اذا كنا قد تناولنا في الحلقتين الماضيتين سمات البيئة الادارية والوظيفية في مؤسساتنا ودوائرنا الحكومية، واذا كنا قد سعينا لوضع اليد على اوجه الخلل والضعف في مؤسساتنا وحددنا اسبابه وعوامله، فإننا قد بدأنا الخطوة الاولى في علاج الاسباب الداعية لظاهرة التقاعد المبكر او القسري وذلك من منطلق قناعتنا بان تشخيص المشكلة اهم من العلاج بل هو الخطوة المهمة في اطار علاجنا لواقعنا الاداري والوظيفي في الامارات. ـ المعالجة: لقد كان لتشخيصنا الأولي للبيئة الادارية والوظيفية بداية العلاج وهنا ومن خلال رؤيتنا المتواضعة ومتابعتنا لواقعنا الاداري والوظيفي ومعايشتنا له نبدي المعالجة التالية: ـ ان البيئة الادارية والوظيفية في الامارات تعاني من مشاكل عديدة ومعقدة ولكنها ليست صعبة العلاج اذا ما توفرت الارادة والمسئولية. وهذه البيئة تحتاج إلى غربلة حقيقية من خلال نفض الغبار عن القوانين والانظمة العقيمة التي قامت الدولة باستيرادها جاهزة من بيئات وظيفية تعاني من مشاكل جمة ومن تضخم وظيفي بسبب ضخامة السكان في الدول المصدرة لنا. كما ان تلك الانظمة والقوانين قد وضعت من قبل خبراء ينتمون إلى بيئات وظيفية تعاني من ترهل اداري وتضخم وظيفي وفي ظل وجود خبرات مواطنة وكفاءات مواطنة فإن اهل مكة ادرى بشعابها وهذه الكفاءة هي الاقدر على وضع قوانين وانظمة تنسجم مع طبيعة التطور المطلوب وتخلق مناخات وظيفية صحية. ـ ان تصحيح الاختلالات الادارية والوظيفية وصياغة اصلاحات ادارية حديثة تساهم في احداث تنمية ادارية واقتصادية انما يتطلب تخليص مؤسساتنا ودوائرنا المحلية من بعض المسئولين المحنطين في تركيبتهم النفسية والجامدين في تركيبتهم العقلية والمحاربين لكل ما من شأنه تطوير العمل الاداري والفني والوظيفي في مؤسساتنا حيث ان هؤلاء عامل اساسي للتزهل الاداري بمؤسساتنا ودوائرنا الحكومية لاسيما اولئك الخائفين على مراكزهم والمعتقدين انها ارث لهم وملك خاص بهم غير عابئين بما يحدث في العالم من تطور سريع في الادارة والاقتصاد والتنمية. ـ يجب ان يكون شعار مؤسساتنا ودوائرنا في مرحلة الاصلاحات الادارية هو «لا يستوي الذي يعملون والذين لا يعملون» اذا لا يتساوى المبدع والمنتج والجاد في عمله والملتزم بلوائح وانظمة المؤسسة او الدائرة مع الموظف المقصر والسلبي والذي لا يملك من ادوات الانتاج سوى اسم معين، او علاقة باحد اصحاب النفوذ بالدولة!!! ومن هنا فإن تغيير الانظمة واللوائح والقوانين السارية والمعمول بها في دوائرنا ومؤسساتنا اذا لم تجد تطبيقاً حقيقياً بعد تطويرها وتحسين آليات العمل فيها. واذا لم نجد مسئولين يحملون الامانة في التنفيذ. واذا لم تتوفر العدالة الوظيفية بين الموظفين العاملين فإنه لا جدوى من تغيير او تعديل تلك الانظمة!! ـ اهمية وجود رقابة حكومية من قبل مؤسسة اتحادية تنظر في شكاوى الموظفين وتحل الاشكاليات القائمة بين الموظف العام والادارة او الدائرة الحكومية وذلك عند التظلم او وقوع هذا الموظف تحت ظلم او قهر وظيفي وذلك بهدف الحيلولة دون تدفق الموظفين ذوي الخبرة إلى خارج نطاق العمل. ثم ان تلك الرقابة مهمة للتأكد من تطبيق القوانين والالتزام باللوائح والتنفيذ الجيد للتعليمات. ومحاربة سوء الادارة او استغلال الصلاحيات خاصة من قبل المسئولين الذين تنعدم لديهم الامانة!! ـ اهمية تحسين الظروف البيئية للوظيفة وتجديد علاقة الموظف بمؤسسته وتعزيزها، ثم تحسين المناخ الوظيفي بين الموظفين العاملين في مؤسساتنا ودوائرنا ويتم ذلك من خلال توفير عدالة العمل، وتوفير الحوافز المادية والمعنوية حيث يجد كل موظف حقوقه المادية والمعنوية دون معاناة ودون صراع!! ويتحقق بالتالي الأمن الوظيفي للموظف او المسئول، ثم اهمية تحسين العلاقة ومراقبة تلك العلاقة القائمة بين المسئولين والموظف منعاً لاستغلال المسئول لهذا الموظف بحيث يحق للموظف ان يلجأ إلى جهة المحاسبة في حال استغلاله من قبل المسئول. ـ اهمية احداث برامج تدريبية وتأهيلية للموظفين على مختلف مستوياتهم الادارية بما فيهم المسئولون الذين هم في حاجة إلى برامج تدريبية تأهيلية ليكونوا على دراية ومتابعة للتطور الذي يحدث في العلوم الادارية والاقتصادية. وليكونوا على فهم دقيق بطبيعة واهمية العلاقة بين الموظف ومسئوله وبين الموظف والمؤسسة التي ينتمي لها لما في ذلك من انعكاس ايجابي على انتاجية العمل وتحسين مناخات العمل في الدائرة او المؤسسة. ـ اهمية تضمين اللوائح والانظمة المعمول بها في جهازنا الرقابي لمواد تخضع جميع الموظفين المنتسبين في العمل والسلبيين. أولئك الذين يزرعون الخوف في نفوس الموظفين ويتم ذلك من خلال تقديمهم لمحاكمات ادارية خاصة. بهدف حماية جهازنا الاداري من الفساد الاداري والمالي واستغلال الوظيفة. وحماية لاخلاقيات العمل، ان قرار الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية برفض قبول حالات (85) محالا للتقاعد كما اشرنا هو قرار يتطلب معالجة حقيقية لظاهرة التقاعد المبكر والقسري ويتم ذلك من خلال دراسة الاسباب والدواعي التي دفعت هؤلاء وغيرهم ممن سبقوهم. وكذلك التي سوف تدفع غيرهم من العاملين الذين ينتظرون استكمال المدة القانونية للتقاعد لكي يتقدموا بطلبات تقاعدهم هروباً من واقع اصبح يشكل لهم قلقاً وعدم استقرار او امان وظيفي!! ان تحديدنا لاسباب التقاعد المبكر من خلال تشخيصنا لواقعنا الاداري هو جهد متواضع ويتطلب من الجهات المعنية القيام بدراسات علمية لتحديد اسباب تسرب الكفاءات المواطنة من الوظيفة العامة، لاسيما وان معظم الراغبين في التقاعد هم في عمر صغير وهؤلاء لديهم الرغبة في الاستمرار في العمل وخدمة وطنهم ولكن شريطة توفر البيئة الوظيفية التي تحقق الاستقرار النفسي والامان الوظيفي وتحقق العدالة الوظيفية وشريطة ان تتحول مؤسساتنا ودوائرنا الحكومية إلى مؤسسات ابداع لا معاقل قهر واضطهاد، ومراكز اشعاع وانتاج لا ممالك لشريحة من الموظفين المتسلطين، والا سوف يصبح التقاعد المبكر البوابة القانونية للهروب من تلك المعاقل والخروج منها. ولابد من الاشارة هنا إلى مشروع قانون مكاتب الشكاوى لحل المنازعات بين الجهات الحكومية وموظفيها والمتعاملين الذي تم الانتهاء منه مؤخراً والذي يهدف إلى حل المنازعات بين الجهات الحكومية وموظفيها والفصل في الشكاوى والتظلمات التي تقدم اليه بشأن هذه المنازعات، ولا نعلم ان كانت الصلاحيات التي نص عليها هذا المشروع سوف تحقق الهدف. وان هذا القانون متى ما صدر يعالج الظواهر السلبية التي يعاني منها الجهاز الاداري وهل هذا القانون بديل لوجود محكمة ادارية تقوم بمعالجة تلك المنازعات وتردع المتجاوزين لقوانين الدولة وانظمتها في مؤسساتنا ودوائرنا الحكومية.