قبيل الاجتماع الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية المقرر عقده في الدوحة نوفمبر المقبل، أكد الدكتور محسن هلال المستشار الاقليمي لشئون منظمة التجارة العالمية (الجات) أنه رغم تزايد عدد الدول العربية التي انضمت الى المنظمة، والتي تفاوض من أجل الانضمام أو تلك التي تدرس سلبيات وايجابيات الانضمام إلى أن اتفاقات التجارة الدولية أصبحت تعامل (كحزمة) واحدة بمعنى إما قبولها كلها دون تحفظات وإما عدم قبولها خلافا على ما كان سابقا من إنتقائها للإتفاقات التي ترغب الدولة في الانضمام اليها والتحفظ أو عدم الانضمام إلى البعض الآخر. وأضاف هلال قائلا لـ (البيان) انه من الأهمية أن تأخذ المنظمة في اعتبارها دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا التي تتجه حاليا نحو اجراء اصلاحات اقتصادية وتجارية شاملة خاصة في قطاع الاقتصاد والتجارة الخارجية وما تم التوصل اليه من اتفاقات تجارية متعددة الأطراف وما تتضمنه من التزامات وحقوق. أشار المستشار الاقليمي لشئون منظمة التجارة العالمية إلى أن تقييم الاتفاقيات يجب أن يتم في اطار توازن كلي للالتزامات والحقوق بالاتفاقات كلها وليس على اساس انتقائي للاتفاقات علاوة على أن ترتيب أولويات الاتفاقات تختلف من دولة لأخرى وفقا لطبيعة وحجم النشاطات القطاعية. ولفت هلال إلى ضرورة اهتمام دول المنطقة خصوصا الدول حديثة الانضمام الى منظمة التجارة العالمية بالالتزامات التي قدمتها وتقدمها خلال الفترة المقبلة في اطار عضويتها بالمنظمة مشيرا الى أنه آن الآوان بعد الانضمام الكامل لكثير من دول المنطقة لممارسة الحقوق الواردة بالاتفاقات سواء فيما يتعلق بالفرص التجارية المتاحة والتي يمكن أن تتاح مستقبلا واحترام الأطراف الأخرى للالتزامات الخاصة بقواعد السلوك التجاري الدولي أن تنظمها الاتفاقات. وحول كيفية ممارسة دول المنطقة العربية حقوقها في اطار اتفاقات التجارة العالمية أشار هلال الى أن الأمر يستلزم العمل على ثلاثة محاور أساسية تضمن اصدار التشريعات واللوائح الوطنية التي تضع الاجراءات التنفيذية لهذه الموضوعات وبما يتوافق مع المبادئ والاجراءات الواردة بالاتفاقات، وتخصيص أو إنشاء الجهاز الاداري المنوط به القيام بالواجبات والمهمات وفقا للتشريعات المحددة فضلا عن تدريب العاملين في الأجهزة الادارية المشار اليها بما يضمن سير العمل الجديد في اطار ما تقدم. ونوه المستشار الاقليمي للجات أن ممارسة الحقوق في اتفاقات الدعم، والاغراق، والوقاية يستلزم تطبيق المحاور الثلاثة وما زال كثير من دول المنطقة يحتاج الى العمل في هذه المحاور فضلا عن أن بعض الاتفاقات تلزم وجود نقاط استعلام أو مراكز للمراجعة في بعض الاتفاقات علما أن اتفاقية الحواجز الفنية للتجارة تلزم الأعضاء بوجود نقطة اتصال وطنية فيما يتعلق بالاتفاق وكذلك الحال بالنسبة لاتفاقية الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (التريبس). وأوضح هلال أن اتفاق الخدمات (GATS) يتضمن التزاماً بفتح مراكز استعلام تجارية لتبادل المعلومات لتعظيم استفادة الدول التي انضمت الى منظمة التجارة العالمية وأن تستفيد من المعلومات المتاحة والمتوافرة لدى مراكز الدول الأخرى واتاحتها الى مجتمع رجال الأعمال. وكشف أن الاتفاقات التي تم التوصل اليها خلال جولة أوروجواي هي نقطة البداية للنظام التجاري الدولي متعدد الأطراف وليست نقطة نهاية، ومع تطبيق تلك الاتفاقات من ناحية والتفكير في جولة جديدة من المفاوضات متعددة الأطراف من ناحية أخرى فإن الأمر يقتضي أهمية تحضير مواقف وموضوعات للمفاوضات المستقبلية وربما اقتراح تعميقها أو تعديلها بما يحقق مصالح الدول التجارية علاوة على تحسين فرص النفاذ الى الأسواق العالمية في السلع والخدمات. وعن القيود الفنية على التجارة وقواعد المنافسة العادلة التي تعتبر صمام أمان للممارسات التجارية غير المشروعة التي عالجتها اتفاقات منظمة التجارة العالمية قال هلال ان هذه القيود تتمثل في تدابير الصحة العامة، والصحة النباتية المعروفة بـ S.P.S المعنية بالمنتجات والمحاصيل الزراعية غير المعالجة كيماويا وعدم السماح بدخول سلع الدول التي تتيح أنماطاً من التمييز ضد المرأة وحقوق العمل، أو استخدام الأطفال تحت سن 16 عاما في مهن غير آدمية، واجراءات الاستثمار وعلاقته بالتجارة فضلا عن قواعد المنافسة العادلة مثل مكافحة الاغراق، والدعم والرسوم التعويضية، واجراءات الوقاية. وبالنسبة لاتفاقية الخدمات GATS لقطاعي الخدمات المالية والاتصالات أكد أن تقييم وتحليل آثار الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات في إطار منظمة التجارة العالمية على الدول العربية تواجهها صعوبتان أساسيتان هما اختلاف المفاهيم الدولية فيما يتعلق بتجارة الخدمات من ناحية مشمولها وتضمين بعض القطاعات الخدمية فيها من عدمه مدللا على صحة ذلك أن البعض يستبعد قطاع الانشاءات والمقاولات، والآخر يرى أن قطاع الخدمات الحكومية يدخل ضمن الخدمات، وفريق ثالث يطرح فكرة التفرقة بين الخدمات الحكومية القابلة للتجارة كأساس لمدى شمول قطاع الخدمات. واسترسل المستشار الاقليمي لشئون منظمة التجارة العالمية قائلا ان الصعوبة الثابتة تكمن في تخلف الاحصائيات نسبيا عن تحليل حجم وطبيعة قطاع الخدمات الأمر الذي ينعكس في افتقار البيانات الى التفصيل سواء من الناحية القطاعية أو من ناحية الاتجاهات الجغرافية للصادرات والواردت الخدمية مشيرا الى أن أهم مصدر للتجارة في الخدمات هي موازين المدفوعات، التي تأخذ بالاجماليات دون الدخول الى التفاصيل علما أن هناك افتقاراً لتلك الاحصاءات على فترات زمنية متباعدة. وبالنسبة للدول العربية شدد هلال على أنها كغيرها من دول العالم تعاني صعوبات حقيقية في دراسة آثار الخدمات اعتماد على القياس الكمي ومع هذا فقد تضمنت تقارير منظمة التجارة العالمية منذ تطبيق اتفاقية الخدمات بعض الاحصاءات الاجمالية للتجارة الدولية في الخدمات، وافتقرت الى التحليل القطاعي، والتحليل الجغرافي للصعوبات السابقة. وأوضح أن طبيعة الخدمات في الدول العربية لها صفات خاصة أهمها خدمات اليد العاملة البشرية أي ما يطلق عليه اتفاق الخدمات حركة الأشخاص الطبيعيين والمرتبطة بانتقال الأفراد ما بين البلدان سواء في داخل المنطقة العربية أو خارجها، وهذه الحركة يستفاد منها سواء في الدول (المصدرة أو المستوردة) وشملت جميع نواحي الحياة الاقتصادية، والاجتماعية حيث لم تقتصر على الخدمات المهنية عالية الأجر والمتطورة ومن بينها الخدمات الاستشارية والهندسية، والرعاية الطبية، والتعليمية وغيرها بل امتدت أيضا الى المهن الأقل شأنا، والمهن اليدوية التي تقع في أدنى الأجور علما أن الدول المستوردة استفادت من تطوير وتنمية اقتصادها بتلك الحركة، وكذلك استفادت الدول المصدرة بتوفير المزيد من فرص العمل المجزية لقواها البشرية ومن تدفق الدخل والنقد الأجنبي مما أحدث تأثيرا على مسار التنمية الاقتصادية في تلك الدول. وأكد أن من بين الخدمات الهامة في المنطقة العربية (تجارة النقل) بأشكاله المختلفة بما في ذلك النقل العابر (الترانزيت) المرتبط بتصدير النفط الخام سواء بالنقل البري أو عبر الأنابيب، والنقل البحري حيث تعددت الاتفاقات الثنائية في المنطقة العربية لتسهيل حركة النقل وإن كان هناك مجال كبير لمزيد من هذا الاتجاه ونتيجة لذلك فقد أفادت خدمات النقل بلدان العبور بفضل ما ولدته من دخول (الأجور، والرسوم، والمرجع، والعوائد) واستفادت أيضا بلدان الوصول بفضل خفض تكلفة الاستيراد والحصول على السلع في كثير من الحالات كما أن بلدان المنشأ لم تكن أقل استفادة بفضل توفير جانب أساسي من تكاليف النقل. وزاد هلال أن من القطاعات الخدمية الهامة في المنطقة العربية والتي تدخل في اطار مشمول اتفاقية الخدمات التنقيب عن البترول والثروات المعدنية، والطبيعية، وربما تعتبر هذه القطاعات الخدمية مثالاً على أهمية الحاجة الى تعديل النظم الاحصائية المعمول بها حاليا في الحسابات القومية حتى يمكن أن تتمشى مع التعريف المشمول الواسع للتجارة في الخدمات وفقا لاتفاقية GATS. وخلص أن المبادئ العامة لاتفاق الحواجز الفنية للتجارة TBT تتشابه الى حد كبير مع ما ورد من اتفاق تدابير الصحة والصحة النباتية ومع ذلك فإن هناك نقاط اختلاف أساسية بين الاتفاقيتين تضم مبدأ الدولة الأكثر رعاية ويقضي اتفاق الحواجز الفنية للتجارة بالالتزام بهذا المبدأ بينما يعطي اتفاق الصحة، والصحة النباتية مجالاً أكثر للتمييز بين مصادر الاستيراد بشرط ألا يكون ذلك بشكل تعسفي وهذا أمر وارد بالنسبة لاختلاف المناخ، ومنع انتشار بعض الأمراض، أو الأوبئة من منطقة الى أخرى. أما الاختلاف الآخر في المعايير الدولية حيث يمنح الاتفاق الصحة والصحة النباتية مرونة أكبر في استخدام المعايير الدولية مقارنة باتفاق الحواجز الفنية للتجارة الذي ينص على أنه يمكن اعتماد معيار مختلف (أقل أو أكثر) بشرط أن يكون مستندا على أسس علمية وفنية، فضلا عن أن اتفاق الصحة يجيز للدول أن يفرض معايير تزيد عما هو وارد بالمعايير الدولية مع ضرورة أن تكون هناك ارشادات تقوم على اسس تقييم للمخاطر تتمشى مع استخدام المعايير الدولية مقارنة باتفاق الحواجز الفنية للتجارة الذي ينص على أنه يمكن اعتماد معيار مختلف (أقل أو أكثر) بشرط أن يكون مستندا على أسس علمية وفنية، فضلا عن أن اتفاق الصحة يجيز للدول أن تفرض معايير تزيد عما هو وارد بالمعايير الدولية مع ضرورة أن تكون هناك ارشادات تقوم على اسس تقييم للمخاطر تتمشى مع الأدلة العلمية المتوفرة، والطرق وعملية الانتاج ذات العلاقة ولمدة انتشار أمراض أو أوبئة معينة. والخلاف الثالث يتركز في العناصر الاقتصادية حيث يجب عند تقييم المخاطر على حياة وصحة الحيوان والنبات الأخذ في الاعتبار العناصر الاقتصادية مثل انتقال وانتشار الأوبئة أو الأمراض أو تكاليف المراقبة أو المكافحة، علاوة على عبء وتكاليف الجهود للحد من المخاطر القائمة علما أنه يجب أن يراعى هدف تقليل الآثار السلبية على تدفق التجارة الدولية في الاعتبار الأول، كما أن الاجراء الوقائي يسمح باتخاذ تدابير مؤقتة عند انتشار الأوبئة أو الأمراض بشكل ظاهر وواضح دون أن يكون هناك دليل علمي كاف. أما حول اجراءات الاستثمار وعلاقته بالتجارة شدد هلال على أن أحد أهم محاور الاصلاح الاقتصادي والتجاري بالنسبة للدول النامية هو تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز فرص زيادته محليا، وخارجيا، بحيث تدور عجلة الانتاج وما يتبعها من آثار ايجابية على التجارة وبصفة خاصة الصادرات مشيرا الى أن الحكومات تتخذ اجراءات لاستقطاب الاستثمار الأجنبي منها الحوافز المادية، والخصم الضريبي، وتوفير الأراضي، والخدمات الأخرى على أسس تفضيلية ومن الجانب الآخر تضع شروطاً لتشجيع الاستثمار أو فرض بعض التزامات على المستثمرين ومن بين هذه الشروط استخدام المدخلات الوطنية في الانتاج أو التعهد باداء تصديري محدد. وحدد أهم الاجراءات التي تستخدمها الدول النامية عموما والعربية خصوصا لتحقيق أهداف معينة لو كان هناك دول أخرى تستعمل تلك الاجراءات بما في ذلك الشركات متعددة الجنسيات بشرط استخدام تقنيات مماثلة في بلد المنشأ، والحد من تحويل العائدات الى الخارج، ومنع المستثمر من تصنيع منتجات معينة أو خطوط انتاج محددة وضرورة تصدير نسبة من الانتاج الى الخارج، وتطلب تصنيع بعض المنتجات محليا، ووضع قيود على الحصول على النقد الأجنبي، وتحديد ميزانية النقد الأجنبي كنسبة معينة من الصادرات بالاضافة الى شرط أن تكون الواردات مساوية للصادرات أو نسبة منها، أو طرق استخدام كل أو بعض المدخلات من الانتاج المحلي. ونوه أن اتفاق ازالة الاجراءات غير المتوافقة فقد حدد الاتفاق جدولاً زمنياً لازالة جميع الاجراءات الخاضعة للاتفاق حيث تقوم الدول المتقدمة بذلك خلال عامين، والنامية 5 سنوات، والأقل خلال 7 أعوام اعتبارا من مطلع يناير عام 1995 تاريخ انشاء منظمة التجارة العالمية وتطبيق الاتفاق. وأفاد هلال أنه مع ذلك يسمح للدول النامية والأقل نموا التي قد يصعب عليها التطبيق خلال الفترة الزمنية المشار اليها أن توضح ذلك بطلب الى مجلس التجارة في السلع الذي يمكن أن يمد المدة آخذا في الاعتبار والاحتياجات التنموية والمالية والتجارية للدولة العضو. كما لفت الى أنه تم الاتفاق على تكوين لجنة خاصة باجراءات الاستثمار تعمل من خلال مجلس التجارة في السلع وهي المسئولة عن تنفيذ الاتفاق ويتم فض المنازعات حوله وفقا لمذكرة التفاهم الخاصة بتسوية المنازعات، وبدأت دراسات ومباحثات أولية لموضوع (التجارة والاستثمار) بما يوسع النطاق الحالي للاتفاقية حيث تهدف الى محاولة التوصل الى اتفاقية متعددة الأطراف في مجال الاستثمار MAI وينتظر أن تعرض نتائج تلك الدراسات الأولية على المؤتمر الوزاري الرابع في الدوحة نوفمبر المقبل حيث من المتوقع أن يدخل هذا الموضوع ضمن موضوعات أخرى في جولة جديدة من المفاوضات متعددة الأطراف. القاهرة ـ حسين عبدالهادي: