كثيرا ما نسمع أو نقرأ أن مسئولا في دولة من الدول قد صرح بأن بلاده سوف تتبع سياسات اقتصادية منفتحة تعتمد على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية وكثيرا ما نسمع أو نقرأ أن خبيرا من الخبراء قال ان المخرج الوحيد للأزمة الاقتصادية في هذه الدولة أو تلك هو تشجيع الاستثمارات الأجنبية، إن الاستثمار الأجنبي أو الاستثمار الأجنبي المباشر بتعبير أدق يعني أن تقوم الشركات الأجنبية بالدخول مباشرة إلى السوق المحلية عن طريق المساهمة برأس المال وفي بعض الأحيان بالتقنية المتقدمة في مشروعات إنتاجية وخدمية في دولة ما بدلا من الاكتفاء بتسويق سلعها وخدماتها المنتجة في بلدها الأصلي في السوق المحلية لتلك الدولة، ويرجع ذلك إلى رغبة تلك الشركات في خفض تكاليف الإنتاج باستغلال العمالة المحلية أو المواد الأولية الأرخص نسبيا في السوق المستهدفة بالإضافة إلى خفض تكاليف نقل السلعة من بلد المنشأ إلى وجهتها النهائية بحيث تتمكن تلك الشركات من إيصال منتجاتها إلى الأسواق وبأسعار تنافسية. من ناحية أخرى تقوم الدول المختلفة بتشجيع الاستثمارات الأجنبية وذلك بمنحها العديد من الإعفاءات الضريبية والتسهيلات الأخرى كتلك المتعلقة بالقيود على التحويلات النقدية للخارج لتتمكن من تحقيق معدلات نمو اقتصادي أعلى ومن ثم الوصول إلى مرحلة التشغيل الكامل لاقتصادها الوطني بحيث تقوم باستغلال جميع الموارد الاقتصادية المتوفرة من عمالة ومواد أولية التي قد تكون في بعض الأحيان غير مستغلة نظرا لعدم توافر رؤوس الأموال الوطنية اللازمة لتشغيلها، بالإضافة إلى ذلك تقوم الدول بجذب الاستثمارات الأجنبية لتوفير فرص عمل جديدة لعمالتها الوطنية التي غالبا ما تعاني من نسبة بطالة مرتفعة. وأخيرا تقوم الدول بفتح اقتصادها للشركات الصناعية الأجنبية وذلك لرغبتها في إنشاء قاعدة صناعية وطنية أو تحديث صناعتها القائمة عن طريق عملية نقل التكنولوجيا. إن الفقه الاقتصادي لم يتخذ موقفا موحدا من الاستثمار الأجنبي إذ يرى جانب من الفقه أنه مفيد فائدة محضة حيث يؤدي إلى دفع الاقتصاد والوصول به إلى مرحلة النضوج أي التشغيل الكامل كما سبق وأن ذكرنا، في حين يسلك جانب آخر من الفقه مسلكا آخر وهم أصحاب نظرية النمو الاقتصادي الذاتي Endogenous Growth Theory التي تقول أن أي نمو اقتصادي في أي دول لكي يكون نموا حقيقيا وصحيا يجب أن يعتمد على المقومات الذاتية لتلك الدولة، يرى هذا الفريق أن الاستثمار الأجنبي ضار ضررا محضا رغم التأثير الإيجابي الظاهري له على الاقتصاد الوطني لما يشكله هذا النوع من الاستثمار من خطر على الاستقرار الاقتصادي واستقلالية القرار السياسي والاقتصادي، ويستشهد هؤلاء بما حدث لنمور آسيا عام 1997 التي اعتمدت بشكل أساسي على الاستثمارات الغربية واليابانية لتحقيق تنمية اقتصادية شاملة ومعدلات نمو اقتصادي تدعو إلى الإعجاب لدرجة دفعت الكثير من المراقبين للاعتقاد أن ما حققته تلك الدول عبارة عن معجزة اقتصادية، ولكن كل ذلك انهار بمجرد مغادرة تلك الاستثمارات والشركات الأجنبية بسبب اهتزاز الثقة في أسواق المال والبورصات نتيجة للخلل في الهياكل الاقتصادية لتلك الدول وبصفة خاصة القطاع المصرفي الذي توسع في الائتمان بصورة كبيرة هذا عدا عن الفساد الذي كان يعاني منه هذا القطاع الاقتصادي المهم، ويدعي أنصار هذا التوجه أن تلك الدول لو اعتمدت على إمكانياتها الذاتية لتحقيق التنمية المطلوبة لما واجهت مثل تلك الأزمة وأن واجهت أزمة اقتصادية فلن تكون بهذه الحدة، وهناك جانب ثالث من الفقهاء لا يتفق مع هؤلاء ولا مع أولئك إذ يقول هذا الجانب ان الاستثمار الأجنبي لا يمكن اعتباره نافعا نفعا محضا ولا ضارا ضررا محضرا بل هو كما يدعي هذا الجانب من الفقه الاقتصادي شر لا بد منه، فهو شر من حيث تأثيره السلبي على الاقتصاد الوطني كما سبق الذكر ولكن ليس منه بد بسبب عدم توافر البديل للدول خاصة الفقيرة منها والراغبة في تنمية مواردها الاقتصادية والتي لا تملك موارد مالية كافية لاستثمارها في القطاعات الوطنية الواعدة. وبعيدا عن هذه النظريات التي تبقى أولا و أخيرا نتاجاً فكرياً إنسانياً تحتمل الصواب بالقدر الذي تحتمل فيه الخطأ فإنا نقول ان لكل دولة إمكاناتها وظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تختلف عن سائر الدول وان ما يناسب دولة من الدول قد لا يناسب أخرى وما ينطبق من نظريات في مكان قد لا ينطبق أو قد يأتي بنتائج عكسية في مكان آخر. وفي دولة الإمارات قد لا يختلف الوضع الاقتصادي كثيرا عن الأوضاع في مجمل الدول النامية أو الصغيرة أي التي تملك سوقا محلية واقتصاداً صغيراً نسبيا إلا أن الاقتصاد الإماراتي يتميز ببعض الخصائص التي تميزه عن الهياكل الاقتصادية لباقي الدول التي تنتمي إلى نفس التصنيف الاقتصادي الذي تنتمي إليه دولة الإمارات كما يعاني الوضع الاقتصادي في الدولة من بعض المشكلات التي لا يوجد مثيل لها في تلك الدول مما يعطي الاقتصاد الإماراتي خصوصية قد لا تكون ميزة بالضرورة تجعل دولة الإمارات تفضل غيرها من الدول، قد لا يخفى على الكثيرين أن الاقتصاد الإماراتي يعاني من تخمة مالية بمعنى أن السوق المحلي لا تستطيع استيعاب رؤوس الأموال الوطنية والتي تبحث نتيجة لذلك عن فرص استثمار في الخارج، ولكن ما قد يخفى على الكثيرين هو أن الاقتصاد الإماراتي لا يعتمد على السوق المحلي فحسب بل يعتمد على السوق الخليجي ككل إضافة إلى الأسواق الأخرى المجاورة مثل إيران آسيا الوسطى باكستان أفغانستان وشرق أفريقيا وذلك عن طريق الاستيراد ومن ثم إلى إعادة التصدير إلى تلك الأسواق ويكفي أن نعرف أن إمارة مثل دبي تعيد تصدير ما يزيد على ثلثي وارداتها إلى الأسواق المجاورة، ولكن في هذا السياق يطرح تساؤل مهم وهو عن القيمة المضافة على السلع المعاد تصديرها وعن الجدوى الاقتصادية لعملية إعادة التصدير هذه، لن أجيب على هذا التساؤل لأنه يحتاج إلى مقالة منفصلة وربما نتعرض لهذا الموضوع في مقالات قادمة ان شاء العلي القدير. ما أود أن أقوله بعد هذا التمهيد هو إن محاولة دولة الإمارات جذب الاستثمارات أو المزيد من الاستثمارات الأجنبية في ظل الظروف السائدة سيكون ضررها اكثر من نفعها وذلك لأن هذه العملية لن تكون دون ثمن ودون تقديم بعض التنازلات وخاصة في ظل الظروف الراهنة في المنطقة والمنافسة الشديدة في جذب هذه الاستثمارات بين العديد من دول الشرق الأوسط التي تعاني من نقص شديد في رؤوس الأموال ومعدلات بطالة هي من أعلى المعدلات على مستوى العالم , مما يعني إن المستثمر لن يأتي إن لم تكن التسهيلات الممنوحة له من قبل الدولة كافية، بعد قدوم هذا المستثمر وبعد تحمل الدولة تكلفة قدومه فإنه أولا سوف يأخذ فرص استثمار كان يمكن أن يحظى بها رأس المال الوطني أي ينافس المستثمرين المحليين الذين يجب أن تكون لهم الأولوية لما يشكلونه من قاعدة للاقتصاد الوطني وثانيا لن يقوم المستثمر الأجنبي باستغلال أي عمالة أو موارد طبيعية وطنية وذلك لسبب بسيط هو عدم وجودها ابتداء مما يعني أن هذه العملية لن تحقق أية فائدة للاقتصاد الوطني بل بالعكس سوف تحمل الدولة تكاليف جذب هذا المستثمر ومصاريف استقدام وإقامة العمالة الوافدة التي سيحتاجها في إدارة وتشغيل مشروعاته والتي تكلف الدولة مبالغ طائلة وتشكل نزفا مستمرا للاقتصاد الوطني لما تسببه تحويلاتهم النقدية من عجز في ميزان التبادل التجاري مع الدول التي قدموا منها هذا عدا عن تكاليف إعادة الوضع إلى ما كان عليه وذلك بعد مغادرته إن عاجلا أو آجلا مع أرباحه التي حققها. قد يقول البعض إن فتح الاقتصاد والأسواق المحلية للمستثمرين الأجانب هو أمر لا مفر منه في ظل النظام الاقتصادي العالمي الجديد وتحت وطأة التزامات منظمة التجارة العالمية التي تهدف إلى إزالة كل أشكال القيود أمام حرية انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال وربما في المستقبل العمالة، نقول لهؤلاء إن ما يقولونه قد أصاب جانبا من الصواب وليس الصواب كله لأن معظم تلك الالتزامات لم يحن وقت التقيد بها بعد وأن ما تم الاتفاق على البدء في تنفيذه أو بالأحرى ما تم تنفيذه فعلا هو الالتزام بتحرير قطاع السلع فقط وذلك بعد دمج اتفاقية الجات GATT ضمن منظمة التجارة العالمية WTO بعد إنشائها عام 1994، ولا يزال التزام تحرير قطاع الخدمات أي اتفاقية GATS في طور المفاوضات التي قد تتوج باتفاق في الجولة المقبلة المزمع إقامتها في العاصمة القطرية الدوحة، يبقى بعد ذلك تفعيل الالتزام المبني على الاتفاقية المتعلقة بالاستثمار الأجنبي TRIMS والذي لا اعتقد أن يحين قبل عشر سنوات على أقل تقدير لذلك لا يمكن لي أن أتصور لماذا تضع الدولة نفسها تحت وطأة التزام مكلف ومرهق لم يحن بعد بدل أن تهييء نفسها وتعالج المشكلات التي يعاني منها اقتصادها والتي تعتبر معضلة العمالة الأجنبية إحدى صورها لتكون أكثر استعدادا لمواجهة هذه الاستحقاقات المستقبلية. جامعة كيس وسترن ريزيرف