توجه الباحث الاقتصادي العربي الدكتور عارف دليلة بالتهنئة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، ولدولة الامارات، بمناسبة عيد الجلوس الخامس والثلاثين لصاحب السمو رئيس الدولة، وقال: «في هذه البقعة الغالية بُنيت وتبنى أمام أعيننا حضارة جديدة، حضارة انفتاح على العالم وعلى الأشقاء العرب، والمشاركة في السراء والضراء لكل عربي أينما كان، وأيادي الخير ممدودة كما عهدناها دائماً، أملاً ان تتعمق ان شاء الله وحدة هذه الأمة أكثر فأكثر بما يرقى الى مستوى التحديات الخطيرة التي تواجهنا جميعاً، لا يستثنى منها عربي مهما كان». كما أعرب عن امتنانه لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس مركز زايد للتنسيق والمتابعة، على إتاحة الفرصة له لإلقاء محاضرة في مركز زايد للتنسيق والمتابعة، ومشاركته شعب الامارات «صاحب هذه البقعة الغالية من وطننا العربي» بعيد جلوس صاحب السمو رئيس الدولة. جاء ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها أمس في مركز زايد للتنسيق والمتابعة، بعنوان «الأبعاد الاجتماعية للسياسات الاقتصادية الجديدة للدول العربية»، بحضور حشد من الباحثين والاعلاميين والمختصين. حيث شرح د. دليلة أسباب الازمة الاقتصادية ـ الاجتماعية المزمنة في معظم الدول العربية. وتحدث د. عارف في بداية المحاضرة عن مفهوم الليبرالية الجديدة «إيديولوجيا عولمة الامبريالية»، حيث قال انه تجتاح العالم منذ مطلع الثمانينات من القرن العشرين موجة أيديولوجية اقتصادية الطابع، تدعى هي نفسها بأن عصر الايديولوجيا قد انتهى وتسمى الليبرالية الجديدة، وهي تكرر خطاباً مضى عليه أكثر من قرنين من الزمان، كان مؤسساً الليبرالية (الحرية الاقتصادية) آدم سميث وديفيد ريكادو قد قدما من خلاله نظريتهما التي تخدم آنذاك انتصار الرأسمالية على الإقطاع، وتبرر علمياً ضرورة إزالة القيود عن طريق عمل القوانين الاقتصادية الموضوعية، ومن أهم هذه القيود سيطرة الطبقة الطفيلية غير المنتجة على الفائض الاقتصادي وتسخير الانتاج وإعاقة البرجوازية من إقامة نظام جديد أكثر عقلانية. كما تحدث المحاضر عن كيفية تحول الديموجرافيا العربية من عبء الى قوة؟ وقال انه يبدو ان أكثر ما يثير حقد كبار حاخامات وقادة ما يسمى باسرائيل علينا ـ نحن العرب ـ هو أن نتكاثر كالنمل حسب قول حاخامهم الأكبر الذي وصفنا بالعقارب والأفاعي ليحلل إبادتنا بكل الوسائل المتاحة والممكنة لأنها الوسيلة الوحيدة لتمكين من يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار من السيطرة على العالم، هذه السيطرة التي لا تتحقق لهم الا بالسيطرة على الوطن العربي جغرافيا وموارد طبيعية وعلى رأسها النفط والغاز وبشرا.. وأضاف لقد تطبعنا على مشاهد الفتك الصهيوني والعنصرية لشعبنا داخل فلسطين وخارجها دون ان تتحرك فينا شعرة، نحن الذين كنا بعيد الاستقلال نضرب مصالح الاعداء ونحطم أحلافهم ومخططاتهم بهبات عاطفية عفوية ومجردين من جميع الاسلحة والامكانيات، فهل تتحمل التحولات الاقتصادية مسئولية ما في احداث هذا التغير المجتمعي المريع؟ إننا إذن ونحن نبحث في الابعاد الاجتماعية والتحولات الاقتصادية لا نكتفي بالنظر الى البشر كأدوات انتاج أو كمستهلكين وحسب هذه النظرة التي تمسخ الانسان وتجرده من مكوناته المعنوية التي يتميز بها عن القطيع الحيواني، إننا لا نرى في اشباع الحاجات الأساسية من السلع والخدمات الضرورية للمعيشة غاية بل وسيلة الى غايات أبعد وأرفع بالنسبة للانسان الفرد وللجماعة والأمة، وعندما نتحدث عن العمل الاجتماعي فإنما نقصد التنمية الشاملة بمكوناتها المادية والمعنوية، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وأضاف المحاضر انه يجب ان تثير الديموغرافيا العربية لدينا قلقا أشد مما تثيره لدى أعدائنا العنصريين، ولكن لسبب مختلف جدا قلقهم نابع من الخوف الذي يثيره فيهم تناقص عددهم المطلق مقابل «الانفجار السكاني» لدينا، أما قلقنا فمصدره تحول الكم البشري المتمثل بـ 270 مليونا من العرب الى ضعف وعبء متزايدين بسبب تناقص القدرة والفعالية وامكانية الاعتماد على الذات في ضمان مقومات الحياة والأمن القومي والاجتماعي. كان بالامكان بسياسات اقتصادية ـ اجتماعية مختلفة ان يتحول أعلى معدل لنمو السكان في العالم وهو معدل نمو السكان العرب (2.9% سنويا) الى تزايد في الوزن النسبي للوطن العربي في الانتاج والدخل العالميين وفي الصادرات العالمية وتحسين الانتاجية والفعالية وتسارع الارتقاء الاجتماعي والانساني والتقدم العلمي والمعرفي، لكن وزننا النسبي في جميع المجالات يتراجع قياسا بالمستوى العالمي منذ مطلع الثمانينيات مع تزايد الانخراط السلبي العام في النظام العالمي وتحول الوطن العربي الى ساحة يمارس فيها هذا النظام تجاربه الناجحة جدا في اخضاع الدول والشعوب ونهبها بمباركة وبمشاركة واسعة من أنظمتها تعفيانه من أية تكاليف أو أخطار. وتابع المحاضر يقول ان جميع الموارد العربية المستنزفة والمطرودة الى خارج الوطن العربي من خامات طبيعية أو أموال أو بشر غير قابلة للتجديد أو للعودة الى الداخل بسبب نفاذ الارض والتي كانت سببا في خروجها. وان مجموع الاستثمارات الانتاجية في جميع الدول العربية منذ ثورة اسعار النفط قبل ثلاثين عاما وحتى اليوم لا تعادل الا نسبة ضئيلة من عوائد النفط التي تحصلت للدول العربية والتي لا تقل كمجموع حسابي تراكمي دون الأخذ بالاعتبار القيمة الحقيقية للنقد والفوائد والارباح عن ثلاثة آلاف مليار دولار. ان هذه الثروات الهائلة المستنزفة من قبل جيل واحد لم تعوض بأنظمة انتاجية ديناميكية مولدة لفرص العمل والدخل للأجيال الحاضرة والقادمة. إن الدول العربية لم تخطط للمستقبل ولم تستثمر، ولم تبحث عن طاقات بد يلة للأجيال المقبلة، فالجيل الحاضر أكل لحوم أبنائه وأحفاده، تركهم في جب الظلمات، بينما هناك 1500 مليار دولار موجودة في الخارج. إن هذه الديموغرافية العربية ذات الخصائص المميزة ترتب أعباء كبيرة ولكنها برأينا اعباء نسبية أكثر منها أعباء مطلقة بمعنى ان انخفاض الانتاجية عموما تشكل الفائض البشري والبطالة (14 مليون عاطل عن العمل رسميا، وربما ضعف هذا العدد فعليا) ليس ناجمين عن عجز القدرات العربية الاقتصادية والمالية عن استيعاب هؤلاء البشر، بقدر ما هو ناجم عن السياسات والممارسات ونوعية القائمين على الادارات العامة في الدول العربية. وتحدث المحاضر عن هجرة العقول العربية وقوة العمل والأموال والخبرات الى خارج حدود الوطن العربي، وهذا الاستنزاف المستمر يزيد الجسم العربي نحولا وهزالا. وأشار الى ان ما تحقق خلال المجهودات العربية في مجال التنمية البشرية من نتائج ايجابية مثل ازدياد عدد الخريجين وتحسن المستوى الصحي وارتفاع العمر المتوقع عند الولادة، يذهب ضحية التغيرات غير المواتية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ويصبح عبئا على الانتاجية العامة والرفاه العام بدلا من ان يكون اضافة لهما. وأكد ان الليبرالية الجديدة في الدول العربية جاءت بحصاد أحادي سلبي فيما حققت الليبرالية الجديدة على النطاق العالمي نتائج ايجابية على المستوى الاقتصادي. أبوظبي ـ مكتب «البيان»: