تناولنا في الحلقات الماضية موضوع التجسس الاقتصادي من حيث أسبابه ودوافعه، وسائلة وآلياته، وحددنا أهداف التجسس وآلياته في الامارات، وفي الحلقة الأخيرة تناولنا العوامل والظروف التي جعلت من الامارات بيئة خصبة للتجسس الاقتصادي في منطقة الخليج في اشارة الى العوامل الاقتصادية التي جعلت الامارات من أن تصبح أحد أهم المناطق التي يستهدفها التجسس الاقتصادي. وفي ضوء تحديدنا لتلك العوامل والأهداف فإن الامارات سوف تبقى مستهدفة أكثر خلال السنوات المقبلة وذلك مع تزايد أهميتها الاقتصادية والتجارية ومع تزايد حرص الشركات العالمية للتواجد في سوق الامارات، ثم للتطور التقني الذي يشهده المجتمع الاقتصادي الذي يعتبر له مخاطره الأكيدة على المجتمع الاقتصادي والتجاري خاصة والمجتمع ككل فيما اذا لم تضع الدولة ضوابط معينة لحماية الاقتصاد الوطني والمجتمع الاماراتي. ان تشخيصنا لواقع البيئة الاقتصادية لتحديد المنافذ التي يمكن ان تستغل من قبل شبكات التجسس الاقتصادي في الامارات يشكل الخطوة الأولى في تحديد كيفية مواجهة ومقاومة أخطار التجسس الاقتصادي مع الاشارة الى أن همية هذه الجهود والخطوات سوف تتضاءل امام التحولات والمتغيرات الاقتصادية العالمية، ومع استخدام دول التجسس الاقتصادي تقنيات عالية في حروبها الاقتصادية والتجارية التي سوف تشتد ضراوة وعنفاً مع تلك المتغيرات، والخشية هنا أن تصبح الامارات احدى ساحات الحرب هذه وذلك مع تزايد الشركات الاجنبية، والاستثمارات الاجنبية، ثم عدم قدرة الامارات على التحكم أو السيطرة على سوق التقنية المتطورة بشكل سريع جداً. من هنا وللحد من مخاطر التجسس الاقتصادي العالمي الذي يجب ان نقر بوجوده في سوق الامارات ان نستنفر كل الجهود في مواجهة هذه المخاطر أو الحد من تأثيراتها وانعكاساتها على الاقتصاد الوطني وعلى المجتمع التجاري وعلى سمعة قطاعنا الاقتصادي وهنا فإن القطاع الخاص على مختلف مؤسساته ووحداته، والقطاع العام على مختلف مؤسساته ووحداته والقطاع العام على مختلف اجهزته وسلطاته مطالبين ان يتفقا على رسم خطة المواجهة، وتحديد آليات هذه الخطة ووسائلها ولابد ان تتضافر كل هذه الجهود لمواجهة مخاطر التجسس لاسيما خلال الفترة المقبلة ولعل ونحن نؤكد على رسم هذه الخطة أن نحدد خطوطاً عامة لها تتجسد في اتخاذ خطوات معينة نذكر منها: ـ أهمية قيام السلطات المعنية في الدولة (الاقتصادية والامنية) بمراقبة السوق المحلية وتوعية رجال الاعمال (اماراتيين وغيرهم) بأهداف التخريب التي تسعى اليها دول التجسس الاجنبية، ثم الشرح لهم ومن خلال ندوات ولقاءات مباشرة بطبيعة أهداف التجسس الاقتصادي الاجنبي وآلياته ووسائله مع التأكيد على أهمية أخذ الحيطة والحذر من شبكات التجسس والاتفاق على وسائل لمواجهة آثاره وانعكاساته. ـ أهمية وضرورة استحداث إدارة خاصة في وزارة الاقتصاد والتجارة ينصب عملها على التنسيق مع الاجهزة الامنية والجهات المعنية الاخرى ولاسيما الدوائر الاقتصاية وغرف التجارة والبلديات في الامارات عامة وذلك لدراسة أوضاع الأشخاص الطبيعيين وغير الطبيعيين الذين يرغبون في اقامة أو فتح فروع لمشاريعهم على أرض الدولة والتأكد من مرجعيتهم وارتباطاتهم وطبيعة نشاطاتهم قبل الترخيص لهم بمزاولة نشاطهم في الدولة. ـ أهمية دراسة البعد الأمني في الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية التي تبرمها الجهات الاتحادية وكذلك المؤسسات المحلية مع جهات وشركات ودول اجنبية وذلك تلافياً لأي نشاط مشبوه قد ينجم عن هذه الاتفاقيات أو يترتب عليها لربما ان تكون هذه الاتفاقيات تجارية أو اقتصادية في ظاهرها ولكن تحتوي على بعد تجسسي أو امني في محتواها. ـ أهمية استقطاب وتدريب وتأهيل عدد من المواطنين من خريجي الاقتصاد على اعمال التفتيش والتدقيق على المشاريع المقدمة للترخيص لمزاولة اعمالها في الدولة، أو التي تزاول نشاطها وذلك ليتمكنوا من اكتشافهم لأي محاولات تجسس اقتصادي تقوم بها هذه المشاريع أو محاولات التخريب الاقتصادي والتجاري التي يمكن ان تحدث في سوق الامارات وتهدد سمعة السوق المحلية. ـ ضرورة وجود تشريعات أمنية تعاقب من تسول له نفسه بالتعاون مع الجهات الاجنبية أو الشركات والمؤسسات الاجنبية بتزويدها بمعلومات وبيانات دقيقة ومن شأنها ان تستغلها تلك الأطراف بالاساءة الى سمعة الدولة أو تهدد أمنها الاقتصادي والتجاري، ثم معاقبة المتورطين في الاعمال التجسسية لاسيما وأن المرحلة المقبلة وفي ظل الاعباء المعيشية المتزايدة وغياب فرص العمل فإن هذه شريحة من الموظفين سوف يضعفون امام الاغراءات المادية التي يمكن ان تقدمها الاطراف الاجنبية المعنية بالتجسس الاقتصادي في الامارات. ـ في ظل التوسع الكبير الذي تشهده سوق الامارات في مجال التقنية فإنه سيترتب على ذلك عدم قدرة الاجهزة الامنية والسلطات المعنية على المراقبة والتدقيق على عمليات تسرب المعلومات والبيانات التي تدخل في اطار المنطقة المحرمة في الدولة، ومن هنا فان الامر يتطلب وجود كفاءات مواطنة مدربة ومؤهلة وقادرة على مواكبة التطور التقني يمكنها التدقيق والتفتيش واكتشاف محاولات التجسس الاقتصادي الذي يمكن حدوثها في المجتمع الاقتصادي. ـ ان التوطين في الامارات يشكل أهم الخطوات التي يجب ان تولي أهمية قصوى في الامارات ليس من منطلق اتاحة فرص العمل امام المواطنين وانما يعتبر ذلك خطوة مهمة ورئيسية في تحقيق الامان الاقتصادي والاجتماعي في الامارات، كما ان ذلك يمليه أهمية حماية الاقتصاد الوطني من أي محاولات تجسسية يقوم بها بعض الموظفين العاملين في المؤسسات الاقتصادية خاصة، كما لايكفي ان يتم توظيف المواطنين فحسب وانما يجب تدريبهم وتأهيلهم على حماية المعلومات والبيانات التي تكون في حوزتهم أو تقع تحت مسئوليتهم، ويجب التأكيد عليهم بأهمية سرية المعلومات والبيانات هذه. ـ أهمية اتخاذ السلطات الامنية والاقتصادية الحيطة والحذر في تعاملها مع السفارات الاجنبية بالدولة وذلك نظرا لما تمارسه هذه السفارات من دور لايخلو من عمليات التجسس الاقتصادي. ـ لما كانت هناك شريحة من المستشارين والخبراء الاجانب يعملون في مواقع حساسة ودقيقة بمؤسساتنا الاقتصادية فإنه لابد من اخضاع هذه الشريحة للرقابة الدقيقة لما تتوفر لدى هذه الشريحة من معلومات وبيانات دقيقة سواء عن المشاريع الاقتصادية التي تنوي الدولة أو القطاع الخاص الوطني اقامتها، أو معلومات تعتبر دقيقة جداً ومهمة في القرار الاقتصادي المستقبلي في الدولة، وكي لايسمح لبعض من هؤلاء المستشارين من تسريب المعلومات أو التعامل مع جهات وشركات أجنبية فإنه لابد من وجود الرقابة اللصيقة لهم، وهنا لابد من تعزيز الثقة في العناصر المواطنة بعد تدريبها وتأهيلها وذلك بمنحها حق هذه المواقع الحساسة لكونهم الاقدر على فهم الاوضاع الاقتصاية في وطنهم، ثم هم الاحق والاكثر حرصاً على سمعة وطنهم واقتصادهم الوطني. ـ يجب ان تتخذ المؤسسات الاقتصادية العاملة في الدولة سواء العاملة في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص الحذر والحيطة في تعاملها مع بعثات المنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي اللذان يقعان تحت تأثير ونفوذ الدول الكبرى التي ترعى التجسس الاقتصادي في العالم، وبالتالي فان هاتين المنظمتين تمارسان دوراً تجسسياً على اقتصاديات العالم الثالث ولاسيما الاقتصاديات الناشئة مثل اقتصاد الامارات لصالح دول النفوذ والتجسس في العالم. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي