قال خبير عربي في شئون منظمة التجارة العالمية ان ايجاد التوازنات الضرورية في تأويل اتفاق منظمة التجارة العالمية بشأن جوانب حقوق الملكية الفكرية وبهدف الحفاظ على حق الدول في اتباع سياسات حماية الصحة العامة، وتوفير الادوية والعقاقير الاساسية للطبقات الاجتماعية ذات الدخل المحدود سيبقى موضوعا مفتوحا للمناقشة والحوار بين الدول النامية والدول الصناعية الى حين انعقاد المؤتمر الوزاري الرابع للمنظمة بالدوحة بين 9 و 13 نوفمبر المقبل وربما الى ما بعد المؤتمر. وتوقع الدكتور حسن ابو طاهر مستشار وزارة الاقتصاد والتجارة لشئون منظمة التجارة العالمية ان يشكل هذا الموضوع مسألة خلاف بين الذين ينادون بتعديل الاتفاق الدولي بالقدر الذي يضفي عليه اكثر وضوحا في حق الدول بالحفاظ على الصحة العامة والذين يؤيدون الابقاء على النصوص الحالية كما هي. ولم يستبعد ابو طاهر ان يؤول النقاش والتفاوض الى صيغة توفيقية تهدف عبر اعلان وزاري عن تأويل ايجابي للاتفاق دون فتح المفاوضات لتعديله. وكانت «البيان» قد توجهت ببعض التساؤلات الى الدكتور ابو طاهر حول موضوع حماية الصحة العامة وقواعد منظمة التجارة العالمية الخاصة بحقوق الملكية الفكرية. وفي مستهل اجاباته يوضح الدكتور ابو طاهر ان الدول النامية اثارت مؤخرا داخل اجهزة منظمة التجارة العالمية نقاشا حادا حول مدى تجاوب قواعد منظمة التجارة العالمية الخاصة بحقوق الملكية الفكرية والاهداف المشروعة للدول الاعضاء في اتباع سياساتها بشان حماية الصحة العامة وتوفير العقاقير والادوية وتسهيل الحصول عليها باسعار مناسبة ومعقولة. وخلال هذا النقاش الذي يعد الاول من نوعه منذ انشاء المنظمة الدولية عام 1995 توالت وفود الدول والمجموعات على منبر مجلس حقوق الملكية الفكرية في دور يونيو 2001 للتعبير عن مواقفها وتصوراتها في شان تاويل مقتضيات اتفاق جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة ومستوى المرونة المتوفرة في اطاره لضمان اتباع سياسة حماية الصحة العامة والحفاظ على التوازن بالغ التعقيد بين مصالح اصحاب براءات الاختراع وحقوق المستهلكين. وقد ذهبت الدول الى حد القول بضرورة اعادة صياغة بعض مقتضيات الاتفاق ونادت بعض الدول الاخرى الى ايجاد اليات لضمان المرونة الكافية لاتخاذ الاجراءات والتدابير الوطنية الضرورية لحماية الصحة العامة في اطار المقتضيات الحالية في حين دافع البعض الاخر عن الاحتفاظ بالتوازن المتواجد في الاتفاقية دون المساس بمقتضياتها الحالية. ويقول ابو طاهر: لفهم الجوانب المختلفة لهذا التناقض لابد من تناول بعض مقتضيات اتفاق جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة التي تعكس العلاقات المتواجدة بين حماية الصحة العامة وحماية حقوق اصحاب القراءات. من خلال تناول هذه المقتضيات تتجلى صعوبة ايجاد توازن حقيقي وواضح بين اهداف الحصول على العقاقير والادوية بشكل واسع من جهة وهو حق من حقوق الانسان وتشجيع وتطوير الابداع والاختراع الذي وان كان يهدف كذلك الى حماية حقوق اصحاب البراءات فهو يشكل في نفس الوقت هدفا من الاهداف الاساسية لحماية صحة الانسان. اتفاق منظمة التجارة العالمية ينص فيما يخص المنتجات الصيدلية على حماية البراءات في شأن اي اختراع لمنتج او طريقة انتاج كلما توافرت فيه المعايير الاساسية وهي ان يكون المنتج او طريقة الانتاج جديدة وان تتضمن طابع الابداع وان تكون قابلة للتطبيق الصناعي. واضافة الى ذلك يمكن للدول الاعضاء ان تشترط الافصاح عن الاختراع وطلب معلومات وبيانات تتعلق بافضل الطرق لتنفيذها. ويشكل هذا الشرط بالنسبة للدول المانحة للبراءات عاملا اساسيا في نشر معلومات فنية هامة تمكن الاخرين من استخدامها بهدف تطوير التكنولوجيا في هذه الميادين وحتى خلال فترة حماية البراءة الشيء الذي يمنح فرصة استعمالها لصناعة ادوية وعقاقير لحين نهاية فترة حمايتها وسقوطها في صالح الملك العام. كما ينص الاتفاق الى استثناءات من قاعدة منح البراءات وحمايتها ويمكن ان نوجزها في الاختراعات التي لا يجوز استغلالها تجاريا حفاظا على النظام العام والاخلاق وحماية صحة وحياة الانسان والحيوان والحفاظ على الثروة النباتية والبيئية. كما يستثنى من الزامية منح البراءات وحمايتها طرق التشخيص والعلاج والجراحة لمعالجة الانسان والحيوان وكذا بعض الاختراعات الخاصة بالنبات والحيوان. ويشير الدكتور ابو طاهر الى ان اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة تحد من جهة اخرى الحقوق الاستئثارية لاصحاب البراءات في حالات خاصة يمكن معها استخدام تلك البراءات بدون موافقة اصحابها ومثال ذلك اعطاء مؤسسات البحوث صلاحية استخدام الاختراع ومحاولة التعرف على مضمون الاختراع بهدف تطوير العلم والتكنولوجيا. كما يمكن للدول الاعضاء ان تمنح ما يسمى بالتراخيص الاجبارية ضمن شروط وبعد فشل محاولة التفاوض مع اصحاب الاختراع لاطراف ثالثة بهدف استخدامها بدون موافقة اصحابها ويمكن للحكومات منح تراخيص اجبارية لاستخدام البراءات بهدف الصالح العام ولاغراض غير تجارية. كما يحق للدول ان تمنح تراخيص اجبارية لغير اصحاب البراءات وذلك بهدف مكافحة الممارسات التجارية غير المشروعة او التي تؤثر سلبا على قواعد المنافسة. وتنحصر هذه الانواع من استخدام البراءات عن طريق التراخيص الاجبارية على الاسواق المحلية باستثناء التراخيص الاجبارية التي يتم منحها بهدف مكافحة الممارسات التجارية غير المشروعة او المؤثرة سلبا على قواعد المنافسة. ويقول: بالاضافة الى ذلك يحق للدول ان تتبع سياسات مراقبة الاسعار او غيرها من السياسات الاجتماعية استنادا الى مقتضيات اتفاق منظمة التجارة العالمية الخاص بحقوق الملكية الفكرية والتي تؤكد بكل وضوح حق الدول في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الصحة العامة وضمان التغذية. وتمنح هذه المقتضيات الواردة في اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة بعض المرونة للدول والحكومات بان تتبع سياساتها الهادفة الى حماية الصحة العامة وتوفير العقاقير والادوية على نطاق واسع. ويضيف الدكتور ابو طاهر انه بهدف البحث عن التوازنات بين حماية الصحة العامة وحماية حقوق الملكية الفكرية التي تشكل حقوقا فردية رغم ان لها اهدافاً جماعية في تشجيع تطوير التكنولوجيا ونقلها، فان عددا من الدول اصبحت تنادي بايجاد الية واضحة تضع حماية الصحة العامة في مستوى اولوية واضحة في اطار اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة. وذهب بعض هذه الدول الى المناداة بضرورة توضيح اكبر لمسألة استثناء التدابير التي تتخذها الدول بهدف حماية صحة الانسان من احكام الاتفاقية المذكورة كما هو الشان في اتفاقيات جات 1994 الجاري العمل بها. حقيقة ان اتفاقية حقوق الملكية الفكرية تمنح مجالا للحكومات في سن سياسات واتخاذ تدابير بهدف حماية الصحة العامة، الا ان تأويل بنود الاتفاقية قد يخلق عند البعض تساؤلات ولبسا في فهم مدى المرونة المتوفرة في هذا المجال. ويوضح انه امام تفاقم الامراض المعدية وانتشار الاوبئة خاصة بالقارة الافريقية نادت دول هذه المنطقة، مدعومة من عدد كبير من الدول النامية، بالاعتراف بتأويل ايجابي لاتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية ووضع آلية واضحة تحول دون تأويل خاطيء للاتفاقية قد يؤدي الى الحد من سياسات الدول والحكومات في سن واتباع سياساتها في مجال حماية الصحة العامة وتزويد الطبقات الاجتماعية الدنيا وذوي الدخل المنخفض بالادوية والعقاقير الضرورية لضمان صحتهم وسلامتهم. ويقول ابو طاهر: من حيث الوسائل التي تساهم في تامين توفير العقاقير والادوية على شكل واسع، يتبادر الى الذهن ترتيبات الاسعار التفضيلية بهدف الحصول على الادوية الاساسية التي تشكل موضوع نقاش كبيراً في عدد من محافل الدول المهتمة. ومن خلال تبادل الاراء الذي تم في ورشة عمل بمدينة هوسبورج «النرويج» خلال شهر ابريل 2001، يمكن ان نستشف ان ترتيبات الاسعار التفضيلية في مجال العقاقير والادوية الاساسية لفائدة الدول الفقيرة ترتيبات ممكنة الانجاز بطرق مختلفة لا تتعارض مع الواقعية الاقتصادية والسياسية وتقسيم الاسواق شريطة اتخاذ التدابير الكفيلة بالحد من اثارها السلبية وخاصة منها ما اطلق عليه بالاستيراد الموازي الذي قد يؤدي الى اعادة تصدير المنتجات المذكورة في اسواق الدول الغنية. كما ان نظام الاسعار التفضيلية لا يتنافى مع مقتضيات اتفاق جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة ولا يمكن ان يؤثر على المرونة الموجودة فيه للحفاظ على الصحة العامة وتوفير الأدوية بشكل واسع. وخلص ابو طاهر الى ان ايجاد التوازنات الضرورية في تأويل اتفاق منظمة التجارة العالمية بهدف الحفاظ على حق الدول في اتباع سياسات حماية الصحة العامة وتوفير الادوية والعقاقير الاساسية للطبقات الاجتماعية ذات الدخل المحدود سيبقى موضوعا مفتوحا للمناقشة والحوار بين الدول النامية والدول الصناعية الى فترة انعقاد المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية بالدوحة من 9 الى 13 نوفمبر 2001 وربما الى ما بعد المؤتمر. ومن المتوقع ان يشكل هذا الموضوع مسألة خلاف بين الذين ينادون بتعديل الاتفاق الدولي بالقدر الذي يضفي عليه اكثر وضوح في حق الدول في الحفاظ على الصحة العامة والذين يؤيدون الابقاء على النصوص الحالية كما هي نظرا للدور الذي تلعبه في هذا الشأن حسب اعتقادهم. وربما سيؤول النقاش والتفاوض الى صيغة توفيقية تهدف عبر اعلان وزاري عن تأويل ايجابي للاتفاق دون فتح المفاوضة على تعديله. أبوظبي ـ احمد محسن: