تطرقنا في الحلقتين الماضيتين للعلامة ابن خلدون ودوره البارز في علم الاقتصاد، ووقفنا على بعض من نظرياته الاقتصادية وارائه وكانت حول قانون العرض والطلب، واقسام السلع ونظرته الى العمل وتميزه الرائع بين الاعمال المنتجة والاعمال غير المنتجة، (الأعمال الطبيعية وغير الطبيعية) والعمل الظاهر (الحي) والعمل المقتنى (المستتر) ثم نظريته في القيمة وتقسيمه الفذ بين القيم الاستعمالية والقيم التبادلية.. وأخيراً نظريته في الريع والتي لاتبتعد كثيراً عن مفهومنا الحديث لها، واليوم نتابع نظرياته الاقتصادية الاخرى. ـ نظرية الضريبة: كتب ابن خلدون في نظام الجبايات (الضرائب) وأسباب فرضها وكذلك كثرتها وقلتها ثم عرج على القضايا المتعلقة بالمكوس ووضح ان حجم ونوعية الجبايات تتعلق بطبيعة النظام السياسي الاجتماعي للدولة، وبالتالي فان الضرائب تعد نسبية، وفرق بين الضرائب الاسلامية وغير الاسلامية، فالدولة الاسلامية لاتجمع ولاتفرض الا الجبايات الاسلامية، كالزكاة والخراج والفشور والجزية.. الخ. اما الدولة غير الاسلامية فان فرض الضرائب فيها يتوقف على درجة التطور الاقتصادي الممثل في النشاط الاقتصادي المتعدد والمتنوعة كماً ونوعاً في انتاج السلع والخدمات، سواء تم ذلك من قبل الافراد أو من من قبل الدولة، ولم يتوقف عند حد الانتاج في الداخل بل تعداه الى النشاط الاقتصادي الخارجي سواء كان تصديراً أم استيراداً أم استثماراً خارج حدود الوطن. ونوه الى ان الضرائب يجب ان تكون مساعدة في زيادة حجم الانتاج والتبادل لا ان تكون معوقه له. ان ابن خلدون ادرك حقائق قريبة جداً من مفاهيمنا اليوم حول الضريبة ومنها. ان حجم الضريبة يؤثر وبشكل مباشر واساسي على حجم الاستثمار والتوظيف. ان انخفاض الضريبة يحفز المستثمرين على تشغيل رؤوس اموالهم وتوظيفها في القطاعات التي تقل عليها الضريبة، في حين انهم يحجمون عن القطاعات التي تزداد فيها الضرائب، ويفضلون القيام بالاستثمارات خارج حدود الدولة عندما تنقص الضرائب والاكلاف الاخرى عن نظائرها داخل الدولة. اي انهم يفتشون باستمرار عن المناطق التي تكون فيها الضريبة قليلة أو معدومة، ان كبر حجم الاستثمار هو الآخر بدوره يؤدي الى الانتعاش الاقتصادي وهذا الانتعاش يمكن الدولة من فرض ضرائب جديدة، وبالتالي فان ابن خلدون يضع يده على حقيقة اقتصادية نعيشها اليوم وندافع عنها بقوة، وهي ان الاساس في النشاط الاقتصادي هو الاستثمار وليس جمع المال، حيث ان الأول يجلب الثاني بالضرورة، اما الثاني فلا علاقة له بالأول بتاتاً ان لم تكن علاقته به سلبية، لان الضريبة اذا ما تجاوزت الحدود المسموح بها فانها تؤدى الى الانكماش والركود الاقتصادي وبالتالي نقص الضريبة نفسها، ويذكر ابن خلدون كل ذلك بالحرف الواحد (المقدمة ص 249)، «واذا قلت الوزائع والوظائف» الضرائب والرسوم، على الرعايا نشطوا للعمل ورغبوا فيه فيكثر الاعتماد ويتزايد مستوى الاغتياط (الرواج) بقلة المغرم واذا كثر الاعتماد كثرت تلك الوظائف والوزائع. ـ تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية على الضريبة: يذكر ابن خلدون ايضا اثر العوامل الاقتصادية والاجتماعية على حجم الضريبة ومقدارها، ففي المجتمعات البدوية أو القبلية تقل فيها الضريبة أو تنعدم لان مثل هذه المجتمعات تقضى المسامحة والمكارم وخفض الجناح والتجافي عن أموال الناس فيقل بذلك مقدار الوظيفة الواحدة والوزيعة التي تجمع الاموال منهما. ويكون الاقتصاد في هذه الحالة اقتصاداً مغلقاً اي ينتج من اجل الاستهلاك لا من أجل التبادل، ويستهلك ما ينتج، فالتبادل فيه معدوم أو محدود ويتم غالباً بالمقايضة واستعمال النقود هو الاخر يتم على نطاق خفيف. وفي حالة انتقال الاقتصاد الى الاقتصاد المفتوح والواسع تظهر الضريبة كشكل من أشكال علاقات الدولة مع الناس وتزداد تبعاً كسياسة الدولة الضريبية. «فاذا ذهب شر البداوة والسذاجة وجاء الملك الوضوض والحضارة (نلاحظ اثر السياسة على الاقتصاد) الداعية الى الكيس وتخلق أهل الدولة حينئذ تحلق التحزلق وتكثرت عوائدهم وحوائجهم على الرعايا والفلاحين والاكره وسائر أهل المغارم ويزيدون في كل وظيفة ووزيعة عظيماً لتكثيرهم الجباية ويضعون المكوس على المبايعات، ثم تندرج الزيادات فيها مقدار بعد مقدار كتدرج عوائد الدولة في الترف وكثرت الحاجات والانفاق ثم تزيد الخروج (الضرائب) عن حد الاعتدال فتذهب غبطة الرعايا في الاعتماد (تنعدم الحوافز على الاستثمار) لذهاب الامل من نفوسهم، فيقل النفع، وتنقص حملة الجباية ويعود ذلك بالوبال على الدوله، لان فائدة الاعتمار اليها (المقدمة ص 249 وما بعدها) هذا التحليل العميق لآثار الضريبة وحجمها قد لاتراه الان حتى في كثير من الكتب الاقتصادية المنمقة ـ اعادة توزيع الدخل ـ ان مبدأ الضريبة يجب ان يرتكز في رأي ابن خلدون بالاضافة الى اثاره الاقتصادية على الجوانب الاجتماعية، فالجبايات الاسلامية المقررة شرعاً أو التي تفرضها الدولة «الخليفة أو الامام» لابد وان يكون من ورائها أهداف اجتماعية وعلى رأسها تحقيق العدل بين الناس وتخفيف حدة التفاوت الاقتصادي والطبقي.. بحيث لايكون هنالك فقير واحد في المجتمع الاسلامي ان مباديء الضريبة الحديثة اليوم تقع في ثلاثة مبادى اساسية هي: الوعاء الضريبي وراجعية الضريبة والاثار الناجمة عنها، وكل ذلك نراه بيسر ووضوح في تحليل ابن خلدون. ـ نظرية التخصص وتقسيم العمل الدولي والصناعي: تكلم ابن خلدون عن فكرة تقسيم العمل ومن زوايا ثلاث: الأولى: وهي تقسيم العمل المهني أو الحرفي، وفي غالب الاحيان يتوارث الابناء صنائع ابائهم واجدادهم، وطيلة العصور الوسطى فان البشرية عاشت في نظام الطوائف الحرفية أو النقابات المهنية، ولم يشذ العالم الاسلامي عن هذا النظام اما النوع الآخر من تقسيم العمل فهو الصناعي. حيث يتم التخصيص في صناعات مضيئة سواء على مستوى الاقاليم أو المدن، ونظراً لان الصناعة الآلية لم تكن قد وجدت ايد في زمن ابن خلدون فقد ادخل هذا النوع مع النوع الأول ولكن مع بلورة اشكال معينة لهذا التقسيم، ان تقسيم العمل بمعناه الحديث DIVISION OF LABOUR لم يكن ممكناً ادراكه الا بعد قيام الثورة الصناعية في الربع الأخير من القرن الثامن عشر ولذلك نرى ان اكتشافه كان على يد أب الاقتصاد السياسي آدم سميث في كتابه ثروة الامم الذي صدر عام 1776. شرح ابن خلدون النوع الأخير من تقسيم العمل وهو التقسيم الدولي، وبين ضرورته لأهل المصير (البلد) لانه يحقق فوائد تجمع البلدان وبذلك يعتبر بحق مبشراً بنظرية الكلاسيكية في التجارة الدولية القائمة اصلاً على التخصص (تقسيم العمل الدولي) فيما بين الامم قاطبة، ان النظريات الاقتصادية الكلاسيكية في التجارة الدولية لاتزال تعيش معنا اليوم، وأهمها نظرية المنفعة المطلقة لآدم سميث ونظرية المنفعة النسبية لريكاردو ونظرية القيم الدولية لجون ستيوارت ميل. ولو أخذنا مقولة ابن خلدون في هذا الموضوع تراها قد سبقت عصرها بأكثر من خمسة قرون على الأقل في اطارها العام. «وانه من البين ان أعمال أهل المصر يستدعي بعضها بعضاً لما في طبيعة العمران من التعاون، وما يستدعي من الاعمال يختص ببعض أهل المصر فيقدمون عليه ويستبصرون في صناعته ومالايستدعي في المصر يكون غفلاً اذ لافائدة من منتحله في الاحتراف به»، (المقدمة ص 256 وما بعدها). بقلم: أ.د. محمد عارف كيالي _ استاذ اقتصاد جامعي