عقد وزراء التجارة والاقتصاد العرب اجتماعات لهم في القاهرة الاسبوع الماضي بهدف تنسيق المواقف تجاه القضايا التي سوف تطرح في اجتماعات منظمة التجارة العالمية التي سوف تعقد في الدوحة في نوفمبر المقبل. وللامانة فاننا يجب أن نسجل هنا أن قمة الرياض لقادة دول مجلس التعاون التي عقدت قبل عامين سجلت علامة فارقة في مسيرة التعاون لكونها تعاملت ولأول مرة في تاريخ القمم الخليجية مع التحديات التي تواجهها دول المجلس على صعيد العولمة والجات والاقتصاد الجديد. وقد صدر عن القمة اعلان تناول موقف دول المجلس من هذه الموضوعات حيث أكد ان تيار العولمة بات يفرض نفسه فرضاً على العالم ويطبع هذه الحقبة التاريخية بطابعه، وان هذا التيار يحتم نشوء كيانات اقتصادية قوية تستطيع التعامل معه ومع ما يحمله من تطورات دون التعرض لهزات اقتصادية تمس رخاء المواطنين. لذلك فان دول المجلس يجب ألا تقف متفرجة على التطورات المتلاحقة التي تجري في ساحة الاقتصاد العالمي، مكتفية بسياسات ردود الفعل، بل أن تبادر للمساهمة بفاعلية وتأخذ دورها في بلورة واتجاه مسيرته من خلال كيان اقتصادي خليجي واحد يتواكب ويتكامل بدعم الكيان الاقتصادي العربي المترابط بما يضمن المحافظة على المصالح الوطنية للدولة. ان اتفاقيات الجات وما تنطوي عليه من مضامين ولوائح واجراءات ونتائج مباشرة وغير مباشرة باتت تفرض نفسها تدريجياً على دول مجلس التعاون الخليجي. الا اننا نلحظ مع الأسف أن المسيرة التي بدأتها قمة الرياض في التعاطي مع هذا الموضوع بغية اتخاذ الاستعدادات المطلوبة للتعامل معه لم تتواصل بالصورة المطلوبة سواء من حيث إنشاء الاجهزة الخاصة بالتعامل معه او من حيث تنسيق المواقف والمطالب في الجولات المقبلة للجات. ان الدول الخليجية تمتلك العديد من المقومات التي تؤهلها للتعامل مع هذه الاتفاقيات او مع هذا النظام التجاري الدولي الجديد، مثل سياسة الانفتاح الاقتصادي وحرية السوق كما انها تمتلك العديد من مرافق البنية الاساسية المتطورة، وتعتبر من اقل دول العالم من حيث الرسوم الجمركية والقيود الكمية والادارية على الواردات، كما ان دول المجلس تتوافر فيها العديد من الموارد الطبيعية وفي مقدمتها البترول والغاز الطبيعي، وكذلك اصبحت هذه الدول من اكثر الدول استخداما للتكنولوجيا الحديثة، وقطعت شوطا كبيرا في مجال التنمية الاقتصادية ويعتبر الدخل الفردي فيها من اعلى معدلات الدخل في العالم. كما وتتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بالكثير من المزايا التنافسية في مجال الانتاج والتصدير للعديد من السلع الصناعية كالسلع البتروكيماوية والالمنيوم بالاضافة الى بعض الخدمات الخاصة في مجالات البنوك والتأمين والسياحة وغيرها. وعلى الرغم من جميع هذه المزايا، الا ان دول المجلس تواجه العديد من التحديات التي تحد من امكاناتها في مواجهة العولمة والجات. ومن هذه التحديات ما يتصل بالنمو السكاني السريع في المنطقة حيث ان عدد سكان دول مجلس التعاون سوف يرتفع في عام 2013 الى نحو 40 مليونا منهم 10 ملايين من غير المواطنين. كما ان الحاجة ما زالت قائمة لمواصلة الجهود لتنويع مصادر الدخل وتشييد تجارب تنموية متينة من خلال توفير مقومات نمو القطاعات الاقتصادية، وخاصة القطاع الصناعي المرشح لقيادة عملية التنمية في المستقبل. كما ان هناك التحديات المرتبطة برفع الكفاءة الانتاجية والاقتصادية لدى مختلف القطاعات بما في ذلك القطاع الحكومي، وكذلك توجد ضرورة لتعديل وتطوير السياسات والانظمة الاقتصادية، واستكمال الخطوات والاليات الخاصة على ضرورة السوق الخليجية المشتركة التي يجب ان تكون امتدادا لسوق عربية وذلك من خلال توحيد العملة وتوفير حرية فعلية في انتقال العمالة الوطنية بين دول مجلس التعاون، وتحقيق الانسجام بين السياسات الاقتصادية وانظمة الاستثمار. كما انه توجد ضرورة لتوفير كل المتطلبات التي تسهم في تعظيم الفائدة من الانضمام الى منظمة التجارة العالمية، وبالتالي يجب العمل على جهاز مشترك دائم يحقق تلك الاهداف، ويدعم خطوات دول المجلس في تحقيق الاستغلال الامثل للمستجدات المتصلة بالعولمة ويشخص