تطرقنا في الحلقتين الماضيتين إلى الافكار الاقتصادية عند بعض العلماء المسلمين الرواد. كانت الحلقة الاولى مخصصة للفارابي وابن سينا واحمد بن علي الدلجي، اما الحلقة الثانية فقد بدأت ببعض الافكار والنظريات الاقتصادية التي اكتشفها ابن خلدون وذكرها في مقدمته المشهورة والمترجمة إلى العديد من لغات العالم. ومازالت الترجمة لها مستمرة حتى يومنا هذا. ومن هذه النظريات (نظرته إلى السلعة ورؤيته لقانون العرض والطلب وارائه في العمل واقسامه وارتباطه بالنشاط الاقتصادي. ذلك النشاط الذي يقسم إلى نوعين المنتج مثل الصناعة والتجارة والزراعة وغير المنتج مثل الادارة وما شابه. واليوم سنسلط الضوء على نظريتين اقتصاديتين هامتين عند ابن خلدون هما: نظرية القيمة ونظرية الريع. نظرية القيمة: انطلاقاً من مفهوم ابن خلدون السابق للعمل يصل إلى نتيجة مفادها ان العمل اساسي لاعاشة الافراد وتكوين رؤوس الاموال ووصل به الامر إلى اعتبار العمل المصدر الحقيقي للقيمة «ان المنتجات والسلع هي نتاج العمل الانساني فالمنافع (القيمة الاستعمالية) اصلها ومصدرها العمل. ان المفادات والمكتسبات (السلع والمنتجات) كلها او اكثرها انما هي قيمة الاعمال الانسانية المقدمة». وهنا يوضح ابن خلدون مرة اخرى ان العمل الانساني يتجسد في قيم استعمالية (منافع) لسد الحاجات البشرية والتي تتفق والطبيعة الانسانية، ولكن بعض المنافع وان كانت ضرورية وتسد حاجة انسانية الا انها قد لا تكون من نتاج عمل الانسان كالهواء والماء والشمس.. الخ. وبالطبع قد طورت هذه الفكرة من قبل المدرسة الكلاسيكية الاقتصادية واضافاتها عند التفريق بين القيم الاستعمالية الناجمة عن العمل وبين القيم الاستعمالية الناشئة من فعل الطبيعة ان المدرسة الكلاسيكية الجديدة (الحرية) فقد صنفت السلع الناشئة من الطبيعة بالسلع الحرة. ان ارسطو الذي يعده البعض مؤسس علم الاقتصاد يرى ان للسلعة قيمتين: قيمة استعمالية تقدر بمقدار المنافع الممكن الحصول عليها نتيجة لاقتناء تلك السلعة. والمنفعة هنا مقياس شخصي وذاتي. وقيمة تبادلية تقدر بمقدار السلع الممكن مبادلتها بالسوق بتلك السلعة. ان ارسطو يقف عند هذا الحد ولم يقطع شوطاً ابعد في تحليله للقيمة. انما ابن خلدون يتساءل ما اذا كانت الاشياء المتبادلة مختلفة عن بعضها كقيم استعمالية وهي الشكل الغالب في التبادل فما هو الاساس او الخاصية الكامنة في الاشياء التي تجعلها قابلة للقياس والتي على اساسها تنسب الاشياء بعضها البعض؟ ان ابن خلدون ـ في رأينا ـ استطاع ولاول مرة في التاريخ ان يفسر القيمة تفسيراً ابعد بكثير من ارسطو، ويقدم مقياساً مشتركاً وموضوعياً بين جميع السلع المنتجة من اجل معادلتها عند التبادل. ويرى في ذلك كمية العمل المبذولة في انتاج كل سلعة او بضاعة، وتصبح المبادلة ممكنة بين بضاعتين عند تعادل كميتي العمل المبذولة في السلعة او المجسدة فيها. ومع تقدم درجة العمران واتساع النشاط الاقتصادي للدولة المتحضرة تزداد السلع التي يرغب الافراد بمبادلتها في الداخل او الخارج وقد اشار ابن خلدون في مقدمته (فصل الحجرين المعدنيين ـ اي الذهب والفضة) ورأى ان الذهب والفضة هي قيمة كل متمول. وبهذا يكون قد اقترب من مفهوم السعر هو التعبير النقدي للقيمة. وحيث ان السعر لا يظهر الا في الاقتصاد المكسبي (الذي غرضه الكسب والربح) والاقتصاد الطبيعي هو القائم على المقايضة هو اقتصاد بسيط ولابد ان يتحول النوع الثاني إلى الاول. لذلك يكون ابن خلدون قد سبق السير ويليام بيتي في تحديد مفهوم القيمة والسعر باكثر من ثلاثة فروق والكلاسيك والاشتراكيين بحوالي خمسة قرون. نظريته في الريع: من ادق ملاحظة ابن خلدون في نفقات الانتاج الزراعي، هو ان بعض الدول اذا ما اضطرت لزراعة اراض غير خصبة لسبب زيادة الطلب على المواد الغذائية، فإن هذه الاراضي تتطلب نفقات انتاج اكثر من الاراضي الخصبة ونفقات الانتاج هذه تصبح شيئاً مهماً لان المنتجين (الزراع) يدخلوها في اثمان المنتجات الزراعية. ان نفقات الانتاج العالية في الاراضي غير الخصبة تعني بالضرورة ان الاراضي الخصبة تحقق عائداً اعلى وبالتالي تحقق ريعاً اكبر. ولم يقف ابن خلدون عند الريع الناجم عن فرق الخصوبة في انواع الاراضي المختلفة بل يتعداه إلى الريع الناشيء عن الموقع وعن التطور الاجتماعي. لقد لاحظ ابن خلدون عند وجود دولة محدودة النشاط الاقتصادي فإن ثمن الاراضي والعقارات تكون منخفضة الثمن بسبب نقص الطلب على المواد الزراعية ولكن عندما يزداد النشاط الاقتصادي وتقوى الدولة ويزداد عدد السكان. كل ذلك يؤدي إلى زيادة الطلب الكلي. وهنا يرى ابن خلدون انه «تنتظم للبلد احوال رائعة حقه يحصل معها الضبطة في العقار والضياع لكثرة منافقها فتعظم قيمتها ويك لها اهمية وخطر لم يكن لها في البداية. فالفرق بين ثمن العقارات في البداية عند رخصها وثمنها عند زيادة العمران هو ما يعرف اليوم باسم الريع.. ان هذا التحليل بهذا الاسلوب العلمي الرصين، يكون به ابن خلدون قد سبق ريكاردو وهنري جورج في نظرية الريع ـ حسب رأينا ـ التي تنسب لهما اليوم. ويتريث على ذلك من تحليل ابن خلدون لمسألة الريع الحقائق التالية. اولاً: ان الريع حصل بسبب السعر وليس هو جزءاً منه كما يشار اليه في بعض النظريات الحديثة. ثانياً ـ ان الريع قد نشأ بفعل عوامل اجتماعية (زيادة العمران والسكان والتقدم). وليس ففعل الانسان. ولذلك وجدنا من يطالب حتى في الدول الرأسمالية المعاصرة بوضع ضرائب عالية على هذا الريع لدرجة تصل إلى ما يشبه المصادرة. ثالثاً ـ ان الريع لا يتماشى مع قانون تناغم المصالح بين الفئات والتراكيب الاجتماعية المختلفة، بل العكس فإن مصلحة فئة او وظيفة في المجتمع تكون قد تكونت بفعله (الريع) على حساب فئة او طبقة اخرى في المجتمع. وهذه الحقائق هي التي نراها اليوم في التحليل الاقتصادي لنظرية الريع. لا شك ان نظريتي القيمة والريع من النظريات الاقتصادية الهامة اليوم في الاقتصاد الحديث. ان لم تكن اهمها على الاطلاق، وعندما يتصدى ابن خلدون ولهذا العمق لاحظ نظريتين اقتصاديتين.. فإنه يكون برأينا قد فاق عصره وما بعد عصره بكثير. ولذلك لاغرابة في الحديث عن مدرسة فكرية اقتصادية خلدونية، شأنها شأن اية مدرسة فكرية حديثة. ان لم تكن تفوقها ولكن للاسف فإن دراسات جدية من الجانب العربي والاسلامي لم تظهر بعد الكشف عن هذه الحقيقة. بقلم: أ.د. محمد عارف كيالي _ استاذ اقتصاد جامعي