ان مناقشة أوضاعنا الاقتصادية في الامارات في اطار سعينا نحو تحقيق حضور دولي وفي ظل رغبتنا لمواكبة التطور الاقتصادي في العالم تتطلب منا تشخيص واقعنا الاداري والوظيفي وتحديد مقومات القوة فيه، فنعمل على تعزيزها، ونحدد مناطق الضعف والخلل لنعمل على معالجتها سواء على صعيد الادارة المحلية في كل امارة، أو على صعيد الادارة الاتحادية انطلاقاً من الصلة الوثيقة التي تربط الاوضاع الاقتصادية بالاوضاع الادارية، سواء تلك المحلية منها أو الاتحادية. ومن هذا المنطلق فان رفض الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية في الفترة الأخيرة قبول حالات (85) محالاً الى التقاعد ممن لاتنطبق عليهم شروط القانون الاتحادي رقم (7) لسنة 1999، واعتبار رفضها قراراً ملزماً باعادتهم الى العمل «يدعو هذا الرفض الى طرح ومناقشة حملة من التساؤلات حول واقعنا الاداري الذي له انعكاس مباشر على مختلف أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية ومشاريع التنمية في الامارات. لماذا رفضت الهيئة الحالات؟! ما هي أسبابها ودواعيها؟! كم عدد المتقدمين بطلب التقاعد؟ لماذا يتقدم هذا الكم من المواطنين الى التقاعد؟ ما هي اعمارهم؟ كم عدد سنوات خبرتهم؟ هل قامت الهيئة بسؤال هؤلاء عن أسباب طلب التقاعد المبكر؟ هل المشكلة تكمن في المتقدمين بطلب التقاعد؟ أم في اوضاعنا الادارية والوظيفية؟ لماذا هذا النزيف المستمر يحدث الان في طاقاتنا وكوادرنا المواطنة على الرغم من وجود بطالة في أوساط الخريجين وفي وقت يدرك فيه بعض الراغبين ان التقاعد المبكر فضلا عن كونه خسارة للدولة فإن المتقاعدين سوف ينضمون الى العاطلين الذين يطحنهم السأم والملل وتنهش فيهم الامراض النفسية والاجتماعية؟ أين هو دور المؤسسات المعنية عن الاصلاحات الادارية والوظيفية بالدولة؟ لماذا محاصرة الراغبين في التقاعد في وظائف ربما تقتل فيهم الطموح وروح الابداع أو ربما يكونوا هم عالة على تلك الوظائف وهل يعني قرار الهيئة الابقاء على هؤلاء الموظفين الذين ربما ينتظرون يوم تقاعدهم بفارغ الصبر على وظائفهم هو الحل؟ أم ان هناك حاجة لمعالجة أوضاعنا الادارية المترهلة وخلق مناخات ادارية ووظيفية صحية من خلال ايجاد معايير موضوعية في تقييم الاداء تكافيء المنتج والمبادر وتحاسب بل وتعاقب المقصر والسلبي، أين هو الخلل هل في الوظيفة أم في الموظف؟ في النظام أم في العقلية التي وضعت النظام أو الخلل في التطبيق؟ أين الخـلل؟! حينما يؤكد معالي محمد خلفان بن خرباش وزير الدولة لشئون المالية، نائب رئيس مجلس ادارة الهيئة على ان هناك تفاقماً في ظاهرة المحالين الى التقاعد مبكراً وقسرياً من دون أي موجب قانوني أو سبب موضوعي يبرر الاحالة، وحينما يشبه هذه الظاهرة بالنزيف الذي يهدد الموارد البشرية ويبدد الطاقات، فانما يؤكد معاليه على حقيقة الاوضاع الادارية والوظيفية، وعلى ان هناك خللاً حقيقياً يدعو الى استمرار هذا النزيف، وعلى هذا النحو وبهذه الدرجة من الحدة. اذن هناك خلل ما، ما هي أسبابه وما هي مظاهره، وكيف تتم معالجته وما هي الخطوات التي يجب مناقشتها وتحديدها قبل رفض هذا العدد بشكل قانوني أو غير قانوني لاسيما وان تشكيل هيئة طبية مشتركة بين الهيئة ووزارة الصحة للتأكد من انطباق الشرط الطبي على المتقدمين للتقاعد يشير الى ان هناك تجاوزاً في القانون وتساهلاً في منح التقارير الطبية كما يشير الأمر في الوقت ذاته الى ان هناك اصراراً من قبل شريحة الموظفين الراغبين في الحصول على التقاعد على تجاوز القانون وربما التحايل للحصول على تقارير طبية توجب منحهم حق التقاعد على الرغم من انهم يسعون للحصول على وظائف في مؤسسات اخرى بعد حصولهم على التقاعد فلماذا هذا الاصرار.. أين الخلل.. هل في بيئة العمل الطارده لهم أم في الموظف الذي يفضل التقاعس عن تأدية واجبه تجاه وطنه.. لماذا هذه السلبية؟ ولماذا يستمر هذا النزيف في كوادرنا وطاقاتنا الوظيفية المواطنة لاسيما اذا كان هذا النزيف يحدث في اوساط المؤهلين علمياً وفنياً ومنهم من لم يتجاوز العقد الرابع، فهل أصبحت البيئة الوظيفية طاردة للعمل؟ ان بروز ظاهرة التقاعد المبكر أو القسري لم تكن الظاهرة الوحيدة أو حتى الاخيرة التي يعاني وسوف يعاني منها الجهاز الوظيفي في وزاراتنا ودوائرنا الاتحادية والمحلية على حد سواء، انما هناك ظواهر عديدة أصبحت سمات للبيئة الادارية والوظيفية في الامارات، وجعلت منها بيئة طاردة للكوادر المواطنة المؤهلة، والمحبطة لروح الابداع والابتكار لدى الموظف المواطن، والمخلخلة للعلاقة السوية بين الموظف والمؤسسة وبين الموظف ووطنه، وانعكس هذا الخلل وتلك الظواهر على مسيرة العمل الاداري والاجتماعي والاقتصادي فالتقاعس وضعف الانتاجية لدى الموظف المواطن، ثم تسرب بعض الموظفين اثناء فترة العمل الى خارج المؤسسة أو الوظيفة، أو تفشي الرشوة بأشكالها المختلفة، والفساد الاداري والمالي والمحسوبية والواسطة والسلبية المتفشية في أوساط الموظفين، وعدم المبالاة أو الاكتراث كل ذلك وأكثر انما هو افراز طبيعي لما آل اليه الوضع الاداري والوظيفي المترهل والضعيف وهي اسباب مباشرة لخروج الموظفين من بوابة التقاعد المبكر اللاارادي!! والتي اوجدها وشرعها القانون الاتحادي رقم (7) لسنة 1999 حينما نص في مادته (16) منه على جواز احالة المؤمن عليه إلى المعاش بناء على طلبه متى كانت مدة اشتراكه في التأمين (15) سنة!! وذلك في حال تعذر وجود العذر الطبي الذي قد يحصل عليه الموظف بطرق التحايل حينما يصبح كارهاً للعمل. وحينما تصبح علاقته بوطنه علاقة مادية بحتة، وحينما يصبح الراتب الشهري مساعدة اجتماعية لا تختلف عن تلك التي يحصل عليها العجزة والمسنون!!. ومما يزيد الامر سوءاً في جهازنا الوظيفي بروز ظاهرة البطالة المقنعة او المستترة في داخل جهازنا الوظيفي فيما هناك بطالة ظاهرة بين اوساط الخريجين المواطنين الذين يصرخون مطالبين بحقوقهم فيما آذان المسئولين في دوائرنا الاتحادية لا تسمع صراخهم او حتى انينهم، فيما يشكل ذلك الصراخ ضغطاً خارجياً ليس على آذان المسئولين فحسب وانما على ابواب المؤسسات التي تعاني من الدق المستمر من طالبي الوظائف!! هذا في الوقت الذي يعاني جهازنا الوظيفي من عشوائية التعيين والتوظيف بدافع احقية المواطن في الحصول على وظيفة اياً كان نوعها أو طبيعتها!! وكذلك غياب سياسة الاحلال والتوطين!! انه من المؤسف حقاً وفي ظل هذه الوضعية ان تعمل بعض الجهات ويناقش بعض المسئولين الاثار الناجمة عن تلك الظواهر فيما لا يعمل الجميع على تشخيص اسباب تلك الظواهر ومعالجتها من جذورها والحيلولة دون استفحالها. وبالتالي من الطبيعي ان تتسع هذه الظواهر وتتوالد وتتمدد في خلايا الجهاز الاداري والاقتصادي في الامارات، ولعل ظاهرة التقاعد المبكر احدى افرازات البيئة الادارية والوظيفية حينما تصبح طاردة للطاقات والكفاءات المواطنة وبالتالي فإن هذا العدد (85) وخلال هذه الفترة القصيرة انما يعكس حقيقة هذه البيئة، وعليه فإنه لا يكفي ان ترفض الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية احالة هذا العدد إلى التقاعد واعادتهم إلى العمل دون بحث ودراسة الاسباب التي دعت هؤلاء إلى طلب التقاعد لاسيما وان البعض على يقين انه لن يجد فرصة عمل اخرى تناسب خبرته وتستوعب فكره حتى لو كان لديه الاستعداد التام للعمل. فيما سوف ينهش هؤلاء السأم والملل حينما تمل كراسي المقاهي من جلوسهم الطويل عليها. وحينما يصبح المتقاعد مصدر ازعاج لاسرته لاسيما حينما يتدخل في صغير الامور وكبيرها وبداعي وبدون داع ليس من باب المتابعة وانما من حالة السأم التي يعاني منها. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي