تكتسب العلاقات اليابانية الخليجية بعدا استراتيجيا خاصا كونها ترتبط الى حد كبير بمصدر الطاقة الأول في العالم حيث تعتمد اليابان على الامارات والكويت والسعودية اضافة الى ايران في تأمين أكثر من 80% من احتياجاتها النفطية. وخلال الجولة التي يقوم بها حاليا وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني تاكيو هيرانوما في هذه الدول فان النفط يفرض نفسه كمحور رئيسي للمباحثات التي يجريها مع نظرائه من المسئولين اضافة الى محاور اخرى يمكن وصفها انها تأتي في اطار رؤية يابانية لعلاقاتها الاستراتيجية مع هذه الدول. وترتكز الرؤية اليابانية الحالية على زيادة استثمارات الشركات اليابانية في دول الخليج العربية وايران في محاولة لربط العلاقات بين الطرفين بالمصالح المشتركة بمعناها الحقيقي القائم على المشروعات ورأس المال المشترك كمرحلة متقدمة للعلاقات الثنائية التي تعتمد فقط على التبادل التجاري. وتتضمن تطبيقات هذه الرؤية الاستثمارات النفطية عن طريق حقوق الامتياز أو المشروعات المشتركة الى جانب الاستثمار في القطاعات غير النفطية التي يهم هذه الدول الاستثمار فيها رغبة منها في الحصول على التقنيات اليابانية العالية. والمتابع لتطور علاقات اليابان بالدول الأربع لابد ان يلاحظ «الرغبة» اليابانية في زيادة استثماراتها في المنطقة والتي لاتزال الاقل على مستوى العالم رغم مسئولية هذه الدول امداد الاقتصاد الياباني المرتكز على الصناعة بما يحتاج اليه من قوة تستند الى النفط. ويعرف الجميع ان اليابان «الدولة الفقيرة في مواردها الطبيعية» هي أكثر الاقتصادات الصناعية حساسية لتغير أسعار النفط مقارنة باقتصاد كالولايات المتحدة أو دول الاتحاد الأوروبي الغنية بمواردها الطبيعية لاسيما النفط. ولايمكن اعتبار جولة الوزير الياباني واختياره الكويت والسعودية والامارات وايران مجرد مصادفة أو جولة تقوم على القرب الجغرافي بين الدول الاربع خاصة اذا ما وضعنا في الاعتبار ان هذه الدول تضع نفسها في مقدمة القائمة النفطية اليابانية. فالامارات التي تحتل المركز الأول تمد اليابان يوميا بنحو 965 الف برميل من النفط تليها السعودية بحوالي 913 الف برميل ثم ايران 526 الف برميل والكويت 358 الف برميل. وتصنف اليابان ضمن قائمة الدول الأكثر اهتماما بقانون الاستثمار الاجنبي الذي اقره مجلس الأمة الكويتي مؤخرا وهو ما أكده مدير مركز التعاون الياباني للشرق الأوسط جيرو نيمونو خلال زيارته الشهر الماضي للكويت على رأس وفد ضم أكثر من 30 رئيس شركة. وطرح نيمونو تصورا واضحا للشكل الذي يمكن ان تكون عليه العلاقات بين القطاع الخاص في البلدين فيما يتعلق بالاستثمارات الاجنبية في الكويت والتي تقدرها مصادر يابانية بحوالي 20 مليون دولار فقط. ويؤكد هذا التوجه الاعلان عن قرب فتح مكتب لهيئة التجارة الخارجية اليابانية «جيترو» والتي لديها أكثر من سبعين مكتبا حول العالم تقوم بأنشطة من شأنها دعم العلاقات الاقتصادية بكل أشكالها بين اليابان ودول العالم. وخلال محطته الأولى في الجولة بحث الوزير الياباني مع المسئولين السعوديين التعاون بين البلدين وتحديدا تنمية وتطوير حجم الاستثمارات اليابانية في السعودية في مجالات كالطاقة ومعالجة النفايات الصلبة ومياه الصرف الصحي وتحلية المياه. وكانت شركة سوميتومو اليابانية قد حصلت في شهر يناير الماضي على حق بناء محطة لتحلية المياه في السعودية بقيمة 2.2 مليار دولار بطاقة انتاجية تصل الى 730 الف متر مكعب من المياه يوميا. ويقدر عدد المشروعات المشتركة بين البلدين بنحو 40 مشروعا ربعها في القطاع الصناعي رأسمالها يزيد على سبعة مليارات دولار نسبة اليابانيين فيها 45%. والامر لا يختلف كثيرا في المحطتين التاليتين حيث يتوقع ان يناقش الوزير الياباني موضوع الاستثمارات الاجنبية في القطاعات غير النفطية في الامارات وايران. من جانب آخر فإن زيارة هيرانوما للكويت في هذا الوقت تحديدا تأتي في اعقاب تداول الكثير من الاخبار والتقارير محليا وعالميا الاسبوع الحالي عن مفاوضات البلدين بشأن تحديد عقد شركة الزيت العربية اليابانية للتنقيب عن النفط في حقل الخفجي في المنطقة المحايدة والذي ينتهي في يناير 2003. ويتضمن برنامج زيارة وزير الاقتصاد الياباني لقاء مع رئيس مجلس الامة جاسم الخرافي والنائب الاول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ صباح الاحمد ووزير النفط الدكتور عادل الصبيح ووزير التجارة والصناعة صلاح خورشيد. وكان وزير النفط الكويتي في معرض رده على هذه الاخبار واضحا عندما اكد ان الموضوع لا يزال في طور التفاوض وان اي اتفاق يمكن التوصل اليه لابد وان يعرض على المجلس الاعلى للبترول ومن ثم اقراره من مجلس الوزراء وقد يتطلب الامر عرضه على مجلس الامة. وكان الوزير الصبيح قد صرح لمجلة ميس الاقتصادية في يونيو الماضي بان الاشهر المقبلة سوف تشهد بدء سلسلة من المباحثات الكويتية اليابانية حول الموضوع موضحا ان هذه المباحثات ستسير في اتجاه ابرام عقد جديد وليس تمديد العقد القديم وهو ما يعني شروطا ومواد جديدة سوف يتضمنها العقد المقبل. وتعتبر شركة الزيت العربية اليابانية «مقرها طوكيو» اكبر منتج ياباني للنفط حيث تشارك في ملكية الشركة اربع من اكبر الشركات اليابانية إلى جانب حصة تبلغ 21.8 في المئة مقسمة بالتساوي بين الكويت والسعودية. وتقوم الشركة بموجب عقد يعود إلى عام 1960 بالبحث والتنقيب وانتاج النفط من المنطقة المحايدة المقسومة بين الكويت والسعودية بطاقة 300 الف برميل يوميا منها 135 الف برميل من القسم الكويتي يذهب 78 الف برميل منها لليابان. وتعول اليابان كثيرا على مباحثاتها مع الكويت بخصوص حقل الخفجي خاصة بعد خسارتها في شهر فبراير من عام 2000 حق الامتياز الذي كانت تستثمر بموجبه لمدة اربعين عاما في الجانب السعودي من المنطقة المحايدة. وجاء في الاسباب الخاصة بعدم اتمام الاتفاق رفض اليابان الشرط السعودي المتمثل في تمويل بناء خط للسكك الحديدية بقيمة ملياري دولار داخل الاراضي السعودية. وكانت انباء صحفية منقولة عن صحيفة كيودو اليابانية قد ذكرت ان زيارة الوزير الياباني للسعودية والتي استمرت اربعة ايام بدءا من الثلاثاء الماضي تضمنت مرة اخرى فتح هذا الملف الهام لليابان. وتكتسب المحطة الثالثة للوزير الياباني اهمية خاصة كون الامارات هي اكبر مزود نفطي لليابان كما انها اكبر شريك تجاري لها في المنطقة حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2000 حسب مصادر الجيترو نحو 17.4 مليار دولار منها 14.8 مليار دولار صادرات نفطية من الامارات. ويتوقع ان يقوم الوزير هيرانوما بزيارة إلى حقل زاكوم الاكبر الاماراتي والذي يعتبر واحدا من اهم المشاريع المشتركة بين البلدين. وفي ايران فإن المباحثات وحسب مصادر وكالات الانباء العالمية سوف تتركز على تطوير حقل نفط ازاديجان «غير المستغل» والذي يمكنه انتاج نحو 400 الف برميل يوميا واحتياطيات تتجاوز 26 مليار برميل. وتأمل الشركات اليابانية من خلال دخولها ايران عبر كونسرتيوم ياباني اسيوي عالمي الفوز بهذا العقد لتوسيع انشطتها الاستثمارية في قطاع النفط في وقت تسعى فيه ايران إلى تنويع الاستثمارات الاجنبية في القطاع النفطي الذي تسيطر عليه شركات اوروبية. وتكتسب زيارة وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني اهمية خاصة كونها الاولى لوزير اقتصادي ياباني إلى ايران منذ عام 1979. وبعيدا عن النفط فإن العلاقات التجارية بين الطرفين سوف تحتل جزءا من مباحثات الوزير الياباني مع نظرائه من وزراء التجارة في الدول الاربع حيث التركيز على وارداتها من اليابان وصادراتها غير النفطية إلى اليابان. وحسب ارقام 1999 «آخر احصائية شاملة» فإن التبادل التجاري بين اليابان ودول مجلس التعاون الخليجي بلغ نحو 25.3 مليار دولار منها 17.8 مليار دولار صادرات خليجية إلى اليابان اي نو 18 في المئة من صادرات هذه الدول إلى العالم وهو ما يجعل اليابان اكبر شريك تجاري لدول المجلس. ـ كونا