في اطار مراجعتنا وتحليلنا لقرار الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية برفض قبول 85 حالة جديدة من المحالين إلى التقاعد، فقد تناولنا في الحلقة الماضية الظواهر التي برزت في جهازنا الاداري والوظيفي حتى اصبح هذا الجهاز بيئة طاردة للطاقات المؤهلة المواطنة رغم حاجة المجتمع اليها، نواصل هنا تشخصينا للاسباب والعوامل التي ادت لان تصبح البيئة الادارية والوظيفية طاردة لتلك الكفاءات، مؤكدين في الوقت ذاته على ان قرار الهيئة في شقه الاخير والمتضمن اعادة اولئك المحالين إلى التقاعد إلى وظائفهم لن يكون مجدياً ما لم تسع الهيئة والجهات المعنية إلى مراجعة الاوضاع الادارية والوظيفية للموظفين العاملين في دوائرنا الحكومية، حيث سوف يستمر اصرار اولئك المتقاعدين على التقاعد، كما ان هناك شرائح واعداداً اخرى سوف تتقدم بطلب التقاعد بمجرد استكمالها للحد الادنى لمدة التقاعد وهو خمسة عشر عاماً، وسوف يتحايل البعض ممن لم يكمل المدة المطلوبة إلى اتباع اساليب غير قانونية من خلال التقارير الطبية وذلك هروباً من بيئة وظيفية يضيع فيها كل ما تعلمه ذلك (البعض) خلال سنوات دراسته الطويلة وهو جالس على كرسي الوظيفة حيث لا حياة لمن تنادي!! هنا نحدد معالم او بعضاً منها والتي تتسم بها البيئة الادارية والوظيفية في الامارات وهي: ـ لقد اصبح بعض المسئولين المتسمرين على مكاتبهم الوثيرة ينظرون إلى وظائفهم ومراكزهم تلك وكأنها ارثا لهم قد ورثوه من ابائهم. او من ذويهم وهم غير عابئين بأن تلك الوظيفة انما هي مسئولية عامة وتلك المسئولية تحتم عليهم فتح الابواب على مصراعيها امام الموظفين الجادين ليدلوا بارائهم وافكارهم لتتم دراستها والاخذ بها من اجل تطوير العمل الوظيفي دون محاربة هؤلاء الموظفين المخلصين ودون ان يخشاهم ولكن بعضاً من المسئولين يحارب الموظف الجاد اعتقادً من انه سوف يأخذ مكانه او يصارعه على كرسيه فيعمل هذا البعض على تهميش وتطفيش الكفاءة الواطنة والجادين من الموظفين لمجرد ابداء ملاحظات على سير العمل، او طرح افكار حديثة لتطوير آلية العمل وتحسين ظروف الادارة او الدائرة. ولكن ذلك يخيف المسئول خاصة حينما يكون غير واثق من قدراته، او يعاني من مرض نفسي ما!! فيحدث الصدام والصراع المعلن فيستخدم المسئول كل وسائل التدمير النفسي والوظيفي ضد ذلك الموظف المجتهد الذي لا يرى بداً من الخروج والانسحاب من هذه البيئة العقيمة!! ـ ان غياب تقييم الاداء وانعدام معايير الكفاءة والقدرة بين الموظفين العاملين في دوائرنا الحكومية قد اوجد عدم المساواة بين الموظفين فقد استوى الذين يعملون والذين لا يعملون. بل في بعض الاحيان يصبح الذين لا يعملون هم المقربون للسلطة الادارية لاسيما حينما تكون من النوعية التي تخشى التجديد او التفكير بتحديث آلية العمل وهنا يصبح ولاء الموظف للمسئول هو معيار النجاح والترقي دون الولاء للوظيفة او العمل وهنا يصبح الالتزام بتعليمات المسئول رغم تجاوزاتها للانظمة والقوانين شرطاً لاستمراره في العمل دون صراع او صداع!! وفي ظل غياب الرقابة الادارية على مؤسساتنا ودوائرنا تتراجع العدالة المطلوبة بين الموظفين، مما يؤدي إلى تولد مناخات مشحونة بالتوتر والضغينة والنميمة وحينها تصبح هذه البيئة طاردة للموظف الجاد الذي يرى في بوابة التقاعد المبكر بوابة مشرعة له للخروج من تلك البيئة!! ـ ان غياب الحوافز المادية والمعنوية في الوظيفة العامة في دوائرنا ومؤسساتنا الاتحادية تجعل من البيئة الوظيفية والادارية عاملاً للهروب!! فهناك الكثير من الموظفين الذين يلتحقون بالعمل الحكومي، يلتزمون باللوائح والانظمة وينضبطون بالعمل وتعليماته وتكون انتاجيتهم عالية وتمضي عليهم السنون دون ان يمضى عليهم في العمل سوى سنوات قليلة، ومساهمتم وانتاجيتهم في العمل محدودة، ولكنهم يملكون علاقات جيدة بمسئولين لهم تأثير على سلطة القرار على المؤسسة او الدائرة التي يعمل بها هذا الموظف، او ان هذا الموظف الذي حصل على ترقية او ترقيات متتالية ينتمي لاسرة ما ذات نفوذ اجتماعي وهنا تصبح المحسوبية والواسطة اداتين نافذتين للترقية والوصول إلى الوظائف العليا فيما يعاني الموظف الكفأ من القهر والظلم فلا يجد امامه سوى التقاعد المبكر القسري هروباً من قهر وظلم ربما يسببان له عاهات وامراض نفسية وعضوية لو استمر بالعمل!! ـ ان غياب الموضوعية والمنطقية في اتخاذ القرار من قبل السلطة الادارية في مؤسساتنا ودوائرنا عامل مباشر للتقاعد المبكر فالمعروف ان لكل موظف ميول معينة وقدرات وامكانيات تختلف عن الآخرين وحينما يجد الموظف ان قدراته تكون مناسبة للعمل في قسم ما نجد ان السلطة الادارية تقوم بنقله إلى قسم او دائرة اخرى. وبالتالي يصبح عطاؤه الاداري محدوداً وانتاجيته متناقصة وضعيفة ولا يجدى الالتماس الذي يقدمه إلى سلطة القرار. وتحدث مشكلة بين السلطة الادارية والموظف حينما لا تستوعب الاولى دواعي ومسببات رغبة الموظف ولا تبدي تفهما لطلب الموظف ويفسر هذا الطلب على انه اعتراض على سلطة القرار حينها تبدأ السلطة بشن حرب ضد هذا الموظف ويتم وضعه تحت ضغوط قاهرة الامر الذي يجعله يشعر بأنه موظف غير مرغوب فيه. ولا يجد الموظف هذا بداً من البحث عن عمل آخر في دائرة او مؤسسة اخرى احتراماً لنفسه ولتفكيره وهروباً من بيئة القهر هذه وحينما لا يجد الوظيفة التي تتناسب مع قدراته فإنه يقبل بالاستمرار بالعمل بعد ان يغيب نفسه عن واقع العمل، وينسلخ من مسئوليات العمل، وينزوي في احدى زوايا المكتب يطلق لاحلامه العنان هروباً من هذا الواقع المرير وهنا تتحول شريحة من الموظفين إلى عاطلين فعلياً عن العمل ينتظرون الفرج عندما يكملون المدة القانونية للتقاعد فتبدأ رحلة الخروج!! ـ لما كانت الوظيفة الحكومية مسئولية عامة لا مسئولية خاصة، ولما كان وقت المسئول العام من حق الدولة فإن البعض يفسر الوظيفة هذه او المسئولية تلك هي ملك خاص به، وان الادارة التي يملك سلطة القرار فيها، او الدائرة او المؤسسة التي منحت له صلاحية ادارتها انما هي مملكة خاصة او شركة هو المساهم والمالك الوحيد لها.. وفي ضوء ذلك نجد ان ممارسات هذا البعض من المسئولين تتنافى مع الصلاحيات ومع اخلاقيات العمل سواء في اضطهاد الموظفين العاملين في ادارتهم او تحت سلطتهم اومحاربتهم نفسياً من خلال اساءته للسلطة الممنوحة له ومن خلال آلية القرار التي يملكها فيعمل على زرع الخوف في نفسيات موظفية ليضمن ولاءهم له وانصياعهم لقراراته وأوامره، وهنا يبدأ استغلال كل امكانيات المؤسسة او الادارة فيجيرها لصالحه. فالسكرتيرة تقوم باعماله الخاصة متابعة شركاته، اتصالاته الخاصة، طباعة تأشيرات واقامات العاملين في شركاته. موظف العلاقات العامة يبدأ من الصباح الباكر في تخليص معاملات المسئول. متابعة شئونه الخاصة، السائق الحكومي يصبح سائقاً للعائلة الكريمة، مراسلاً للمسئول، مشترياً للخضروات والسمك لمنزل المسئول، وربما سائق عند اسرة المسئول هذا بعد الدوام الرسمي. الموظف الذي ينتمي لاسرة ذات نفوذ او من لديه قريب او صديق مسئول في إحدى الوزارات او المؤسسات التي تستجد مصلحة للمسئول فيها، هذا الموظف مطالب بالاتصال بقريبه او صديقه او معرفته بتخليص او تنفيذ مصالح المسئول المبجل!! والا فإن الغضب سوف ينزل على الموظف المتمرد!! وهو محروم من الترقية او الايفاد في دورة خارجية خاصة في الصيف!! ليس الا انه قد رفض تعليمات المسئول.. حينها تصبح المؤسسة العامة شركة خاصة وان العاملين والمديرين العامين يعملون في شركته وعليهم الانصياع الكامل لاوامره والانتهاء عن نواهيه.. حينها يجد الموظف الجاد والملتزم ان تلك الممارسات تتنافى كلياً مع الانظمة والقوانين ومع اسس العمل فيرفض ويفضل الانسحاب من هذه البيئة من خلال بوابة التقاعد القسري!! بقلم: نجيب عبدالله الشامسي