اتجاهاتها وتطوراتها ويحلل ابعادها ويحدد المتطلبات بما يخدم مصلحة دول المنطقة. ان دول مجلس التعاون الخليجي مطالبة بالاستمرار في اتخاذ كافة الاجراءات للتعامل بكفاءة وفاعلية مع قواعد منظمة التجارة العالمية بالشكل الذي يؤدي الى زيادة الاستفادة من اثارها الايجابية المحتملة. كما انه من الاهمية الاسراع في تحقيق خطوات التكامل الاقتصادي بين دول المجلس وتأسيس السوق الخليجية المشترك لزيادة قدرة اقتصادياتنا على المنافسة ومواجهة التكتلات الاقتصادية الدولية في ظل العولمة وانفتاح الاسواق العالمية. ان دول مجلس التعاون بما فيها تلك التي اصبحت اعضاء في منظمة التجارة العالمية لا يزال ينقصها الخبرة الكافية والكفاءات الفنية المؤهلة للعمل على متابعة ما تتضمنه مثل هذه الاتفافيات وسبر اغوارها، ولهذا فان الامر يتطلب تهيئة الجهات ذات العلاقة لمتابعة ما يصدر من اتفاقيات او اشتراطات لاحقة، وهذا يستدعي انشاء دوائر مختصة بكل من وزارات التجارة والزراعة والصناعة والصحة والمالية وادارات الجمارك والمواصفات وكذلك الغرف التجارية او اتحاداتها او مجالسها الوطنية، يكون مهمة هذه الدوائر متابعة مثل هذه الاتفاقيات كل حسب اختصاصه، وان يتم تحديد جهة مركزية تقوم بالتنسيق بين هذه الدوائر متابعة مثل هذه الاتفاقيات كل حسب اختصاصه، وان يتم تحديد جهة مركزية تقوم بالتنسيق بين هذه الدوائر وامدادها بالمعلومات والتنظيمات المحلية التي تصدر بهذا الخصوص، وان يتم ربط هذه الجهات بالحاسب الآلي لسرعة الاتصال وتبادل المعلومات. وفيما يخص ادراج النفط ضمن جولة مفاوضات الجات فلقد سبق لوزراء النفط والتجارة بدول المجلس أن اقروا توصيات بشأن عدم جدوى ادراج النفط الخام في الجولات المقبلة لمنظمة التجارة العالمية. وقد استندت التوصيات المذكورة الى عدة مفاهيم وحقائق مشتركة حول علاقات النفط بقواعد منظمة التجارة العالمية ، ومنها ان اتفاقات منظمة التجارة العالمية لا تتضمن أي نصوص تفيد استبعاد النفط ومنتجاته المكررة والغاز الطبيعي. كما ان السلع المصنعة حظت بالاهتمام الاكبر والاشمل في جولات المفاوضات السابقة لمنظمة التجارة العالمية. وكذلك فان العوائق التي يواجهها النفط ومبادلاته يتمثل في الضرائب الداخلية وسياسات الطاقة والبيئة في الدول المستهلكة الرئيسية، الامر الذي يحد من نمو الطلب عليها. كما تذكر هذه الحقائق أن استكمال خطوات تكوين الاتحاد الجمركي بين دول مجلس التعاون وتوقع زيادة الطلب العالمي على النفط من المنطقة سوف يساهمان في تعزيز القدرة التفاوضية لمجلس التعاون في منظمة التجارة العالمية. وبناء على الحقائق المذكورة أعلاه، فقد اوصت اللجنة المذكورة على أن ترتكز جدوى ادراج النفط ومنتجاته والغاز الطبيعي في الجولات المقبلة لمنظمة التجارة العالمية، لتحسين فرص النفاذ الى الاسواق العالمية، على تخفيض القيود البيئية والضرائب الداخلية والسقوف الجمركية وغيرها والتي تفرضها عدد من الدول المستهلكة على البترول ومنتجاته مع الحرص على تقليل الاثار السلبية على دول المجلس التي يمكن ان تترتب من اثارة هذه المواضيع مثل نظام حصص الانتاج في اوبك والاستثمار في عمليات الانتاج والمشتريات الحكومية وغيرها. كما انه من المجدي لدول المجلس منفردة او مجتمعة التريث في ادراج النفط ضمن المنتجات الواردة في المبادرات القطاعية التي تلتزم فيها الدول بمستويات جمركية (صفر مقابل صفر) في مباحثات الجولة المقبلة للمفاوضات التجارية لمنظمة التجارة العالمية وذلك لعدة اسباب اساسية منها: عدم استكمال الاتحاد الجمركي بين دول المجلس وعدم استكمال انضمام المملكة العربية السعودية في منظمة التجارة العالمية حيث سيتحقق بتواجد كافة دول المجلس في المنظمة بروز الثقل والدور الكبير لها في مجال الصناعة البترولية مما يعزز من قدراتها التفاوضية مع بقية الدول. كما انه ليس من مصلحة دول المجلس في الوقت الحاضر ان تكون قدراتها المتنامية ودورها الكبير في الاسواق العالمية للبترول محل تفاوض لدى بحث ادراج النفط في الجولة المقبلة للمفاوضات في الدول المستهلكة الرئيسية في هذه الاسواق. بقلـم: حـسـن الـعـالـي