خصصنا الحلقات الثلاث الاخيرة من رواد الفكر الاقتصادي الاسلامي لابن خلدون.. واليوم نكمل افكار هذا العلامة في الاقتصاد، حيث تطرق ابن خلدون للعديد من الظواهر الاقتصادية وحللها تحليلاً علمياً ووصل بها إلى استنتاجات ترقى لدرجة النظريات الاقتصادية في كثير من الاحيان. فافكاره عن العمل والقيمة والريع والضريبة وقانون العرض والطلب تستحق ليس الدراسة والتدريس وحسب بل والتطبيق احياناً. ويرى البعض ان اهم ما جاء به ابن خلدون من افكار اقتصادية او نظريات.. هو ما يمكن ان نطلق عليه في التعابير والمفاهيم الحديثة النموذج التحليلي لتطور المجتمع وتقدمه الاقتصادي. ويبني هذا النموذج على عنصرين: تزايد السكان وتقسيم العمل. لقد تكلمنا عن موقف ابن خلدون تجاه تقسيم العمل.. ويضيف هنا ان تقسيم العمل يعد ضرورة في اي مجتمع بشري ولا مناص بها، لان الفرد من البشر مهما كان عبقرياً لا يستطيع تأمين حاجاته كلها ومن هنا اصبح التعاون ضرورة موضوعية بين الافراد. اما زيادة السكان فإنها تؤدي وتسمح لمزيد من تقسيم العمل وكثرة الاعمال وكبر حجم السوق.. ومع تطبيق مبدأ تقسيم العمل في مجتمع يتزايد سكانه باستمرار، تتكون لدينا زيادات في الانتاج.. ومع زيادة الانتاج للضروريات يتحول قسم من عوامل الانتاج لانتاج المواد الترفيهية وزيادتها، هذا من جهة ومن جهة اخرى فإن زيادة الانتاج تؤدي إلى زيادة دخول الافراد فيزداد طلبهم على سلع الترفيه (الكمالية) فتنمو صناعات جديدة.. «وتنفق اسواق الاعمال والصنائع ويكثر دخل المصر وخرجه ويحصل اليسار لمنتحلي ذلك من قبل اعمالهم، ومتى زاد العمران زادت الاعمال ثانية ثم زاد الترف تبعاً للكسب». وهذه الزيادة الجديدة في الكسب، تؤدي إلى زيادة في الطلب فتنشأ عندئذ صناعات جديدة لتلبية ذلك الطلب ويزيد الدخل ثانية.. وتنفق سوق الاعمال بها اكثر من الاول وكذا الحال في الزيادات الثانية والثالثة. هذا التحليل الحركي يمكن تلخيصه على النحو التالي: زيادة السكان تؤدي إلى تقسيم العمل وتقسيم العمل يزيد من الانتاج. وزيادة الانتاج تؤدي إلى زيادة الدخول. وزيادة الدخول تتسبب في زيادة الطلب (الاستهلاكي والاستثماري) وكلا النوعين يتطلب زيادة في الاستثمار. والاخير تزداد به الدخول مرة اخرى وهكذا تستمر الحلقة الدائرية او الحركية في الدخل يستحق هذا النموذج التحليلي التثمين في اكثر من جهة لقد ربط تقسيم العمل لحجم السوق. وهذا الذي اغفله افلاطون في تحليله لتقسيم العمل. وبالواقع ما ادركه آدم سميث في هذه النقطة لا يتعدى ما ذكره ابن خلدون قبله باربعة قرون.. ثم اظهاره الآثار التي تترتب على زيادة الانتاج من زيادة الدخل وزيادة الطلب وزيادة الاستثمار ونشوء صناعات جديدة.. هنا نظرة دقيقة لتكوين الدخل ولما يؤثره هذا الدخل من آثار على الاقتصاد وبتعبير آخر فإن ظهور دخول جديدة جراء نشوء استثمارات جديدة تعني تحول هذه الدخول إلى طلب فعال تدفع إلى استثمارات اخرى وهذه الاستثمارات ستتيح دخولاً جديدة اضافية والدخول الجديدة ستنفق في الطلب الاستهلاكي والطلب الاستثماري من جديد.. وهكذا. وهذا هو بالضبط جوهر فكرة المضاعف والمعجل وحركتهما في الاقتصاد.. المضاعف يرتبط بنمو النفقات الاستهلاكية في حين ان المعجل يرتبط بنمو النفقات الاستثمارية. وكلاهما اشبه ما يكون بالقاء حجر في بركة من الماء. سينجم عنها دوائر تتسع وتتباعد وكلما تباعدت كبرت. ولكن زخمها وقوتها تخف تدريجيا إلى ان يتلاشى. وتبدأ الموجات من جديد بالقاء حجر جديد (الدخول الجديدة والنفقات الجديدة). ويجب ان ندرك ان ابن خلدون لم يقصر تحليله في زيادة الطلب على السلع الضرورية وانما الكمالية ايضاً. والنقطة الاساسية في هذا التحليل الحركي والتي بموجبها سمي هكذا.. هي تأثير عامل الزمن في تحليل تتابع المؤثرات والآثار.. تظهر هذه الطريقة كيف يترتب على وجود عامل معين في بدء الفترة حدوث آثار معينة في تلك الفترة ثم تظهر الحالة للظاهرة في نهاية الفترة. ثم ينظر لهذه الحالة في نهاية الفترة. على انها نقطة بدء لتغير جديد فيدرس ما يترتب عليها في الفترة التالية وهكذا. هذه الطريقة في التحليل لم تطبق بصورة علمية الا قبل الحرب العالمية الثانية بقليل على ايدى الكتاب السويديين من فيكسل وتلامذته.. ويكون الفضل لابن خلدون وحده في كشف هذه الطريقة او النموذج التحليلي الحركي في الاقتصاد. ان وقفات ابن خلدون التحليلية في علم الاقتصاد اكثر من ان تعد في بعض مقالات صحفية.. وقد اخذنا منها ما نراه مهماً.. واخيراً نقول وبكل ثقة لو استطاع ابن خلدون تحرير اراءه الاقتصادية عن الاراء الاخرى التي كانت تبدو متداخلة وممزوجة معها مثل الآراء السياسية والاجتماعية والاخلاقية كما فعل في علم الاجتماع لكان بحق مؤسس علم الاقتصاد الحديث بلا منازع. وقبل ان ننهي حديثنا عن هؤلاء الرواد حرى بنا ان نقف وبعجالة على مفكر اقتصادي اسلامي آخر ويعد ايضاً من الرواد ومن تلاميذ ابن خلدون. المقريزي: لقد اهتم هذا المفكر بالازمات الاقتصادية وبخاصة بالازمة التي مرت بالعالم الاسلامي للفترة (1392 ـ 1404) ميلادية وبالتخصص في مصر. حيث تعرضت للمجاعة الطاحنة. لقد بين المقريزي ان سبب المجاعة بالدرجة الاولى يكمن في فساد الحكم وسوء الادارة الاقتصادية وزيادة اكلاف الانتاج. وكل هذه الامور تقود بالضرورة إلى ارتفاع الاسعار للمواد الغذائية.. ومع زيادة اكلاف الانتاج في الزراعة، فإن المنتجين يخرجون من حلبة الانتاج فينقص العرض ويزداد الثمن مرة ثانية ومع ازدياد الاثمان تزداد الشرائح الاجتماعية التي هي حول خط الفقر، لتصبح في اسفله. هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن السلطات الفاسدة تعمد إلى فتح كميات من النقود ومن النوع الرديء (ذات العيار المنخفض) لتلبية متطلباتها في الادارة والامن (وهي نفقات غير منتجة) فتزداد البلة طيناً.. فترتفع اسعار المنتجات مرة ثالثة وهكذا.. وهنا وضع المقريزي يده على الاساس لنظرية كمية النقود التي صاغها بعده ارفنج فيشر بحوالي خمسة قرون.. واثرها على المتغيرات الاقتصادية. حاول المقريزي ان يضع حلاً لمشكلة زيادة عرض النقود فطالب بان تصك من المعادن النفيسة حتى يمكن تحديد كميتها وتقليص عرضها ـ نظراً لكون عرض هذه المعادن محدوداً. ورأى ان يقتصر الصك على معدن واحد (اما الذهب أو الفضة) واستبعاد النحاس (لانه يؤدي إلى اختفاء التداول في المعادن النفيسة.. ورأى ان للفضة قيمة سلعية اخرى وثمينة غير النقود.. وهذه القيمة السلعية للفضة تختلف عن قيمتها الاسمية كنقود، مما دفع مالكيها إلى صهرها واستعمالها في استخدامات اخرى. ومن هنا نستنتج وبكل موضوعية ان المقريزي وضع الاسس لكل من قانون غريشام وقاعدة الذهب.. ان اهتمام المقريزي بالسياسة النقدية كاساس للتأثير على الهيكل العام للاقتصاد القومي يضعه ايضاً من رواد الفكر الاقتصادي النقدي حتى يومنا هذا ذلك الفرع من الاقتصاد الذي بدأ الاهتمام به منذ الربع الاول من القرن الحالي على يد الكتاب السويديين ثم على يد الاقتصادي البريطاني الشهير (جون مينارد كينز) الذي احدثت آراؤه ثورة في علم الاقتصاد.. واخيراً على يد اقتصاديي مدرسة شيكاغو الحالية في الولايات المتحدة الامريكية وزعيمها فريدمان.. تلك المدرسة التي تعد قمة الاهتمام بالجوانب النقدية في علم الاقتصاد. استاذ اقتصاد جامعي