نتيجة للنمو المطرد لمنظمة التجارة العالمية سواء من حيث عدد الأعضاء أو المسائل المتعلقة بتحرير التجارة العالمية التي تتولى المنظمة ادارتها وتشريع القوانين التي تنظمها، وما أظهره اجتماع سياتل من قصور في النظام التشريعي الحالي للمنظمة فان الحاجة الى اجراء اصلاحات سريعة وجذرية لآلية اتخاذ القرار يبدو أمراً لا مفر منه لجعل المنظمة أكثر كفاءة وعدالة. قد يتراءى للبعض ان اصلاح اجراءات الغرفة الخضراء سيكون أمرا سهلا في حين ان الواقع ينافي ذلك تماما، من ضمن المحاولات الجادة لاصلاح النظام التشريعي هي محاولة انشاء مجموعة ادارة أو مجلس تنفيذي يضم عدداً محدوداً من الأعضاء كتلك المجالس التي تدير البنك وصندوق النقد الدوليين وذلك لضمان تمثيل أكبر عدد ممكن من الاعضاء وبصفة خاصة الدول الصغيرة، في الحقيقة ان محاولة انشاء مثل تلك المجالس التنفيذية كانت ومازالت تواجه مقاومة شديدة من قبل غالبية الدول الصغيرة والنامية والتي من المفترض ان تستفيد من مثل هذا النظام، ان سبب معارضة هذه الدول لفكرة المجلس التنفيذي يرجع الى خوفها من أن هذا الحل الذي يعتمد على التمثيل النسبي سوف يحرمها من الاستفادة من نظام الاجماع في المنظمة الذي يتساوى فيه الاعضاء إذ أن لكل دولة صوت واحد، ولكن هذا النظام رغم عدالته وعمله بصورة جيدة في السابق الا ان الأحداث الأخيرة أظهرت عجزه عن العمل بصورة مرضية لجميع الأطراف في ظل ما استجد في ظروف، وكما سبق وأن ذكرنا فان اجتماع سياتل اثبت وبصورة لا تدع مجالاً للشك مدى صعوبة بل واستحالة اعمال هذا النظام وما يمكن ان يسببه استمرار العمل به من فشل المنظمة في تحقيق أهدافها وضياع المكاسب التي حققتها الدول وبخاصة النامية منها من تحرير التجارة الدولية. في ظل ما سبق طرحه يتبادر الى الذهن تساؤلاً مهم عن الذي يجب عمله لإصلاح تلك العيوب التي يمكن ان تؤدي الى إعاقة بل ونسف الجهود المبذولة لتحقيق الرخاء العالمي والقضاء على الفقر والتخلف عن طريق تحرير التجارة العالمية، الاجابة بكل بساطة هي ان المنظمة تحتاج كما سبق الذكر الى انشاء لجنة أو مجموعة توجيه اذا صح التعبير تتكون من عشرين عضواً أو نحو ذلك تكون مفوضة من قبل المنظمة للتشاور في المسائل المتعلقة بالتجارة الدولية والتوصل الى حلول وسط تحوز على قبول جميع الاعضاء وذلك دون المساس بالحقوق والالتزامات القائمة للمنظمة ودون تغيير نظام الاجماع الحالي. وفق الحل المطروح فان الغرفة الخضراء سوف تضم في حدود عشرين مقعدا بحيث يخصص عدد معين من المقاعد لممثلي الدول التي تنتمي الى المناطق غير الممثلة أو التي لم تحظ بتمثيل كافٍ مثل أمريكا اللاتينية، أفريقيا، وآسيا، وتكون العضوية في هذه الغرفة بحسب حصة الاعضاء ومساهمتها في التجارة العالمية، واعتمادا على ذلك فان بعض الدول سوف تتأهل تلقائيا للعضوية نتيجة لحصتها الكبيرة في حين يبقى على باقي الاعضاء التنسيق مع شركائهم التجاريين لضمان تجاوز حصصهم مجتمعين الحد الذي يؤهلهم للعضوية. ان هذه الطريقة سوف تشجع الدول على الدخول في تجمعات تعتمد اساسا على الترتيبات الاقليمية القائمة فيما بينها وبين شركائها التجاريين لتوحيد جهودها وإمكانياتها وضمان التمثيل الكافي وصوت مسموع في المفاوضات كما فعلت الكثير من المجموعات الاقتصادية ولسنوات عدة خلال مفاوضات الجات، وفي الواقع فقد لجأت العديد من الدول النامية الصغيرة لهذه الاستراتيجية للاستعداد للجولة الجديدة من المفاوضات (على سبيل المثال آلية التفاوض الاقليمية لدول الكاريبي)، ان تشكيل المجموعات التفاوضية من قبل الدول النامية سيتم على أساس اختياري أو تطوعي بحيث يكون لكل دولة الحرية الكاملة في اختيار من تراه مناسبا لتمثيلها من شركائها التجاريين، وتقوم كل مجموعة باختيار من تراه مناسبا من أعضائها لتمثيلها في الجولة المقبلة من المفاوضات وذلك بحسب المسائل المطروحة على طاولة المفاوضات وخبرة كل عضو في أي مسألة من تلك المسائل، كما يمكن للمجموعات التفاوضية المختلفة التنسيق فيما بينها ودعم بعضها البعض في المسائل المختلفة، ان هذا الاقتراح من المحتمل أن يواجه معارضة من قبل أعضاء المنظمة الذين يتمتعون بتمثيل دائم في مداولات الغرفة الخضراء وذلك لخوفهم من ان مثل هذا التعديل سوف يؤدي الى إضعاف تأثيرهم في تلك المداولات، ولكن ما قد لايعلمه هؤلاء الاعضاء أنهم سيكونون أسوأ حالا اذا ما تم التعديل على أساس التمثيل النسبي الذي يعتبر أقرب الحلول البديلة للإقرار من قبل المنظمة. ان تمثيل مجموعة من الدول في المنظمات الدولية من قبل دولة واحدة فكرة ليست بجديدة اذ أن في الوقت الراهن في كل من البنك وصندوق النقد الدوليين يمثل عضو واحد مجموعة من الدول في المجلس التنفيذي، وفي النهاية فإن تطبيق نظام التمثيل الجماعي في منظمة التجارة سوف يخدم هدفين رئيسيين، أولا سيزيد هذا النظام عدد اعضاء المنظمة المشاركين في مداولات الغرفة الخضراء أي سيجعل تلك المداولات أكثر شمولية، ثانيا سوف يشجع هذا النظام عملية تبادل المعلومات والمشاورات بين اعضاء المجموعات المختلفة مما سيوفر الكثير من المعلومات الفنية وبصفة خاصة للدول الصغيرة ذات الامكانيات المحدودة. بقلم: ناصر أحمد بن غيث _ جامعة كيس وسترن ريزيرف