تعد الاسواق الخليجية للاوراق المالية أسواقا حديثة النشأة ويجري بها التعامل وفقا لقواعد وأحكام وضوابط تشريعية وتنظيمية ورقابية، بحيث يتم تداول الأوراق، في مقصورات بورصات لها شخصيتها المعنوية وادارتها المستقلة ووسطاء مرخص لهم بالوساطة شأنها في ذلك شأن بقية الأسواق المنظمة، الأمر الذي يمهد السعي من اجل قيام سوق عربية للاوراق المالية بين دول مجلس التعاون الخليجي ويتحقق بذلك نوع من التكامل فيما بينها. ظهرت نتائج عوامل توزيع النواتج المحلية على القطاعات الاقتصادية للدول الخليجية في زيادة السيولة النقدية لدى حكومات وأفراد هذه الدول بحيث لم تكن اقتصادياتها حتى أوائل الثمانينيات مهيأة لاستيعاب الفوائض النقدية التي تبحث عن الاستثمار العيني في شتى المجالات ومن ثم كان الاستثمار المالي هو الحل البديل في وقت مبكر كانت فيه الاصول المالية قليلة ولا تفي باحتياجات المستثمرين ومن ثم توجيه الفوائض الادخارية للحكومات والأفراد الى أوعية الاستثمار في الخارج. وتعتبر أزمة سوق المناخ التي كادت ان تعصف بالمؤسسات الاقتصادية الكويتية طوال عقد الثمانينيات مثالا للأسواق غير المنتظمة التي ألقت بظلال قاتمة على معظم الاسواق الخليجية، فقد استوعبت الحكومات الدرس المستفاد من سوق المناخ مما ساعدها ذلك على سرعة تطور اقتصادياتها بطفرات غير مسبوقة والاقتناع بأهمية تنظيم أسواقها ووضعها تحت رقابة مسئولة لذلك كانت سوق الكويت أول سوق منظمة ظهرت في دول مجلس التعاون الخليجية بصدور المرسوم الاميري في 14 أغسطس 1983 بانشاء السوق كشخص اعتباري. وأشارت دراسة اعدها الدكتور رمضان الشراح في مجلة آفاق اقتصادية الصادرة عن اتحاد غرف التجارة والصناعة بالدولة تحت عنوان (استشراف مستقبل أسواق الاوراق المالية في دول المجلس) وأشارت الى انه اعتبارا من 1994 بدأت قاعدة المعلومات عن أسواق الاوراق المالية العربية لدى صندوق النقد العربي تنشر احصاءات منتظمة (ربع سنوية) في نشرة فصلية خاصة على جانب كبير من الأهمية، وهناك أربعة أسواق خليجية من مجموع ست دول تزود الصندوق باحصاءات منتظمة، وهي: السعودية، الكويت، سلطنة عمان والبحرين. ومن ثم فإن الصورة لن تكون مكتملة عن أسواق هذه المجموعة، وعليه فقد تم الاعتماد على الاحصاءات المتوفرة للدول الأربع للتعرف على السمات الرئيسية للأسواق الخليجية مع العلم بأن هذه المجموعة تمثل السوق الخليجي تمثيلا جيدا، كما انها تشكل في الوقت ذاته الجانب النسبي الأكبر من الحجم الكلي للسوق. تطور رأسمال سوق الأوراق الخليجية شهد عام 1994 تطور إجمالي رأسمال السوق الخليجية، كذلك تطور القيم السوقية في كل سوق على حدة حتى عام 1998، فبعد الاتجاه العام المتصاعد بسرعة للقيمة السوقية الإجمالية خلال الفترة من 1994 الى 1997، حدث انخفاض شديد في عام 1998 بنسبة 26.9% عما كانت عليه القيم السوقية في عام 1997، على الرغم من ان النواتج المحلية الاجمالية وموازين المدفوعات كانت في تزايد مضطرد حتى عام 1997، وطرأ على متوسط اسعار سلة اوبك تراجع في عام 1998 من 20.30 إلى 18.8 دولارا للبرميل وبنسبة 7.8% وكان الهبوط في القيم السوقية للاوراق المالية في جميع الاسواق الاربعة قد شهدت انخفاضاً بدرجات متفاوتة بحيث كانت نسبة هذا الانخفاض 10.30% في سوق الكويت و27.4% في السعودية و12 و14% في البحرين، وكانت اكبر نسبة انخفاض في سوق عمان. وحول عدد الشركات المدرجة اوراقها في الأسواق الخليجية فإنه يعد قليلاً بالنسبة لايرادات هذه الدول ونواتجها المحلية، وهو ما يشير إلى ان هناك جانبا كبيرا من حجم التعامل مازال يتم في اسواق غير منظمة لا تنشر ارقام تداولها وبصورة خاصة في كل من الامارات وقطر حيث لا تتوفر بيانات عنها لدى قاعدة معلومات اسواق الاوراق المالية العربية بصندوق النقد العربي. وذكرت الدراسة ان لكل سوق من الاسواق الخليجية مؤشران للاسعار احدهما تعده السلطات المحلية في كل سوق، والآخر مؤشر يعده صندوق النقد العربي وفق منهج موحد، وتاريخ الاساس بالنسبة لهذه المؤشرات عام 1994، ومنذ ذلك التاريخ ينشر الصندوق على اساس شهري التغيرات في تلك المؤشرات النشرة الفصلية وقد اختار الصندوق عينة من الاسهم من كل سوق على النحو التالي 31 سهما من البحرين و27 سهما من السعودية و35 سهما من الكويت و44 سهما من عمان وهي اكبر عينة. عوامل ايجابية بعد مضي اكثر من عقد كامل على الاحداث التي شهدتها منطقة الخليج العربي بدت بشائر مرحلة جديدة من الاستقرار المطلوب للتنمية المستديمة، كما تحسنت الاسعار العالمية للنفط الخام قبل بداية الالفية الثالثة، وهو عامل محوري في انعاش اقتصاديات الدول الخليجية، يضاف إلى ذلك عامل هام الا وهو الاستفادة من دروس وتجارب الماضي القريب وهي: ـ اصبحت حكومات دول المنطقة ومواطنوها اكثر ايماناً باهمية استثمار الاموال الوطنية في الاسواق المحلية بعدما كانوا يميلون في السابق إلى استثمار تلك الاموال في الاسواق الخارجية، خاصة بعد عمليات تجميد اموال بعض الدول المجاورة في الاسواق الغربية. ـ نبهت ازمة سوق المناخ إلى درسين هامين وهما: اهمية وضرورة تقنين التداول في سوق الاوراق المالية بعد ان اتضحت الاضرار المقبلة عن الفوضى وعدم التنظيم، وثانياً برزت اهمية العمل على توسيع نطاق الاسواق بزيادة الاوعية المتاحة في السوق بما يتناسب مع حجم الاموال الباحثة عن الاستثمار المالي والعيني. ـ قطعت بعض الدول الخليجية أشواطاً جادة نحو تنظيم أسواقها وتقنين ورقابة التعامل واستكمال الهياكل المؤسسية، والاهتمام بموضوع الشفافية Transparency. ـ دخول صغار ومتوسطي المستثمرين الى أسواق الأوراق المالية بعد أن اقتصر التعامل على كبار المستثمرين والحكومات والبنوك بالاضافة الى المؤسسات المالية، ويعد صغار المستثمرين ركن الزاوية في أي سوق مهما بلغت الاهمية النسبية لمعاملاتهم. ـ وترتب على دخول صغار المستثمرين عمليات تداول الأسهم بيعاً وشراء ظهور صناديق الاستثمار الجماعي في بعض الأسواق الخليجية بكل أشكالها المفتوحة والمغلقة. ـ كان انضمام الدول الخليجية الى الأسواق المنظمة متأخراً زمنياً، ولكنه تزامن مع ظهور ثورة في وسائل الاتصال وتكنولوجيا نقل المعلومات «الطريق السريع للمعلومات» وهو ما يتيح لها البدء من حيث انتهى الاخرون. ـ تدريب كوادر من المحترفين يمكنهم العمل في السوق بعد تنظيمها، لاسيما في مجال الوساطة أو مجال صناع السوق أو غير ذلك من المجالات بدلاً من استيرادهم من الخارج. ـ ساعدت الصحوة التصحيحية وتنظيم الأسواق في وقت مناسب على تحقيق النواتج المحلية للدول الخليجية معدلات نمطية وكذلك موازين مدفوعاتها. امكانيات التكامل توافر قواعد البنى الاساسية في معظم الأسواق الخليجية التي تتولى مهام التقنين والاشراف والوساطة يعتبر من العوامل التي تشجع على قيام سوق عربية للأوراق المالية بين دول مجلس التعاون الخليجي الى جانب عوامل اخرى عديدة، ومنها مساحة الاتفاق بين التشريعات المنظمة للتداول بحيث تتفق جميع الأسواق الخليجية على عدم اجازة التداول داخل الأسواق الرسمية إلا من خلال وسطاء مخولين، بالاضافة الى التحسن النسبي في مناخ الاستثمار وتشجيع الاستثمار الاجنبي، كما يساهم تزايد الوعي في دول هذه المجموعة بأهمية وجود المؤسسات التي تعمل في مجالات المقاصة والتسوية والحفظ المركزي التي تلعب دوراً محورياً في الاستثمار النسبي تساهم في تذليل العقبات أمام قيام السوق العربية، كذلك تزايد الاستثمارات العربية البينية المشتركة وعلى الأخص في مجال البنوك من العوامل الايجابية، ناهيك عن خصائص الاستثمار في الأوراق المالية كحرية الدخول والخروج من السوق في وقت نسبي قصير وضمان الحصول على الحقوق المتبادلة بين المتعاملين. الربط بين الأسواق الخليجية ان أهم عنصر فعال لتحقيق التنسيق والتعاون الاقتصادي هو توفر الادارة السياسية وقبول الأطراف المختلفة التخلي عن جزء من سيادتها وربما تتوفر تلك الادارة بطريقة عملية لدى دول مجلس التعاون الذي يعد ذاته أحد ثمرات هذه الادارة، فالأهداف العليا موضوعة ولكنها تحتاج الى آليات تنفيذ، وتتمثل هذه الآليات في وجود الأجهزة والشركات التي تتولى عمليات ربط هذه الأسواق بعضها ببعض حتى تصبح كياناً كبيراً له شخصيته الاقليمية ومميزة عن الشخصيات المحلية الاخرى. وقد نجح التعاون بين سوق عمان والبحرين الى حد كبير في جعل سوقا جاذبة لمؤسسات وبنوك اجنبية بما وفرته من مزايا ضريبية وغيرها حتى أصبحت من مناطق الأوف شور، بالاضافة الى تجربة رائدة نجح في تحقيقها اتحاد البورصات وأسواق المال العربية، وهي اتفاقية الربط بين أسواق الأوراق المالية في كل من الكويت ومصر ولبنان، ودول المجلس أولى بتبني مثل هذا الأسلوب في الربط والاستفادة من تجارب التعاون السابقة.