تعتبر كوريا وبحق احدى الدول الاكثر اندماجا مع التقنية الحديثة، نظرة عامة لهذا الاندماج.. نلاحظ ان 60% من نسبة مجموع السكان (46 مليون نسمة) يمتلكون الهواتف النقالة، وقد شكلت الارباح الناتجة عن عمليات تصدير منتجات التكنولوجيا والاستهلاك المحلي ما قيمته نصف الزيادة التي حصلت في ناتج النمو المحلي الكوري مجتمعة للعام الماضي. ومن المتوقع ان تصل خدمة الانترنت الـ دي.اس.ال الى 3 ملايين منزل في عام 2003 مقارنة مع مليونين في امريكا و300 الف في اليابان، خاصة مع اكتمال مشروع الـ 35 مليار دولار امريكي والتي تقوم بها الحكومة لانشاء بنى تحتية اتصالاتية سريعة ومتطورة جدا. وقد استطاع الاقتصاد الكوري الجديد من ان يستقطب ما يقارب الـ 35 مليارا كاستثمارات اجنبية مباشرة في قطاع تقنية المعلومات خلال السنوات الثلاث الماضية. وكان لدور الحكومة أثر كبير على تنمية هذا القطاع من خلال منحها لاعفاءات ضريبية وتسهيلات تشريعية اخرى ساهمت بخلق 7700 شركة جديدة هذه السنة بالاضافة الى الـ 3000 شركة التي انشئت العام الماضي. وفوق هذا كله فإن المستوى التعليمي العالمي الموجود والذي يضخ 5000 مهندس سنويا بالاضافة الى أكثر من 750 ألفا موجودين حاليا اصلا في قطاع تقنية المعلومات وحده، يبدو ليس كافيا، حيث ان القطاع ينمو بشكل سريع جدا اضطرت الحكومة من خلاله الى منح «بطاقة ذهبية» لمهنيي تقنية المعلومات الاجانب والذي يحق لهم من خلال امتلاكهم لهذه البطاقة بالعيش في الدولة لمدة عشر سنوات كاملة دون الحاجة الى تجديد فيزا العمل. وتشكل تقنية المعلومات في كوريا الجنوبية حاليا 10% من الـ 400 مليار حجم الاقتصاد الكوري ككل والمتوقع ان ترتفع هذه النسبة الى 20% بحلول عام 2010. اما حجم التجارة الالكترونية فلايزال ضئيلا مع حجم هذا النمو الحاصل حيث لايزال حجم التجارة لا يتجاوز النصف مليار دولار سنويا، رغم ان التوقعات تشير الى انها سترتفع الى ملياري دولار في عام 2002. إلا ان ذلك لايزال ضمن حدود التوقعات والتي تبدو فيها الأمور الآن قد بدأت تأخذ مجرى آخر، فمؤشر الاسهم التكنولوجي (كوسداك) انخفض بحدود الـ 70% خلال عام 2000، بعدما كان قد حلق لأكثر من 200% في عام 1999. ومؤشر كوريا الرئيسي منخفضا بحدود الـ 45% وهو الأسوأ في منطقة آسيا وربما ضمن المؤشرات العالمية الرئيسية، فالبنوك مثقلة بما يقدر بـ 100 مليار دولار ديون معدومة، والناتجة من ديون الشركات الكبرى التقليدية وبضمنها التأكيد (دايو) والتي بدأت المسلسل، منتظرين البقية على الطريق حيث ان مجموع ديون هذه المؤسسات تبلغ 630 مليار دولار، أي بما قيمته 150% من اجمالي النمو المحلي. ورغم ان المؤسسات المتوسطة والصغيرة الجديدة تتميز بتطور تقني، الا انها تفتقر الى الاموال اللازمة لتثبيتها، حيث ان البنوك لاتزال تفضل اقراض المؤسسات الكبرى المثقلة بالديون على الشركات الصغيرة ذات المخاطر العالية. ورغم قيام مجموعة من شركات التمويل ذات رأس المال المخاطر، الا انها تعاني من ضائقة كبيرة ايضا، خاصة مع هبوط مؤشر الاسهم التكنولوجي، حيث قامت جريدة محلية «جونجانج» بأخذ آراء 74 من مدراء هذه الشركات التمويلية حول الوضع المالي، وذكر 75% منهم ان الاوضاع في قطاع التمويل تتجه نحو الكارثة، و50% منها يتوقع ان تبقى هذه الازمة بما لا يقل عن الأشهر التسعة المقبلة. وأدى هذا الأداء الى فقدان الثقة من قبل المستثمرين الاجانب بأداء السوق الكورية، مفضلين الانتظار للاجراءات الحكومية بحل أزمة البنوك والديون. بقي لدينا الدول العربية والتي نتمنى ان تكون هي المكان الذي نضع فيه استثماراتنا، وان نراها مزدهرة مفعمة بالحيوية، وهي القريبة من بيوتنا، فعندما نستثمر في شركة ما، نرى هذه الشركة عند مرورنا صباحا للعمل وهي على الطريق أو قد نلتقي مع رئيس المجموعة مساء في احد الأندية، سنتحسس أين وضعت الأموال، وليس عندما نضعها في شركات نسمع عنها ونقرأ نشراتها ولكن لم نرها في حياتنا ولا نتحسس منتجاتها. ولكن الطريق الطويل، والجهود المبذولة كبيرة ولكنها منفردة واراها كأنها سيارة تم صنع أبوابها واطاراتها بشكل جميل دقيق، ولكن المحرك تم تركه بدون تطوير، ونهاية التعب ستكون سيارة قديمة وبالية ايضا. الاسواق صغيرة، والخوف من رأس المال الاجنبي لايزال قائما وحكمة الكبار بغلق الاسواق أمام هذه الاموال ستحميهم، ولكن سيدفع ثمنها الابناء، والقوانين التي يعتقد انها تحمي الاسواق العربية حاليا ستكون هي الاداة التي ستكسر ظهر رجال الغد، والذين لا يجدون وسيلة لانقاذ اقتصادهم سوى التحالفات مع رؤوس اموال ومنظمات همها الأول هو املاء شروطها لتحقيق مصالحها وموقف الشباب الضعيف سيضطرهم للرضوخ أمام أية شروط توضع. وانخفاض الاسواق العربية سيستوعبها الاقتصاد الآن، ولكن على المدى المتوسط، ستكون وباء ينتشر في مرافق الاقتصاد الاخرى، وسيكون علاجه باهظا، ويقدر حجم القيم الرأسمالية لأسواق المال العربية في مصر، لبنان، السعودية، الكويت، الاردن، البحرين، المغرب وتونس ما قيمته 155 مليار دولار. وهي قيمة متدنية جدا واصلا تمثل خطورة للمستثمر الاجنبي بدخولها، فحجمها مجتمعة لا يتجاوز حجم شركة واحدة مثل «سيسكو» والتي تبلغ قيمتها السوقية 263 مليار دولار، أو سيتي جروب والتي لديها قيمة سوقية تبلغ 268 مليار دولار. بالاضافة الى الحجم، فإن المستثمر الاجنبي يعتبر المنطقة خطرة أمنيا وعدم توفر الشفافية المطلوبة، والقوانين تميل الى مصلحة الشركات المدرجة اكثر من ميلها لحماية المستثمر، بالاضافة الى عوامل عديدة، يطرحها الاخوة المحللين كل يوم عن أسباب تدني البورصات العربية وعدم استطاعتها لجذب رؤوس أموال خارجية أو حتى داخلية. إن استقرار أسعار النفط عند حاجز الـ 20 مليار دولار كمعدل لعام 2001 فسيتيح ويشجع المزيد من الانفاق الاستثماري، وخطوات الانفتاح وتشجيع القطاع الخاص، بالنسبة للدول المنتجة للنفط، وقد يطرأ بعض التحسن في أسواق الاسهم خاصة بعد مرورها بفترات عصيبة في عام 2000، فمثلا اضطرت سلطات الأسواق العمانية الى تعليق التداولات ليوم واحد في اكتوبر عند وصول مؤشرات السوق لأدنى مستوياته منذ أربع سنوات، في الكويت هبط المؤشر الى أدنى مستوياته منذ خمس سنوات، وهكذا. وعلى مصدر ان تعيد استراتيجيتها للخصخصة في عام 2001 حيث برنامج الخصخصة والتي تباطأت وتيرتها العام الماضي أدت الى اعادة تقييم بيئتها الاستثمارية، وفي المغرب ورغم تأثره للسنة الثانية على التوالي في الأداء السييء للايرادات الزراعية والتي تمثل بحدود الـ 25% من نمو الناتج المحلي، فهناك عمليات خصخصة واسعة بدأ من ثلث حجم شركة الاتصالات المغربية والتي تقدر بـ 3 مليارات دولار، وكذلك تخصيص شركة الطيران المغربية، وان دعم القطاع الخاص باستثمارات 7 و8 مليارات دولار خلال عام 2001، سيعطي دفعة جيدة لمعدلات النمو والتي كانت في يوم ما تتجاوز 6%. إذن فإن عام 2000 لم يكن سهلا للمستثمرين، هناك طموحات بأن يكون عام 2001 افضل، ولكن بعد مرور عدة أسابيع من بدء السنة، فإن الامور لم تتغير بعد، ولكن أمامنا الكثير من الوقت لنستطيع بعدها الحكم على أداء العام. بقلم: أحمد السامرائي _ مدير تطوير استثمارات داماك