيئة العمل الداخلي. ومع ذلك يبدو واضحاً ان المئات من المستثمرين يعتبرون ذلك سعراً مقبولاً يمكن دفعه مقابل التسهيلات والخدمات التي يحصلون عليها.