قال الدكتور محمد مراياتي المستشار الاقليمي في «اسكوا» حول المعلوماتية والعلوم إن العالم شهد قفزات هائلة في مجال المعلوماتية التي قامت بالتأثير بصورة غير مسبوقة على العلم والتكنولوجيا بشكل عام، وبخاصة في التقدم الكبير في معدل زيادة سعة الخزن وسرعة الطلب ونقل المعلومات والتناقص الكبير في الوزن والحجم والسعر وانتشار استخدام الشبكات بشكل واسع مما ادى الى ايجاد حقول جديدة في العلوم وتعديل وتطوير علوم قائمة وتناسل وتزاوج كبير في العلوم، مما اوجد نمطا جديدا في منهجية العمل العلمي وهو الحساب والتمثيل اضافة للنمطين التقليديين وهما النظري والتجريبي. د. مراياتي وخلال ورقته التي قدمها لندوة «المعلوماتية في الوطن العربي: الواقع والآفاق» التي شارك فيها عدد من المتخصصين أوضح تأثير المعلوماتية على عمليات التعليم والتعلم من خلال المنهجية الحاسوبية والتي ترتكز على نمذجة النظم والتحليل الاحصائي واستخدام المخابر العلمية التجريبية الافتراضية والتعليم عن بعد والتعلم عن بعد مما جعل التعليم الجامعي يتخطى الزمان والمكان، لافتا إلى أن ذلك دفع الى تحول قطاع تعليم العلوم من قطاع خدمي تدعمه الحكومات الى قطاع خدمي مخصخص يخضع لاقتصاد السوق وتنظمه اتفاقيات GATS وTRIPS وWTO مما يعني بالضرورة التحول من خدمة عامة إلى سلعة تجارية. وحسب ملاحظات د. مراياتي فان توسع امكانيات التشبيك عبر الانترنت ادى الى تعاون كبير بين الاساتذة والطلاب في مجال المعلومات والافكار والاسئلة والحلول. وكذلك تغيير المناهج بوتيرة عالية لم يشهد لها التاريخ مثيلا، اضافة الى جعل المكتبات العالمية ومصادر المعلومات في متناول الجميع، ومشيرا في الوقت ذاته إلى أن هذه الأجواء أدت إلى ايجاد تنافسية كبيرة بين الجامعات واصبحت المعلوماتية جزءا لا يتجزأ من اي علم من العلوم واصبحت الامية المعلوماتية مسألة ذات اهتمام عام. د. ابراهيم عز الدين المدير العام لمؤسسة عبد الحميد شومان من جانبه دعا الى تضافر الجهود وتحمل المسئولية الجماعية لتفعيل المعلوماتية وتقنيتها في واقع الامة العربية وبناء مستقبل واعد على اسس علمية صحيحة للارتقاء بالتنمية الادارية والاجتماعية والاقتصاديات العربية. وقال خلال كلمته في الندوة إن هناك ضرورة لاستشراف المستقبل والتقدم بخطوات واسعة كماً ونوعا ومعالجة الاختلالات الراهنة في الواقع العربي عبر الاخذ بسبل التقدم وبناء نهضة جديدة يكون محورها الانسان العربي وتطلعاته وهمومه وتقدمه. البحث حول التوجهات والاستراتيجيات لتكنولوجيات المعلومات وواقعها واثرها في التربية والتعليم والثقافة والعلوم والتشكيلات الاجتماعية والبيئة التشريعية والتنظيمية لها كانت محورا لفعاليات اليوم الأول حيث استعرض د. رأفت رضوان رئيس مركز المعلومات ودعم القرار بمجلس الوزراء المصري في بحثه توجهات واستراتيجيات تكنولوجيا المعلومات في الوطن العربي ملاحظا البيانات والاحصائيات حول واقع التنمية واقتصاديات الدول العربية. وكما جاء في بحثه فقد أوضح د. رضوان إن العوامل المؤثرة على تنمية التكنولوجيا العربية تتوزع بين العوامل الاقتصادية وابرزها متوسط الدخل القومي للفرد واختلالات توزيع هذا الدخل. وتاليا بالتكلفة الاقتصادية المرتفعة للتكنولوجيا الجديدة بالنسبة للدول العربية الفقيرة، والعوامل المؤسسية والتشريعية واهمها نقص القوانين والتشريعات اللازمة للتكنولوجيا وضعف القدرات المؤسسية للمنظمات والمؤسسات المالية وضعف حقوق المستهلك والبيئة المؤسسية الحكومية وعوامل البنية التحتية والتي يتجلى ضعفها في البنية التكنولوجية للمؤسسات الحكومية والاقتصادية ونقص كفاءة شبكات الاتصالات والنقل والطرق والكهرباء والمياه. ولم يغفل الدكتور العوامل غير المحفزة للبيئة الاقتصادية وتتمثل في ضعف الانشطة غير الرسمية ونقص وتدني مفاهيم وقواعد العمل الاقتصادي وتشرذم السوق ويتضح ذلك بحجم مؤسسات الاعمال ونشاطاتها. ومن هنا أشار د. رضوان إلى ضرورة العمل العربي الجماعي المؤسسي لازالة الآثار والنتائج السيئة جدا للعوامل الثقافية على التنمية التكنولوجية المأمولة ومنها نسبة الامية المرتفعة ومستوى التعليم ونقص المعارف باللغات الاجنبية ونقص المحتوى العربي على شبكة الانترنت والخوف من الثقافة الغربية وعدم الثقة في الاقتصاد الرقمي. ولم يفقد الدكتور ثقته بالمستقبل وقال إن الطريق ما زالت امامنا من خلال الرؤية الواضحة في اقامة مجتمع عربي معلوماتي يحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة والعادلة، مشددا على ان الامة العربية قادرة على اقامة صناعات متنافسة في مجالات تكنولوجيا المعلومات واقامة بنية اساسية تكنولوجية ملائمة لتحقيق الطفرة التنموية مع الحفاظ على الثقافة والهوية العربية والاسلامية، وتطوير مستوى الخدمات بكافة انواعها ومدّ نطاق تغطيتها لكافة الاماكن وبناء جيل قادر على التنافس عالميا بأدوات ووسائل تكنولوجية مساعدة لتحقيق التميز وزيادة الترابط العربي وتعضيده ووضع الامة العربية على خريطة العالم الجديد كاحدى القوى الفاعلة والمؤثرة. وبين منطقية تفاؤله بالقول بان عناصر القوة في طريقنا الى المستقبل تتمحور حول التركيبة السكانية الشابة فأكثر من 50% من السكان دون سن 20 سنة، وتوافر الموارد المالية اللازمة والتميز الثقافي والفكري والعقائدي واللغوي واستقرار اسس ومباديء نظام السوق والتوجه القوي نحو تحرير الاقتصاد. واستعرض كذلك عناصر الضعف والتي تتركز في ضعف البنية التكنولوجية وضعف الامكانات التمويلية والتشابكات السياسية وتفشي البيروقراطية وضعف التكامل والتعاون العربي. واستعرض الفرص التي تعزز المسار المعلوماتي العربي بتزايد امكانية التكامل في مجالات تكنولوجيا المعلومات، وسهولة التنسيق بين العناصر الفاعلة، وتزايد التوجه بتوظيف التكنولوجيا في المجالات كافة والنجاح من خلال تأهيل واعداد الكوادر البشرية وقدر متزايد من الخدمات المعتمدة مع اللغة العربية كأساس لعملها، مؤكدا بان اهم التهديدات التي تواجه المعلوماتية العربية تتضح في التنافس بين الدول العربية والفوارق التكنولوجية بينها والعمالة الاجنبية الوافدة الرخيصة والمؤهلة. وطالب د. رضوان الى تحقيق تنمية البنية التكنولوجية الاساسية بالاعتماد على التكنولوجيات المناسبة والرخيصة وفتح المجال امام الاستثمارات الاقليمية في بناء البنية الاساسية وتفعيل استراتيجية التعليم من على بعد وانشاء آليات عربية موحدة في هذا الإطار. فهناك حسب ما جاء في قوله ضرورة للاخذ بخطوات قصيرة في هذا السياق كالاتحاد العربي لتكنولوجيا المعلومات والاكاديمية العربية للاعمال الالكترونية والشركة العربية للتجارة الالكترونية. إضافة إلى مصر فقد ساهمت بيروت في الندوة عبر ورقة قدمها د. عبد الاله الديوه جي المستشار الاقليمي للاتصالات وشبكات الكمبيوتر في الاسكوا في لبنان حيث تحدث فيها حول الموجة الثالثة للمعلوماتية من خلال التفاعل العالمي والاقليمي بعد منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي مشددا على قدرة الدول تطوير قدراتها ذاتيا بمعزل عما يجري حولها اضافة لتأثير قوى العرض والطلب القوي او ان تحقق انجازا كبيرا دون تحقيق الترابط مع المجتمعات الاخرى ضمن شبكة الإنترنت. وقال إن السمة الاقتصادية وليس السمة التكنولوجية العلمية هي ابرز سمات هذا القطاع. وفي استعراضه للموجة الثالثة وكيفية اغتنام بعض الفئات لجهل القيادات الادارية بالتكنولوجيا الجديدة لتحقيق مكاسب آنية كبيرة، قال بأنه لا يمكن اختصار الفجوة التكنولوجية والاستعاضة عن سنين التراكم التدريجي للخبرة التي مرت بها الدول المتقدمة ببديل القفزات النوعية السريعة وانفاق مزيد من الاموال لاختصار الزمن دون المبادرة بخلق نواة علمية لمهنة البرمجة والتي كانت مفقودة على مدى عقود الستينات والسبعينات والثمانينات والتي بدأت الان بالتشكل. وأضاف ان الرعاية المركزية للحكومات العربية كانت سببا في اضعاف كفاءة مهنة البرمجة والحد من نموها مستثنيا بعض المبادرات البرمجية في القطاع العربي الخاص، موضحا ان سوق صناعة البرمجيات مفتوح والسيطرة فيه للحكومات والدول الصناعية القوية والتي تقوم بأهم الادوار فيه وهي دور التسهيل والتنظيم والتشريع والمستخدم. وكانت الدعوة إلى اعادة النظر في الهيكلية الجذرية والمراجعة الحتمية للعديد من السلوكيات الاجتماعية والمفاهيمية للتحول الى الاقتصاد المصرفي ابرز ما ذهب إليه المستشار الاقليمي للاتصالات وشبكات الكمبيوتر في الاسكوا في بيروت. وقدم الدكتور يوسف نصير رئيس مركز المعلومات الوطني الأردني ورقة حول المعلوماتية والتربية والتعليم والثقافة شدد فيها على ضرورة تحمل المسئولية الجماعية لتقليص الفجوة الرقمية بين الدول العربية والمتقدمة مشيرا في هذا السياق الى ان الدول الغنية تشكل 15% من سكان العالم وتملك 80% من الحواسيب في العالم ولديها 90% من مستخدمي الانترنت وان نسبة مستخدمي الانترنت لا تتجاوز 0.3% في الدول العربية بينما في امريكا 26.3%. وقال إن الثقافة هي المحور الاساسي للتنمية الاجتماعية وانها تساعد في نشر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والعكس صحيح مشددا على ضرورة اتخاذ التدابير والخطوات اللازمة للتصدي للآثار السلبية لثقافة الانترنت واصفا اياها بالموجة الثقافية العارمة تدعيما لثقافتنا وهويتنا من خلال اعادة النظر بالاساليب والمنهجيات التقليدية للتواءم مع التقنيات الحديثة. عمان ـ مكتب «البيان»: