سياتل هي المدينة التي سوف يتذكرها العالم دائما على انها المدينة التي اوقفت فيها المظاهرات محادثات التجارة الدولية، ولكن هذه المدينة الجميلة لا تستحق هذه الصورة القاتمة، حيث ان تلك المحادثات لم تفشل بسبب المظاهرات كما يتصور البعض بل انها وقعت ضحية لخلافات خطيرة بين اعضاء منظمة التجارة العالمية حول جدول اعمال الجولة المقبلة من المحادثات، ان ذلك التباين في السياسات ووجهات النظر كان يمكن تجاوزه لو ان آلية اتخاذ القرار في منظمة التجارة العالمية لم تفشل نتيجة لعيوب ذاتية خطيرة فيها. وسوف تواجه جهود اعادة اطلاق المفاوضات نفس الصعوبات السابقة غالبا ان لم تقم الدول الاعضاء في المنظمة باصلاح العيوب في عملية اتخاذ القرار، من خلال هذه السطور سوف نقوم بتناول هذا الموضوع بالبحث والتحليل ومحاولة تقديم حلول تقوم على ضمان تمثيل متوازن لجميع الاعضاء على طاولة المفاوضات. لماذا لا تعمل منظمة التجارة مثل الجات؟ خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية عملت الحكومات من خلال ثماني جولات مفاوضات متعددة الاطراف في اطار اتفاقية الجات الاولى للوصول إلى ارضية مشتركة لتوحيد الرؤى والجهود لتحرير التجارة فيما بينها. وقد حققت هذه الاتفاقية انجازا كبيرا الا وهو فتح اسواق الدول الصناعية لمنتجات الدول النامية مما اسهم بالرغم من بقاء العديد من القيود على المنتجات الزراعية والمنسوجات في دعم اقتصاديات العديد من الدول النامية وبشكل كبير خاصة في آسيا وامريكا اللاتينية. لقد جاءت الدول إلى الجات لهدف واحد مشترك هو تحقيق مصالحها الاقتصادية تاركة خلافاتها السياسية في اروقة هيئة الامم المتحدة تلك الجهة الدولية المناط بها حل الخلافات السياسية والمحافظة على السلام والامن الدوليين. لقد عملت الجات بنظام الاجماع الذي يتطلب موافقة جميع الدول الاعضاء على اي توصية او مشروع كي يتحول إلى قانون يتمتع بصفة الالزام وقد عمل هذا النظام بصورة مرضية لجميع الاطراف ولم يتم خرقه من قبل اي عضو اذ ان الدول المتقدمة وبصفة خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي اللذان قادا جولات المفاوضات لم يركزا على مشاركة جميع الدول وبدورها لم تحاول الدول النامية عرقلة المحادثات بصورة اساسية لان القرارات الصادرة عن المنظمة الدولية لم تكن تطالبها بالكثير من الالتزامات هذا عدا عن المكاسب الكبيرة التي حققتها هذه الدول نتيجة للالتزامات الملقاة على عاتق الدول الكبرى ومن بينها الالتزام بمبدأ الدولة الاولى بالرعاية. اضافة إلى استفادتها كونها الطرف الضعيف في المفاوضات من نظام العمل واتخاذ القرار الجماعي الذي غالبا ما يعمل بصورة جيدة لصالح الاطراف الضعيفة. مازالت منظمة التجارة العالمية تعمل بنفس نظام الاجماع ولكن عملية بناء هذا الاجماع اضحت اكثر صعوبة وقد ظهرت هذه المعضلة قبل اجتماع سياتل سييء السمعة بكثير حيث انها كانت موجودة عند ميلاد المنظمة في جولة اورجواي عام 94. ويرجع بعض خبراء التجارة الدولية هذه المشكلة إلى سببين رئيسيين: ـ ان عضوية منظمة التجارة العالمية قد تضاعفت بحيث اصبحت تضم العديد من الدول النامية التي كانت فيما سبق اما خارج المنظمة او اعضاء غير فعالين في المفاوضات. كانت الجات تضم ثلاثا وعشرين دولة في عضويتها عندما تم اقرارها في عام 1948 واربعا وثمانين دولة بنهاية جولة طوكيو عام 1979، وفي جولة اورجواي كان الاعضاء الموقعون على تفاهم مراكش اكثر من 110 اعضاء بما فيهم الاعضاء الذين يحملون صفة مراقب. وحتى شهر يناير من العام 2000 كانت المنظمة تضم 135 عضوا اضافة إلى احدى وثلاثين دولة لا تزال في اجراءات الانضمام. ونتيجة للاصلاحات الاقتصادية الداخلية بما في ذلك تحرير التجارة والتي قامت بها الدول اما من جانب واحد او بناء على التزامات الجات فإن الدول النامية اصبح لديها دافع اكبر للمساهمة في النظام التجاري العالمي وحجة اقوى في المطالبة بمشاركة اكثر فعالية في عملية اتخاذ القرار وسن القوانين في منظمة التجارة العالمية. ـ ابتداء من جولة اورجواي لم يعد باستطاعة الدول وخاصة الاعضاء في المنظمة الاستفادة من نتائج المفاوضات دون المشاركة الكاملة والفعالة في تلك المفاوضات مما يعني ان على جميع الدول وخاصة النامية منها الالتزام اكثر من اي وقت مضى بالقيام باصلاح نظامها الاقتصادي والذي يجب ان يشمل حواجزها الجمركية وسياساتها التجارية الامر الذي يتطلب ان تكون هذه الدول على علم دائم بالمسائل والتفاصيل المطروحة على طاولة المفاوضات. في جولة اورجواي كان على الدول المنظمة حديثا إلى المنظمة قبول جميع الالتزامات السابقة التي نشأت دون مشاركتها والتي تتطلب منها استحداث واعمال قوانين وسياسات معينة واجهت تلك الدول صعوبات جمة في الوفاء بها. وفي المحصلة نستطيع ان نقول ان آلية اتخاذ القرار في الجات عملت في السابق بصورة جيدة نتيجة لمشاركة عدد محدود من الدول بشكل فعال في المحادثات اضافة الى عدم التزام باقي الدول الأعضاء بالتقيد بنتائج تلك المحادثات بمعني أن القرارات كانت تتخذ من قبل مجموعة محدودة من الأعضاء ولم تكن تلزم الا تلك الدول التي ساهمت في اتخاذها، وقد وقع هذا النظام ضحية لنجاح الجات في دمج الدول النامية أكثر في النظام التجاري العالمي مما أهلها لأن تكون شركاء كاملين في أي اتفاقية تجارية دولية جديدة. ان ازدياد عدد المشاركين الفاعلين والذين يمثلون مصالح وأهداف متعارضة أدى الى تعقيد آلية التشريع في منظمة التجارة الدولية، ومن المتوقع ان تزداد هذه المشكلة تعقيدا بالانضمام المرتقب للصين لمنظمة التجارة الدولية وذلك باضافة لاعب آخر يتمتع بثقل سياسي كبير الأمر الذي يؤهله للمطالبة بصوت قوي في المنظمة، بالاضافة الى ذلك فان هناك سبباً رئيسياً آخر ادى الى تعقيد هذه المشكلة بصورة أكبر وهو ان على الدول الأعضاء مواجهة استحقاقات أكثر تعقيدا على طاولة المفاوضات في المراحل المقبلة مثل المسائل المتعلقة بتحرير قطاع الخدمات وحقوق الملكية الفكرية. ان ما يعرف بآلية الغرفة الخضراء التي من خلالها يتم إصدار القرارات والتشريعات في منظمة التجارة الدولية والتي تضم عدداً محدوداً من الدول المتقدمة والنامية قد توسعت كثيرا في الآونة الأخيرة لتضم في عضويتها دولاً جديدة تتمتع بثقل سياسي واقتصادي كبيرين الأمر الذي ادى كما يعتقد جانب كبير من المختصين الى عرقلة ما يعرف بعملية بناء الاجماع في المنظمة، واثناء الاعداد للاجتماع الوزاري في سياتل تقدمت الدول النامية بعدد من المطالب وذلك لوضعها على جدول الاعمال لكن نظام التشريع في جنيف لم يكن قادرا على استيعاب هذه المطالب مما أدى الى فشل ذلك الاجماع بصورة لم يكن ليتوقعها حتى أكثر المتابعين لشئون التجارة العالمية تشاؤما. رغم انه ليس من العدل وصف نظام الغرفة الخضراء بالنظام الاستعماري كما تفعل بعض الأطراف المتضررة من هذا النظام الا ان هذا لاينفي العيوب التي تشوب هذا النظام كما لاينفي حاجة الى التحديث والتعديل ليتلاءم مع المستجدات والمتغيرات الحالية، في الوقت الراهن تختلف المشاركة في الغرفة الخضراء بحسب المسألة المطروحة للنقاش وقد ازداد عدد المشاركين في مداولات الغرفة الخضراء مع مرور الوقت فعلى سبيل المثال لم يكن عدد الوفود المشاركة تلك المداولات في جولة طوكيو ثمانية أو تسعة وفود في حين انه في الوقت الراهن ليس من الغريب ان تضم مداولات الغرفة الخضراء خمسة وعشرين أو حتى ثلاثين وفدا، ان المعايير التي تستند اليها المشاركة في تلك المداولات ليست محددة ولكن وفي الغالب تكون المشاركة مقصورة على الاعضاء الفاعلين في المنظمة، وفي قول آخر أكثر صراحة فان تلك المشاركة مقصورة على اللاعبين الكبار في مجال التجارة الدولية أي الدول التي تملك أسواقاً محلية مؤثرة على الصعيد العالمي أو التي تستأثر بحصة انتاجية كبيرة من السوق العالمي حيث عادة ما تضم الغرفة الخضراء كلاً من الأربعة الكبار كل يحلو للبعض تسميتهم أي الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، كندا واليابان بالاضافة الى استراليا، نيوزيلندا، سويسرا، النرويج ودولة أو اثنتين من أوروبا الشرقية وما يعرف بكومنولث الدول المستقلة اضافة الى تلك الدول فان هناك عدداً من الدول النامية مثل الارجنتين، البرازيل، تشيلي، كولومبيا، مصر، هونج كونج، الهند، كوريا الجنوبية، المكسيك، باكستان ودولة اخرى من اعضاء منظمة جنوب شرق آسيا أو الآسيان في حين تبقى معظم الدول النامية الاخرى بما فيها الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي خارج مداولات الغرفة الخضراء نتيجة للقصور الشديد في الامكانيات الاقتصادية والسياسية لهذه الدول ويكفي ان نعلم ان ما يزيدعلى عشرين دولة افريقية من اعضاء المنظمة لاتوجد لديها مكاتب أو حتى ممثلين في جنيف. ان القرارات التي يتم اتخاذها في الغرفة الخضراء يتم احالتها في مرحلة لاحقة الى باقي الاعضاء في المنظمة لاتخاذ القرار النهائي بشأنها، وقبل سياتل كانت هذه القرارات نادرا ما تواجه صعوبات في الحصول على موافقة باقي الاعضاء وذلك أولا لعدم وجود معارضة حقيقية في المنظمة وثانيا لعدم وجود تضارب فعلي بين مصالح هؤلاء وأولئك ولكن ما حدث في سياتل اثبت ان هذا النظام لم يعد صالحا نتيجة للعيوب التي يعاني منها والتي لايمكن للمنظمة من مواصلة السير الى الأمام دون التوقف لمراجعتها مراجعة شاملة ومن ثم علاجها. وباختصار فان النظام التشريعي الحالي في منظمة التجارة العالمية رغم انه يوفر فرص مشاركة مقبولة الى حد ما في آلية اتخاذ القرار لبعض الدول النامية الا انه يستبعد السواد الأعظم من الدول النامية والدول الأقل نموا، ومما يثير السخرية ان هذه الأخيرة اي الدول الأقل نموا التي لم تكن لها أي مساهمة في اصدار أي تشريع ملزم هي الدول المطالبة باجراء اصلاحات جذرية في انظمتها وقوانينها وممارساتها التجارية بصورة أكبر من شركائها التجاريين الأكثر تطورا أي الدول الصناعية الأمر الذي يعني انه يجب ان يكون لها صوت أقوى ومساهمة أكبر في عملية اتخاذ القرار. بقلم: ناصر أحمد بن غيث