حيدر أباد مدينة بناها الأمير محمد قطب شاه منذ أكثر من 400 عام من أجل حبيبته حيدر محل. ففي العام 1592 أسس الأمير المدينة الجديدة التي تحول اسمها بعد ذلك الى حيدر أباد أي «شعب حيدر»، وكانت قبل ان تصبح عاصمة ولاية اندرا براديش الهندية ولاية قائمة بذاتها تفصل بين بومباي واندرا وتستلقي بوداعة بين احضان الطبيعة الساحرة التي تتمتع بها مناطق جنوب الهند. وتعلو فوق سطح البحر بنحو 1776 قدما وانشأها محمد قطب شاه على نهر موسى على بعد 5 أميال شرق جولكندا التي كانت عاصمة حكام قطب شاه وهي واحدة من 5 ممالك قديمة ظهرت بعد انهيار مملكة بهمان واستمر حكم سلالة قطب شاه لمدة 171 سنة تولى خلالها 7 حكام كان يستهويهم فن العمارة والبناء. واصبحت جولكندا في عهدهم واحدة من أكبر الاسواق العالمية في تجارة الألماس واللؤلؤ والاقمشة وانتهى العصر الذهبي للمملكة عام 1886 بعد صراع عنيف مع أوانج زيب آخر حكام المغول الذي استطاع الاستيلاء عليها بعد حصار دام 8 أشهر. استطاع بعد ذلك المغول من توسيع مملكتهم حتى شملت كل شبه القارة الهندية، وسرعان ما انهارت الامبراطورية في عام 1707 وخلال ذلك استطاع حكام منطقة ديكان مير قمر الدين الاستقلال عن المغول عام 1724 وأصبح أول مؤسس لسلالة اسف جاهي وتم نقل العاصمة الى حيدر اباد عام 1769 واستمر حكم السلالة حتى عام 1948 واندمجت بعد ذلك في الاتحاد الهندي بعد الاستقلال، وفي نوفمبر 1956 تم اعادة رسم خريطة الهند لعدة ولايات وأصبحت حيدر أباد عاصمة لولاية اندرابراديش. وفي السنوات الماضية أصبحت مركزا رئيسيا لصناعة تكنولوجيا المعلومات والسكر والكيماويات والاسمنت والانسجة وغيرها. وعلى مدى العقود المتتالية تطورت المدينة لتصبح احد أهم المراكز التجارية والاسلامية الرئيسية في الهند وأكثرها فخامة، ويبلغ عدد سكان المدينة حاليا نحو 5.2 ملايين نسمة وبذلك تعد خامس أكبر مدينة، في حين يبلغ تعداد ولاية اندرابراديش 77 مليون نسمة وغالبية سكان حيدر أباد من المسلمين. ومع تمركز صناعة تقنية المعلومات في حيدر أباد أصبحت المدينة المكان المثالي والرائد لتكنولوجيا المعلومات في منطقة شبه القارة الهندية وهو ما انعكس على جوانب مختلفة من حياة السكان حيث يشكل سكان حيدر أباد نسبة 98% من مستخدمي الانترنت في ولاية اندرابراديش، الا انه وعلى الرغم من الطابع العصري الذي كسا البنية التحتية للمدينة فقد نجحت في المحافظة على تراثها الثقافي والحضاري حيث تم تصنيفها عالميا بكونها المدينة الأكثر نظافة في الهند والأكثر نجاحا في الحفاظ على طابعها القديم وكنوزها التاريخية لتشكل مزيجا رائعا يجمع بين العصرية وعبق الماضي وملامحه العريقة والتقنية المتطورة مع التراث الثقافي الغني. معالم تاريخية تزخر مدينة حيدر أباد بعدد كبير من المعالم التاريخية الفخمة التي شيدها حكامها الأوائل، ومن أشهرها صرح «تشارمينار» الذي يوصف بكونه «قوس النصر» في الشرق وهو معلم عريق مربع الشكل تعلوه أربع مآذن منقوشة بأسلوب معقد جدا ويقع الصرح اليوم وسط سوق مزدحمة تزخر شوارعها بالباعة الجوالين والمحلات التجارية التي تبيع مختلف انواع السلع ابتداء من الملابس وحتى العطور والتحف التذكارية وهو ما يعني ان المكان يحتاج الى تنظيم أكثر للحفاظ على تاريخه وجماله! وعلى بعد مسافة قريبة من «تشارمينار» يقع معلم تاريخي آخر لا يقل أهمية وجمالا وهو مسجد مكة الذي يتميز بأعمدته الطويلة وأقواسه المبنية من الجرانيت والملاط الكلسي، ومن المعتقد ان قرميد بوابة المسجد مصنوع من طابوق تم احضاره من مكة والمسجد يحتاج الى مجهودات كبيرة لترميمه وصيانته. كما تضم المدينة العديد من القصور الملكية التي تقف شاهدا حيا على ترف الحكم الملكي الذي توالى عبر القرون وفيما أصبحت بعض هذه القصور القديمة مهجورة ومهلهلة فإن عددا كبيرا منها حافظ على تألقه وسحره، وقد حولت الحكومة معظم هذه القصور الى مكاتب أو فنادق. ومن هذه القصور «فالوكناما» وتم تحويله الى فندق، بالاضافة الى ذلك هناك العديد من المعالم الأخرى في المدينة مثل بحيرة «حسين ساجار» الاصطناعية الكبيرة الذي يتوسطها تمثال ضخم لبوذا وتفصل بين حيدر اباد المدينة التوأم «اسكندر اباد» الواقعة إلى الشمال. وهناك قلعة جولكندا الواقعة في ضواحي حيدر اباد ويعود تاريخها إلى اوائل القرن الثالث عشر وقد تحولت القلعة فيما بعد إلى سوق شهيرة للالماس خرجت منها الماسة «جيل النور» المعروفة باسم «كوهيتور» والتي اصبحت من جواهر التاج البريطاني. ويعد متحف «سالارجونج» ثالث اكبر متاحف الهند ويضم عدداً كبيراً من التحف الاثرية التي يعود تاريخها إلى امبراطورية الحفول ومن ضمنها مجموعة ثمينة لا تقدر بثمن تزيد على 35 الف تحفة معروفة في 36 صالة من بينها صالة خاصة بالحضارة الفرعونية المصرية القديمة. اسواق قديمة ويشكل التسوق في حيدر اباد تجربة شيقة مليئة بالاثارة تتيح للزائر التعرف على تقاليد البلاد وتذوق عبق ما فيها في ظل حاضرها العصري سواء كان ذلك في اسواقها الحديثة او في ظل اسواقها التقليدية القديمة التي ينتشر فيها الباعة الجائلون. ومن اشهر اسواقها الرئيسية «اسكندر اباد» «جوميرات» «كوث» و«سلطان بازار» وتزخر هذه الاسواق بالمصنوعات اليدوية التي تشتهر بها حيدر اباد وضواحيها وقبائلها المختلفة ابتداء من الفخاريات والخزفيات والانتيكات وانتهاء بصناديق المجوهرات والتماثيل والحلي التقليدية واللآليء. وعلى مقربة من مبنى المركز التقني من شايبر اباد تقع قرية «شيلبار امام» للحرف اليدوية التي اعادت احياء فنون الصياغة وعدد من الصناعات اليدوية التقليدية الاخرى اذ تضم القرية العديد من المباني القروية الريفية التي تتم فيها صناعة مختلف انواع المنتجات اليدوية كالفخاريات وصنع الانسجة والاواني النحاسية والحرف الخشبية المعقدة والنحوتات والاعمال الجلدية وصياغة المجوهرات بالخرز والاحجار الكريمة. كما تضم القرية مسرحاً مفتوحاً تعرض عليه مختلف فنون الموسيقى والرقص الكلاسيكي والتقليدي من مختلف انحاء البلاد. حيدر أباد ـ عادل السنهوري: