التوطين هذا المصطلح الذي اخذ يتداول في الصحافة وغيرها من وسائل الأعلام في الآونة الأخيرة اكثر من أي شيء آخر، التوطين يعنى ببساطة عملية إحلال العمالة الوطنية مكان العمالة الأجنبية وفق خطة زمنية محددة أو هكذا ينبغي لها، ويرى غير واحد من المسئولين والمختصين أن هذا الإجراء هدف وطني وهو كذلك بالفعل ولكنه وقبل كل شيء هو مطلب اقتصادي أو هكذا يجب أن يكون، إن هدف أية أمة معاصرة هو تحقيق الرخاء والازدهار الاقتصادي لجميع أفرادها عن طريق الاستغلال الأمثل لكل عوامل الإنتاج المتيسرة من عمالة ورؤوس أموال وموارد أولية والوصول بالاقتصاد الوطني إلى مرحلة التشغيل الكامل بحيث لا يبقى أي مورد معطل أو غير مستغل، وذلك بإعطاء الفرصة كاملة لقوى السوق لتحديد ما يتم إنتاجه وتسويقه من سلع وخدمات من خلال المشروعات الخاصة (القطاع الخاص). وسبب هذه الجهود الحثيثة من قبل الأمم لتحقيق الرخاء الاقتصادي لشعوبها يرجع إلى أن أية مشكلة مهما كانت طبيعتها سياسية كانت أم اجتماعية أمنية كانت أم ثقافية هي أساسا خلل اقتصادي والتاريخ الإنساني يقف شاهدا على أن الفقر يقف وراء الكثير من المشكلات الاجتماعية والسياسية والأمنية، إن الأداء الاقتصادي لأية دولة يقاس بما تحققه هذه الدولة من ناتج كلي أي بمجموع ما تنتجه من سلع وخدمات كما يقاس بنصيب الفرد من هذا الإنتاج أي الناتج القومي الإجمالي مقسوما على عدد أفراد المجتمع. أن معدل دخل الفرد في دولة الإمارات يعتبر من أعلى معدلات الدخل على مستوى العالم وذلك حسب إحصائيات عديدة من جهات مختلفة ولكن هذه الإحصائيات يجب ألا تخدعنا وتمنعنا من التقييم الموضوعي للأداء الاقتصادي في الدولة كما يجب ألا تجعلنا نغض الطرف عن المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد الإماراتي وفي مقدمتها مشكلة العمالة الأجنبية، لاشك أن الدولة قطعت شوطا كبيرا في برنامج الإصلاح الاقتصادي المتمثل في عملية تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل القومي وهو مبيعات النفط لما لذلك من مخاطر على الوضع الاقتصادي ككل نتيجة للتذبذب المستمر للأسعار، وما حدث في العام 98 من انهيار الأسعار ليس ببعيد، ولكن ما ينقص قائمة الإصلاحات الاقتصادية التي يجب القيام بها هو أهم بند في تلك القائمة وهو التركيز بصفة أساسية على عملية التوطين لما تمثله العمالة الأجنبية من أعباء وما تشكله من مخاطر على الاقتصاد الوطني، ان كثيرا من الإحصائيات الحديثة تشير إلى أن العمالة الوطنية وبصفة خاصة في قطاع الخدمات لا تشكل اكثر من عشرين في المئة على اكثر تقدير وهذا الرقم إذا كان صحيحا فإنه يجب أن يثير الرعب قبل أن يثير التساؤلات، في السابق كان المعيار الذي يحدد مدى نجاح أي مشروع في أية دوله تعتنق الفكر الرأسمالي الذي يعتمد على آلية السوق هو ما يوفره من وظائف جديدة أما الآن وفي ظل اندماج الاقتصاديات المحلية في نظام اقتصادي عالمي واحد فإن معيار نجاح أي مشروع هو ما يجلبه من أموال من الخارج، إن الاقتصاد الإماراتي رغم ما حققه من معدلات نمو لا بأس بها فإنه يعاني من نزيف كبير ومستمر في الأموال وبالرغم من عدم توافر أية أرقام لدي وذلك لعدم وجودها أصلا فإني لا أجد حرجا في القول ان الخارج من أموال من الاقتصاد المحلي اكثر من الداخل فيه وذلك نتيجة لتحويل نسبه كبيرة من أجور العمالة الأجنبية إلى بلدها الأصلي، ان مواصلة التوسع الاقتصادي في ظل الظروف الحالية سوف يزيد من حجم الاقتصاد المحلي لا شك في ذلك ولكن الإضافة الحقيقية لهذه المشاريع للاقتصاد المحلي ستكون صفرا كبيرا أن لم تكن بالسالب لما تحمله مثل هذه المشاريع من أعباء إضافية على الموازنة العامة نتيجة للتوسع في الخدمات التي تكون غالبا غير خاضعة لأي رسوم أو ضرائب، والمشكلة سوف تكون أكبر إذا كانت هذه المشاريع تمول برساميل غير وطنية أي ما يسمى بالاستثمار الأجنبي وذلك لان حجم الأموال المغادرة سيكون اكبر بكثير إذ إن رأس المال الأجنبي سوف يأتي إلى السوق المحلي مستفيدا من قوانين تشجيع الاستثمارات الأجنبية أو القوانين الخاصة بالمناطق الحرة وما أكثرها في الدولة والتي تنص على إعفاء الشركات الأجنبية التي تستثمر في قطاعات معينة من الضرائب ومعظم الرسوم ولمدة لا تقل عن عشر سنوات، سيقوم هذا المستثمر الأجنبي بتدوير أمواله في السوق المحلي من خلال مشاريع صناعية وخدمية تستخدم مواد أولية أو سلعاً وسيطة مستوردة غالبا وعمالة أجنبية ومن ثم المغادرة مصحوبا بحفظ الله ورعايته وطبعا بأرباحه التي وفق في تحقيقها تاركا للدولة فاتورة تنظيف مخلفاته المادية والمعنوية ولا ننسى أن أجور العمالة وأثمان المواد الأولية التي استخدمها كانت قد سبقت المستثمر الأجنبي في المغادرة، وأخيرا فان من ضمن التأثيرات السلبية الأخرى للعمالة الوافدة على الاقتصاد الوطني هي التكلفة الباهظة التي تتحملها الموازنة العامة نتيجة وجود هذه العمالة على ارض الدولة رغم ضآلة القوة الشرائية التي تضيفها إلى السوق المحلية لما تتلقاه من خدمات وما تستهلكه من بنية تحتية تحتاج إلى أموال طائلة لصيانتها وإعادة تأهيلها، إن عدم التعامل مع مسألة التوطين على أنها البند الأول في قائمة الإصلاحات الاقتصادية والذي يجب البدء فورا في تنفيذها وفق خطة زمنية محددة عن طريق تشكيل لجنة وطنية اقتصادية عليا تضطلع بمهام التخطيط والمتابعة ويكون لها من الصلاحيات ما يؤهلها للقيام بهذه المهمة الذي اقل ما يمكن ان يقال عنها أنها صعبة ومعقدة سيكون له عواقب وخيمة على كل من يعيش على هذه الأرض كبيرا كان أو صغيرا، لا شك أن إنشاء هيئة اتحادية للمعاشات يعتبر خطوة هامة في المسار الصحيح لما لهذه الهيئة من دور في تشجيع الكوادر الوطنية على الانخراط في العمل في القطاع الخاص عن طريق توفير قدر من الأمان والاستقرار الوظيفي لها ولكن ما يجب القيام به لتحقيق هذا الهدف اكثر من ذلك بكثير وبأسرع وقت وذلك بسبب الاستحقاقات القادمة لمنظمة التجارة العالمية بعد الوصول إلى تصور مشترك عن مجمل القضايا المتعلقة بتحرير قطاع الخدمات الذي بلا شك سيؤثر سلبا على الجهود المبذولة لتوطين العمالة في القطاعات الخدمية المختلفة، إن اكثر القطاعات الاقتصادية المحلية نجاحا في هذا المجال هو القطاع المصرفي الذي حقق معدلات إحلال لا بأس بها ولكن خلال فترة زمنية طويلة إلى حد ما، ومن ضمن الاقتراحات التي يمكن أن تقدم في هذا المجال هي أن تقوم الحكومة بتشجيع الشركات العاملة في السوق المحلي وطنية كانت أم أجنبية على وضع خطط وبرامج خاصة بها لتأهيل وتدريب الكوادر الوطنية ومن ثم إحلالها تدريجيا مكان العمالة الوافدة بطريقة لا تؤثر على قدرتها التنافسية عن طريق منحها إعفاءات ضريبية وتسهيلات وإعانات مالية وعينية بقدر ما تنفقه هذه الشركات على برامجها التدريبية، كما يجب وقبل هذا وذاك تعديل قانون العمل الحالي الذي تمت صياغته على أساس الوضع الحالي لسوق العمل مرجحا كفة صاحب العمل والذي لا يشجع الكوادر الوطنية البتة على الانخراط في العمل في القطاع الخاص لعدم ضمانه بصورة كافية لحقوق العامل كمكافأة نهاية الخدمة ومدة الإخطار لإنهاء الخدمة من قبل صاحب العمل وما إلى ذلك كل حقوق يكفلها القانون، وما يمكن عمله كحل مؤقت لتخفيف وطأة العمالة الوافدة على الموازنة العامة والاقتصاد الوطني أولا التخلص من كل العمالة الهامشية، وقد تم بذل جهود طيبة في هذا المجال ولكن هذه الجهود لم تكن وفق خطة مدروسة بل كانت حصيلة اجتهادات فردية لم يكتب لها الاستمرار، ثانيا التركيز على المشروعات الصناعية والخدمية المكثفة لرأس المال ومحاولة التقليل قدر الإمكان من تلك المشروعات التي تعتمد في المقام الأول على العمالة، ثالثا محاولة الاستفادة من فائض في العمالة الوطنية في دول مجلس التعاون الأخرى وذلك بمعاملتها معاملة العمالة الوطنية، رابعا الاستفادة من الآلة وإحلالها مكان العمالة الوافدة متى تسنى ذلك مثل استخدام آلات توزيع الجرائد والمجلات وآلات الخدمة الذاتية في محطات تعبئة الوقود مما سيؤدى إلى الاستغناء عن آلاف إن لم يكن عشرات الآلاف من العمالة غير الماهرة، وبذلك نكون قد حققنا هدفين أولا تقليل مصاريف التشغيل على الشركات ومن ثم خفض تكاليف أو ثمن السلعة على المستهلكين وثانيا خفض تكاليف تشغيل المرافق العامة والبنى التحتية التي تتحمل أعباءها الدولة الأمر الذي سيوفر مبالغ كبيرة التي يمكن إعادة استثمارها في الإنسان الإماراتي الذي يعتبر بحق الثروة الحقيقية التي لا تنضب لهذه الأرض الطيبة. بقلم: ناصر أحمد بن غيث _ جامعة كيس وسترن ريزيرف