كان نصف القرن الأخير في المنطقة العربية تجميعاً لأحداث وسلبيات شهدتها المنطقة نتيجة السيطرة الاستعمارية على مقدراتها في النصف قرن الأول، حيث امتص الاستعمار ثروتها المادية والمالية وجردها من خبرائها الفنيين وعلمائها المرموقين وقضى على القوميين والمعتدلين فيها، واذا كان الاستعمار الفرنسي لم يقصر في التعليم باللغة الفرنسية، فان الاستعمار الانجليزي قد قصر في كل شيء. جاء الاستعمار الانجليزي يأخذ وينهب المنطقة العربية فالدول التي استعمرها، مصر والسودان وفلسطين والاردن والعراق وجزءاً كبيراً من الجزيرة العربية، وحيث ان مصيره كان الى زوال بالمقاومة أحياناً وبالاتفاق احيانا اخرى، فقد قام بوضع المؤيدين له والمتآمرين معه ـ قبل رحيله ـ في أعلى المراكز السلطوية التي تساعدهم على تقرير مصير شعوب هذه المنطقة لصالحه وبما يؤدي الى استمرار ما كان يهدف اليه ـ الحصول على أكبر دخل ممكن من امكانيات الدول العربية وتهميشها عالمياً وزرع اسرائيل بينها كدولة قوية لكي تحمي مصالحه وتؤدب من يجور عليها. وسط هذا المناخ القاتم ولدت الجامعة العربية، واستبعدت فكرة الولايات العربية المتحدة، وفشلت كل الأفكار الوحدوية التي تؤدي في النهاية الى اتحاد عربي مكتمل يستطيع حماية الدول العربية ضد الضغوط الاسرائيلية والعدوانية، كما يستطيع ضرب العدوان الاسرائيلي الذي يمنع التقدم العربي بعد توقيع اتفاقيات السلام وتجريد فلسطين من كل الأسلحة التي تحمي الفلسطينيين من العدوان الغاشم. لقد أدى الانفصال الذي كانت تعيشة الدول العربية في الاربعينيات، ومازالت، أدى فعلاً الى قيام وتثبيت اسرائيل بين الدول العربية، والى حروب الخليج، والى النزاعات الحدودية، والى الاستشهاد الفلسطيني المأساوي الذي نشاهده يومياً في التليفزيون ونسمعه في الاذاعة ونقرأه في الصحف اليومية، وأكثر من ذلك فهو الذي أدى الى قيام جامعة الدول العربية بلا أهداف تعاونية محددة ولا اتفاقيات وحدوية، وعلى سبيل المثال اختلف الوضع كثيرا عن الوضع التعاوني الذي قامت به الدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، التي فكرت عملياً ونفذت فعلياً وحققت كامل الانجازات التي حددتها في النصف قرن الأخير والتي تمثلت في السوق الأوروبية المشتركة والاتحاد الأوروبي. ـ الاتحاد الأوروبي كيف تحقق: ان الاتحاد الأوروبي لم يكن يتحقق لو ارتبطت الدول الأوروبية بميثاق أو مواثيق تأخذ من انظمة الأمم المتحدة وتسير على هدى جامعة الدول العربية التي لم يكن لميثاقها هدف تعاوني محدد، وانما كان لها أهداف عامة لاتزيد على تنمية العلاقات، وعلى سبيل المثال فان تنمية العلاقات بين بعض الدول والولايات المتحدة الأمريكية كانت أفضل من العلاقات مع بعض الدول العربية الاخرى التي ترتبط معها بميثاق جامعة الدول العربية. لقد تحقق الاتحاد الأوروبي بموجب ميثاق محدد الأهداف نصت عليه المادة الثانية من معاهدة روما التي أنشأت المجموعة الأوروبية حيث نصت هذه المادة على ما يلي: ـ تشجيع التقدم في مختلف أوجه النشاط الاقتصادي في الدول الأعضاء. ـ العمل على تحقيق الاستقرار والتوسع المتوازن وعلاج الاختلافات في موازين المدفوعات للدول الاعضاء. ـ توثيق الروابط بين الدول الأعضاء عن طريق انشاء سوق مشتركة. ـ التقريب بين السياسات الاقتصادية للدول الاعضاء بصورة تدريجية وصولاً الى وحدة نقدية في المستقبل. ـ الغاء الرسوم الجمركية والقيود الكمية للصادرات والواردات. ـ اتباع سياسة زراعية مشتركة. ـ اتخاذ الاجراءات اللازمة لتسهيل تسوية الديون بين الدول الأعضاء. وقد اتفقت الدول الاعضاء على انشاء السوق الأوروبية المشتركة خلال 12 سنة بدأت من يناير 1958 وحتى 1970، مع امكانية مدها حتى ديسمبر 1973، وقد تم تقسيم هذه الفترة الى ثلاث مراحل كل منها أربع سنوات وتم تحديد مجموعة من الأهداف يتم تحقيقها خلال كل مرحلة وفي النهاية أصبحت السوق المشتركة أمراً واقعاً. وقد واجه الاتحاد الأوروبي العديد من المصاعب في رحلته نحو الوحدة الاقتصادية تم التغلب عليها من خلال وجود مرونة في خطط وأهداف الاتحاد. ومن خلال إدخال بعض التعديلات على اتفاقية روما كان التعديل الأول لهذه الاتفاقية في عام 1986 حيث صدر ما يعرف بـ «التشريع الأوروبي الموحد» والذي طالب بتحقيق الوحدة الاقتصادية الاندماجية الكاملة بين الدول الاعضاء بحيث تصبح سوقاً واحدة مع تحقيق حرية انتقال رؤوس الأموال والافراد والتحرير الكامل لعناصر الانتاج والغاء كافة الحواجز الجمركية والفنية، وهو ما ورد في اتفاقية السوق العربية المشتركة. وفي ديسمبر 1991 تم التوصل الى اتفاقية ماستريخت التي نظمت عملية الوحدة الاقتصادية والنقدية بين الدول الاعضاء، وتعتبر اتفاقية ماستريخت بمثابة دستور عمل أوروبا الموحدة، وخلال رحلة الاتحاد الأوروبي نجحت الدول الاعضاء في تحرير التجارة فيما بينها، وكذلك تحرير انتقال رؤوس الأموال والافراد وعوامل الانتاج، وتم تتويج ذلك بالوحدة النقدية. وبذلك أصبح الاتحاد الأوروبي يتبع سياسة مشتركة في العديد من المجالات الاقتصادية حيث يتبع سياسة تجارية مشتركة تقوم على أساس «مفهوم السوق الواحد» التي يتم فيها حرية انتقال السلع والخدمات وعوامل الانتاج بين الدول الاعضاء، وكذلك يتبع سياسة زراعية مشتركة تقوم على أساس «السوق الواسعة» واعطاء اولوية للمنتج الزراعي الاوروبي وحمايته من المنافسة الخارجية بشتى الطرق، وكذلك المسئولية المالية المشتركة في المجال الزراعي. ومنذ بداية 1999 اصبح الاتحاد الاوروبي يتبع سياسة نقدية واحدة بالتحديد في دول اليورو وعددها 11 دولة وذلك تحت مظلة بنك مركزي واحد، وتحاول دول الاتحاد في السنوات المقبلة توحيد نظم الضرائب فيما بينها وكذلك توحيد القوانين المنظمة لعملية الهجرة واللجوء السياسي والتوصل إلى نظام قضائي مشترك، «وهي موضوعات مازالت قيد البحث في اجتماعات دول الاتحاد الاوروبي». بذلك اقول انه منذ بداية التعاون الاوروبي في عام 1951، وقد اتخذت الدول الاوروبية خطوات جادة وعملية نحو الوصول إلى الوحدة الاقتصادية الاوروبية التي يكون منها اتحادا اوروبيا معتدلا، لا يجور على احد ولا يسمح لاحد ان يجور عليه، هذه الوحدة كانت البداية للتنسيق الاوروبي في السياسة الخارجية وفي الاجتماعات الدولية وفي الهيئات والمنظمات العالمية، ومن هنا كانت الكلمة الاوروبية واحدة ونافذة، وان كانت اليوم هي الكلمة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة الامريكية فإنها من المتوقع ان تكون الاولى في العالم قريباً. وهكذا تم النجاح بالنسبة للتعاون الاقليمي في اوروبا بل وفي كل مناطق العالم، وان كان هذا النجاح يتم على المستويات التي يريدها المخططون، غير ان التعاون العربي لم يتم له اي نجاح على اي مستوى ارادته الشعوب العربية، انحدار وانهيار ـ ظهر نظرياً وفشل موضوعياً والدليل امامنا ـ في فلسطين، وفي العراق، وفي التجزئة والانفصال، وفي الاموال والثروات العربية المنهوبة في الخارج، وفي التجارة البينية التي لا تتعدى 8.5% وفي القحط والمجاعات التي تعيشها بعض الشعوب العربية، وفي العصبيات القبلية التي خلفها الاستعمار. ومن هنا فإن الصحوة العربية المطلوبة اليوم تصبح من الضخامة وتتطلب فئة عربية تمثل الخلاصة العالمة والأمينة والتي يمكن ان تقود إلى الحياة العربية الكريمة.. ومن حسن الحظ انها تأتي مع امين عام جديد ونظام عربي جديد وادارة جديدة وشكل جديد لجامعة الدول العربية. بقلـم: يحيـى المـصـري مستشار بوزارة الاقتصاد المصرية