شهدت سوق الامارات خاصة والمجتمع الاماراتي خلال سنوات الطفرة الاقتصادية ظواهر سلبية تركت آثاراً واضحة على أوضاعنا الاقتصادية والتجارية والاجتماعية والأمنية، وأصبحت مع مرور الزمن معضلة حقيقية يعاني منها المجتمع الاقتصادي تحديداً، وتحدياً كبيراً يواجه المجتمع الاماراتي ومما ساعد على تنامي تلك المعضلة، وتضخم ذلك التحدي غياب المعالجة الموضوعية والفاعلة لتلك الظواهر، ومنها تبرز ظاهرة تدفق العمالة الى سوق الامارات تحت مظلة الرغبة في الاستثمار، بينما في حقيقة امرها عمالة تبحث عن فرص عمل وفي حال عدم الحصول عليها فانها تتسول!! ومن هنا نثير تساؤلات حول حجم هذه العمالة!! وتأثيراتها!! ولماذا تتساهل الجهات والمؤسسات المعنية معها!! وما هي أهدافها وتبعاتها وحقيقتها!! وهل درست الجهات المعنية بسوق الامارات، ماذا عن تأثيرات هذه الشريحة وتفاقم هذه الظاهرة على الاوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية!! لماذا نخادع انفسنا ونقنع ذاتنا بأن هؤلاء مستثمرون ونحن نعلم جيداً بأنهم متسولون. ان السياسة الاقتصادية المرنة التي تبنتها الدولة والتي تعتمد الحرية الاقتصادية أو اقتصاد السوق والملكية الخاصة في اطار السياسة الداخلية انما يجب أن يكون الهدف منها تعزيز حرية الاستثمار وانتقال رؤوس الأموال والايدي العاملة فيما بين الامارات يجب أن يتم وفق ضوابط قانونية وتشريعية تؤكد هذه السياسة ولكي تحد من أي تأثيرات سلبية أو محاولات تشويه السوق الاقتصادية والتجارية في الامارات. ومن ناحية اخرى فان السياسة الاقتصادية التي تبنتها الدولة في علاقاتها الخارجية أي في علاقاتها التجارية والاقتصادية مع دول العالم والتكتلات الاقتصادية والتي تعتمد سياسة الباب المفتوح انما يجب أن تهدف الى تعزيز موقع الدولة اقتصاديا وتجارياً باعتبارها شريانا للتجارة العالمية ولاسيما على صعيد منطقة الشرق الأوسط وبالتالي فان المحافظة على هذا الموقع وارساء دعائم السياسة الاقتصادية هذه لايمكن ان يتأتى الا من خلال تشريعات وقوانين واجراءات تتصدى للظواهر السلبية التي يمكن ان تنجم عن تلك السياسة ومنها ظاهرة (التسول) هذه لاسيما بعد ان شهدت الامارات تدفقاً حاداً من عمالة ذات مستوى فني منخفض كان لها آثار سلبية واضحة على مسيرة الاقتصاد الوطني وعلى الاوضاع الاجتماعية والامنية عامة. لقد كان للتساهل الواضح في منح تأشيرات واقامات لشريحة من الطامعين في فرص العمل في الامارات والذين يتسترون بثوب المستثمرين قد ساهم في تفاقم الازمة السكانية التي تعاني من تداعياتها الامارات حالياً، حيث وفد الى الامارات عدد كبير من الاجانب مدعين انهم قد جاءوا مستثمرين وهم في حقيقة الأمر يتسولون بحثاً عن فرص عمل لهم ويتزاحمون أمام المؤسسات والوزارات والشركات وحينما لايجد البعض منهم هذه الفرصة فانه لايتوانى عن القيام بأعمال تتعارض مع طبيعة المجتمع وقيمه ويعاقب عليها القانون. ان هؤلاء (المستثمرون) المتسولون حينما يغدون الى الامارات لايملكون سوى حقائب ملابسهم الصغيرة، وبضعة دولارات ينفقونها على مأكلهم ومشربهم من المطاعم الخلفية، والسكن في الازقة والمساكن المهجورة أو في فنادق درجة خامسة فيما تحمل تأشيرة دخولهم الى البلاد صفة (مستثمر) وقد ساعد على ترويج الاحلام الوردية شركات السمسرة بالدول التي ينتمون اليها وبالتعاون مع شركات السمسرة والتخريب التي تعمل في سوق الامارات باسم شركات الاستثمار أو التوظيف فيما هناك شركات ومؤسسات تعمل في القطاع الخاص يؤسسها أصحابها من أجل المتاجرة في جلب أو استقدام هؤلاء (المستثمرين) نظير آلاف الدولارات التي يتكبدها هؤلاء (المستثمرون) حينما يقترضونها من ذويهم على وعد في تحقيق أحلامهم في ثروة من الامارات، واعادة ما تم اقتراضه، فيما تتبخر هذه الاحلام مع مرور الأيام، حيث لايجدون الوظيفة (الحلم) ليتحول هؤلاء الى متسولين حقيقيين، أو ربما نصابين ومجرمين يبتلي بهم المجتمع الاقتصادي ويعيثون خراباً ويعبثون بالأمن والاستقرار بالدولة ويسيئون الى السمعة الاقتصادية والامنية بالبلاد.. وهكذا نجد أن أرقام واحصائيات الجرائم المالية، وجرائم النصب والاحتيال، ثم الجرائم اللاأخلاقية تتصاعد في بلادنا حتى أضحت الصحف اليومية لاتخلو صفحاتها اليومية من جرائم عديدة يرتكبها هؤلاء (المستثمرون)، وهكذا يصبح وضع الجهات الامنية بالدولة محرجاً حينما تعاني من تفاقم الجرائم على مختلف اشكالها بالمجتمع والتي غالباً ما يرتكبها هؤلاء (المستثمرون) لاسيما بعد تزايد أرقام البطالة في أوساط العمالة الوافدة، ويصبح الصراع على الوظائف مهما كانت درجتها ومستواها صراعاً محتدماً وشديداً. وهكذا تصبح الامارات مستوردة (لمستثمرين) لمتسولين يحملون صفة المستثمرين فيما يصبحون عبئاً حقيقياً على الدولة وأجهزتها المختلفة امنياً واجتماعياً واقتصادياً حيث تكون الدولة مطالبة بتوفير خدمات أمنية واجتماعية (صحية وتعليمية وغيرها)، ثم يكون هناك طلب ملح وحتمي بتوفير فرص عمل لهؤلاء وإلا فإنهم لن يترددوا في ارتكاب جرائم تسيء لسمعة المجتمع الاقتصادي ويضعون الدولة أمام موقف صعب وسوف يتفاقم مع مرور الزمن. ان المتابع لصحافتنا اليومية، والمشاهد لأسواقنا المحلية والمطلع على حقيقة الجرائم الأمنية فإنه سوف يتأكد من حقيقة الاثار السلبية التي يتركها هؤلاء المتسولون على أوضاعنا الاقتصادية، واذا كانت هذه الجرائم الظاهرة، فان هناك جرائم خفية تمارس ضد وطننا وآمنه وتهدد سمعة اقتصادنا يرتكبها هؤلاء المستثمرون!! لقد أصبح مجتمع الامارات عامة والمجتمع الاقتصادي والتجاري في وضع لايحسد عليه، وسوف تتفاقم الأمور أكثر مع تزايد هؤلاء (المستثمرين) الذين يتلاعبون بقوانين الدولة ويدخلونها بدعوى الاستثمار، ولما كانت الدولة وضمن توجهاتها المستقبلية فتح أسواقها على نحو أكبر امام الاستثمارات الاجنبية وامام الايدي العاملة الاجنبية، فانه من الضرورة بمكان ان تكون هناك آلية تحتوي على ضوابط وقوانين تحمي الاقتصاد والوطن من تحقيق مآربهم الشخصية بتجاوزاتهم لتلك الضوابط والقوانين. واذا كانت الامارات تسعى جاهدة لان تحافظ على موقعها في مسار التجارة العالمية والاقتصاد فانه من الضروري معالجة أوضاع السوق وخاصة الظواهر التي أصبحت تشكل تهديداً مباشراً للسوق والاقتصاد الوطني ومنها ظاهرة (المستثمرون) المتسولون، وهذا لايأتي الا من خلال دراسة أوضاع السوق والقوى العاملة فيها من حيث الحجم والنوعية والاهداف وقطع دابر المتسولين من الامارات المدعين الاستثمار. واذا كانت الامارات وهي مقبلة على تحديات عالمية بحكم متغيرات العصر الحديث ولاسيما عضويتها في منظمة التجارة العالمية، ثم ظاهرة العولمة الاقتصادية، ثم التوجه نحو الاقتصاد الرقمي والتجارة الالكترونية فانها تصبح ملزمة باحداث تصحيح حقيقي للاختلالات في هيكلية السوق الاماراتية ومنها معالجة ظاهرة (المستثمرين) أو مدعى الاستثمار. واذا كانت الامارات تسعى جاهدة نحو بناء اقتصاد وطني قادر على تحقيق أهداف الدولة، وترجمة طموحات ابنائها في وجود اقتصاد قوي ومواكب للتطورات الاقتصادية العالمية فانه لابد التصدي لكل الظواهر السلبية التي يعاني منها الاقتصاد خاصة والمجتمع الاماراتي عامة، ومنها ظاهرة التسول التجاري والاقتصادي في الدولة. ان المعالجة تلك لايمكن ان تتحقق الا في ظل اتفاق حقيقي فيما بين الامارات على معالجة التباينات الواضحة فيما بينها في السياسات الاقتصادية وما ترتب عليها من وجود قوانين وانظمة متضاربة وتمثل في ذاتها تحدياً وعقبة رئيسية امام مسيرة وحدة الاقتصاد الوطني، كما انه لابد من فرض عقوبات صارمة ضد أولئك الذين يستقدمون هذه العمالة (المتسولة)، ثم محاربة الشركات والمؤسسات التي تعمل على اصدار تأشيرات عمل لشريحة ممن تستقدمهم بقصد المتاجرة بالتأشيرات نظير حفنة من الدولارات كما يجب ان تتعاون مؤسسات القطاع الخاص مع أجهزة الدولة وخاصة الامنية لمواجهة المتسولين الذين يدعون الاستثمار، والمتاجرين بهم وذلك في اطار تصحيح العلاقات التجارية الاقتصادية والامنية وصولاً الى تحقيق الامن الاقتصادي والاجتماعي والامني الذي هو أساس التنمية والاستثمار. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي